الوالد الذي اختار الرحيل

الوالد الذي اختار الرحيل
رحيل الأب الروحي الذي اتّسعت أبوته لأمّة بأسرها. كان امتدادًا للخميني، وحامل أمانة الثورة والوحدة الإسلامية. لم يغب بل تجسّد في أبنائه، وخلّف المجتبى ليكمل مسيرة المقاومة والصمود. سلامٌ على فكرةٍ لا تموت....

لم يكن الغياب حدثًا عابرًا… بل زلزالًا صامتًا ضرب أرواحنا من حيث لا نحتسب. فجأة، انكفأ ذلك الظل الذي اعتدنا أن يظللنا، وتراجع ذلك الحضور الذي كان يسبقنا إلى الطمأنينة، ويؤخر عنا الخوف. رحل الأب… لا الأب بمعناه البيولوجي الضيق، بل الأب الذي اتسعت أبوته حتى احتضنت أمةً بكامل جراحها وآمالها. رحل من كنا نشعر معه أن السماء أقرب، وأن الأرض أقل قسوة.

تجرّعنا اليتم دفعةً واحدة، نحن أبناء هذه الأمة الممتدة من غزة إلى القدس، ومن لبنان إلى العراق، ومن اليمن إلى بنغلاديش والهند وسائر بقاع الانتشار. كنا نستظل بحكمته، ونحتمي ببصيرته، ونلوذ بصمته الذي كان أبلغ من كل خطاب. واليوم، ونحن في أربعين غيابه، نكتشف أن الغياب لم يُطفئ حضوره… بل جعله أكثر رسوخًا فينا، كأن روحه قد توزعت علينا بالتساوي.

وُلد كقبس نور في زمنٍ كانت فيه الظلمات تتكاثر، فكان ميلاده وعدًا مبكرًا بأن في هذا العالم من سيعيد ترتيب المعنى. في شبابه، لم يكن عاديًا؛ كان قلقًا بمعنى النهوض، مشغولًا بقضايا الأمة، متصلًا بجذور الدين اتصال العارف لا المقلّد. وهناك، في حضرة روح الله الموسوي الخميني، وجد نفسه كما يجد النهر مصبه، فكان التلميذ الذي ذاب في معلمه، لا ليختفي، بل ليصير امتدادًا حيًا له.

لم تكن علاقته بالخميني علاقة قيادة بتابع، بل كانت أشبه بعلاقة روحٍ بروح؛ تعلّم منه كيف تكون الثورة موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون حدثًا سياسيًا، وكيف يكون الإسلام مشروع حياة لا مجرد شعارات. وحين اقترب الخميني من جوار الرفيق الأعلى، لم يكن اختياره لخلفه قرارًا إداريًا، بل رؤية ممتدة، إذ رأى فيه استمرار الثورة، واستمرارية المعنى الذي أشعله.

تسلّم الأمانة في زمنٍ ثقيل، فكان الرقم الأصعب في معادلةٍ لا ترحم. لم ينكفئ، ولم يتردد، بل مضى يحمل عبء أمةٍ بأكملها، يسعى لوحدتها، يجمع شتاتها، ويزرع في وجدانها أن الإسلام ليس حدودًا ضيقة بل أفقًا جامعًا. عمل على ترسيخ الوحدة الإسلامية، وفتح الأبواب أمام حركات التحرر، فكان صوتًا للمستضعفين، وسندًا لكل من أراد أن يكسر قيوده.

وفي قلب المواجهة، كان حاضرًا حيث يجب أن يكون القادة الكبار. لم يكن متفرجًا على قضية فلسطين، بل كان من أوائل من حوّلها إلى مشروع مقاومة فعلي، يدعمها بالكلمة والموقف، وبما هو أبعد من ذلك. ومع لبنان، كان اليد التي تُمسك بخيوط الصمود، ومع العراق واليمن، كان الوعي الذي يرفض الاستسلام. لقد أعاد تعريف القيادة: أن تكون حيث الألم، لا حيث الأمان.

كان زاهدًا في ذاته، عظيمًا في أثره؛ جمع بين الحزم والرحمة، بين الصلابة واللين، بين العقلانية والإيمان العميق. لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه كان نافذًا. ولم يكن حضوره استعراضيًا، لكنه كان طاغيًا في القلوب. كان أبًا، نعم… لكنه أيضًا مدرسة، وموقف، وتاريخ يُكتب كل يوم.

وحين اختار الرحيل… لم يكن ذلك هروبًا من التعب، بل تتويجًا لمسيرةٍ أراد لها أن تنتهي بالشهادة، كما تليق بمن عاش عمره واقفًا. رحل مطمئنًا، كأنه يسلّم الراية وهو واثق أن الطريق لن ينقطع. ترك لنا أخًا أكبر… المجتبى، ذاك الذي أعدّته الأيام ليكون امتدادًا، لا تكرارًا؛ شجاعًا، حكيمًا، باسلًا، ومعطاءً، كأن السماء سمّته لتقول لنا: إن المسيرة مستمرة.

في الأربعين، لا نبكيه كما يُبكى الراحلون، بل نستحضره كما يُستدعى الحاضرون. هو الغائب الذي لم يغب، والحاضر الذي لم ينصرف. نسير على خطاه، لا لأننا فقدناه، بل لأننا وجدناه فينا.

سلامٌ عليه يوم وُلد ويوم عاش طريقًا، ويوم رحل شهادة… ويوم يعود فينا فكرةً لا تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *