أطروحة حياة” سيرة علي شريعتي واشتباك الأنساق الثقافية

أطروحة حياة" سيرة علي شريعتي واشتباك الأنساق الثقافية
يُبرز النصّ سيرة علي شريعتي كما وثّقتها زوجته، موضحًا دوره في صياغة الخطاب الإسلامي المعاصر، صراعه مع السلطة، اتهاماته المتناقضة، وتأثير محاضراته، مؤكّدًا مسؤوليّة التوثيق التاريخي والدفاع عن صورته أمام التشويه والإقصاء....

لا حاجة بنا أنْ نُعرِّف القارئ بكتابات المفكّر الراحل الدكتور علي شريعتي، فقد “ملأ الدنيا وشغل الناس” ردحًا من الزمن ـ قياسًا إلى مجايليه ـ منذ ظهور نشاطه المعرفي والثقافي أواسط الستينات من القرن المنصرم، وصولاً إلى عقدنا الحالي، وقد سهّل من سيرورة كتاباته أسلوبُه الأدبي السهل الممتنع، فضلاً عن طرحه قضايا العصر الراهن بنزعة إسلامية لا تتنكّرُ للسلف، وفي الوقت نفسه لا تغضّ النظر عن مستجدّات المعارف الإنسانية الحديثة، وكيف يغضُّ الطرف عنها وقد أكمل دراسته الجامعية العليا “الدكتوراه” في فرنسا، وتفاعل مع أبرز أحداث عصره؟

الخطاب الإسلامي المعاصر

كان لمحاضراته التي ألقاها على الأعداد الغفيرة من الطلبة في حسينية الإرشاد، أثرها في تهيئة الأذهان لنصرة الثورة الإسلامية في إيران، وغير ذلك من نشاطات ثقافية رافقت مسيرته العلمية داخل الجامعة وخارجها، تعرّف عليها قرّاء شريعتي ومريدو أفكاره، لكن ما يستحق أن نقف عنده وقفة متأمل، هو ما كتبته زوجته الراحلة الدكتورة بوران شريعت رضوي في كتابها “أطروحة حياة” إذ كان توثيقًا بالغ الأهمية لسيرة هذا المفكِّر الذي بقدر ما كان له معجبون كُثُر بأفكاره، كان هنالك من المنزعجين من سيرته الفكرية ومسيرته النضالية التي لم تخرج عن حدود ما يخطّه القلم لا أكثر..! وممّا يُميّز فرادة هذه السيرة المكتوبة عن شريعتي أنّها تُخالف السائد من الكتب التي تناولت السيرة الذاتية، لأنّ الشخص ـ صاحب السيرة ـ هو الذي يسرد قصة حياته، وهنا بوران سردت لنا بطريقة أو بأخرى قصة حياتها أيضًا ولكن جعلتها هامشًا في قبال المركز أو الغاية من الكتابة، ألا وهي الكتابة عن سيرة زوجها “شريعتي” منذ الطفولة إلى رحيله عن الدنيا، مستعينةً بذاكرتها في كثير من تلك التفاصيل، مضافًا إلى ذلك ما كتبه شريعتي من رسائل لها أو لِمُقرّبين منه، أو ما كتبه أبناؤها (إحسان، سوسن، مونا) وأخوها وأقاربُه وأقاربُها من شهادات أدلَوا بها في مصادر ومراجع مختلفة، أو بالرجوع إلى وثائق رسمية منشورة عنه استندت عليها في تدوين هذه السيرة، بما يُدلِّل على اهتمامها في تكوين صورةٍ طبق الأصل عن “علي شريعتي” كما عرفته وكما عرفه مُحِبُّوه، بوصفها شاهدًا ـ مع من ذكرتْ أقوالهم في هذه السيرة ـ عايشت الأحداث المريرة التي عصفت بها وبزوجها، كلُّ ذلك يأتي في سياق غاية مهمّة لم تجد ضيرًا في التصريح بها، ألا وهو الدفاع عن شريعتي عمّا قيل فيه بعد موته من أقوال أبعد ما تكون عن الصواب، وإن كانت قد صرّحت في أول سطر من هذه المقدِّمة بالقول: “ليس الغرضُ من تدوين هذا الكتاب، الدفاع عن شريعتي، فهذا العمل، حسب تعبيره، عمل الضعفاء” ص: 21، وهو رأيٌ قد لا يتفق عليه القارئ المعتدل، إذ ليس من العيب الدفاع عن سمعة الشخص فيما لو تلطّخت بأكاذيب وتشوّهت بأقاويل لا أساس لها من الصحة، يُراد منها تلبية أغراض سياسية أو غيرها، سواء أكان ذلك الشخص نفسه هو الذي يدفع عن نفسه التُهم والظنون الباطلة، أم كان شخصًا آخر يعرفه حق المعرفة فيُبادر إلى تبرئته ممّا قيل فيه، ولنا في القرآن الكريم ـ وتحديدًا في سورة يوسف ـ أسوة في هذا الشأن، إذ ورد قوله تعالى: “وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ”[سورة يوسف: 50] إذ لم يوافق يوسف (عليه السلام) علی الخروج من السجن دون أن يُثبت براءته، ولم يرغب أن يكون كأيّ متّهم يعيش مشمولاً بـ “عفو الملك”، إذ طلب أن يُحقّقَ في سبب حبسه، وأن تثبت براءته وطهارة ذيله، ويخرج من السجن مرفوع الرأس. وهنا يؤكد لنا اهتمامه بكرامة شخصيته وشرفه قبل خروجه من السجن، وهذا هو نهج الأحرار. (ينظر: تفسير الأمثل).

مسؤولية التوثيق التاريخي

ولمن يتأمّل في كلامها عن نفي غاية الدفاع عن شريعتي وراء تأليف كتابها، سيجد أنّ هاجس الاتِّهام بالوقوف في البُعد الذاتي وراء تأليف هذا الكتاب، الأمر الذي دفعها لدفع أيّ تصوّر يُبديه قارئ كتابها بأنّه دفاع الزوجة عن زوجها. وهذا ما لا تريده د. بوران، بدليل أنّها أشارت إلى المسؤولية التاريخية، والأخلاقية في الوقت نفسه، في التصدّي لهذه المهمّة، بكشفها النقاب عن سيرة شريعتي لا من الناحية الشخصية/ الأُسَرية، بل من الناحية العلمية، والسياسية كذلك. وقولها في المقدمة نفسها: “هناك أيدٍ مشتبهٌ فيها تحاول اليوم في غيابه، تزييف الوقائع والوثائق، وتكريس الإشاعات، وتضخيم مواطن الغموض، وإلقاء الشبهات، وترويج التهم، لكي يُمحى من الأذهان بأيّ نحوٍ كان أصل القضية وهو أحقيةُ الإيمان والمُثُل، ولكي يُمسَحَ ذكرُ إنسانٍ عبَّأَ في سبيل تحقيقها كلَّ جهوده، وخاض النضال ودخل السجن وواجه الهجرة والشهادة. وفي مثل هذه الظروف تقع على عاتق الرواة الثقات مسؤولية جسيمة” ص:22، يكشف بصورة غير مباشرة عن قيامها بتلك المسؤولية التي وجدتْ نفسها أولى الذين تقع عليهم نياطُها.

ولا يخفى على أدنى متأمِّل مدى ما كان يُعانيه شريعتي في حياته من اتِّهامات له من مُخالفين له نظروا إليه بعينٍ واحدة من زاوية ضيِّقة تُمثِّل توجّهَ ذلك المُختلف عنه، ويرغب أن يكون الآخرون كلهم على شاكلته، فإن اختلفوا معه، رماهم بما يحلو له من اتِّهامات تأخذ أثرَها السلبي في مجتمع لا يتدبّرُ الأعمُّ الأغلبُ فيه مدى مصداقية مُطلقي تلك الاتهامات من عدمها، فتنتشر ـ والحالة هذه ـ تلك الأقاويل التي تُسيء لشخص الدكتور شريعتي شخصيًا وفكريًا، انتشار النار في الهشيم، بما تُقلِّص من دائرة تأثير فكره في المجتمع، وتُمهِّد فيما بعد لكل ما تنوي السلطةُ عليه من إيذاء لشخصه بشتّى السُبُل، كلُّ ذلك بفعل أثر تلك الاتِّهامات الباطلة بحقِّه..! وهذا ما حدث فعلاً له في حياته وما بعد رحيله. ولهذا وذاك كان للدكتورة بوران أن تقفَ عند هذه التفصيلة المهمّة باعتبارها أحد الأسباب التي دفعتها لتدوين هذه السيرة، وذلك في قولها الذي يوحي بنبرة أسف ممزوج بشجب واستنكار لمن وقفوا بالضدِّ من شريعتي شخصًا ومنجزًا: “واليوم وبعد مُضيّ عقدٍ ونصفِ العقد على هيمنة الثورة الإسلامية، وجد بعضُ الأشخاص مثل العميد السابق لكليّة الآداب في مشهد الأجواء مهيأة لكي يُبرِز نفسه، وينير أذهان المواطنين والمؤرخين، ويسرد بعض ذكريات عن زميله شريعتي، تضمنت بعض التلفيقات التي وضعها وفقًا لفهمه للأمور، واستنادًا إلى الآراء التي يُدلي بها الآخرون بقصد التقرُّبِ إلى….” ص: 22، وواضحٌ من هذه النقاط التي تركتها لنا بوران ـ زوج شريعتي ـ لم تكن إلا إشارةً جليةً لبيان استمرار المظلومية على شريعتي ومنجزه بعد انجلاء النظام الشاهنشاهي الذي قارعه زوجُها بفكره وقلمه، وكأنّه لم يكن “الأب المُنظِّر للثورة الإيرانية” بحسب ما ذكره “علي راهنما” ـ أبرز من تصدّى لتدوين سيرته السياسية ـ ولم تكن ظلامة شريعتي منحصرةً بشخصه فحسب، بل امتدّ أثرُها إلى بوران أيضًا، إذ مُنِعت من التعليم في زمن النظام الجديد، مدة (4) سنوات، وانتهى بها المطاف إلى إحالتها على التقاعد المُبكِّر عام 1983 لكونها رفضت تولّي أيّ منصب رسميٍّ أو أن تكون عضوًا في أيِّ حزب من الأحزاب الجديدة، وحين توفّاها الله مُنعت صلاة الجنازة عليها داخل حسينية الإرشاد، بما يُشير إلى فهمٍ مُريب أو يُرادُ به الريبة والحذر من فكر شريعتي وكل ما يتعلق به حتى ما له علاقة بالجانب الأُسري منه.

وثمّة سببٌ آخر دعا بوران إلى التصدِّي لكتابة هذه السيرة عن زوجها، تتمثّل بما كان من بعض ممثلي المؤسسة الدينية من رجال دين وقفوا بالضدِّ من شريعتي لا سيّما بعد أنْ مارس دورًا ملحوظًا في حسينية الإرشاد بإلقائه المحاضرات من هناك على العشرات بل المئات من الطلبة المتعطِّشين لخطاب إسلاميّ معاصر يمزج بين التراث والمعارف الإنسانية الحديثة، ويتناول مسائل الدين وفقًا لمقتربات علمية معاصرة لم يألفها الأعم الأغلب من رجال الدين، الأمر الذي أدّى إلى حصول قطيعة بينه وبين أكثرهم، وتجلّت تلك القطيعة بمختلف أنواع النبذ والإقصاء لحِراكه الفكري، منها ما كان باتِّهامه بالتسنُّن على الطريقة الوهّابية، ومنها ما كان باتِّهامه بالفكر الماركسي، ومنها ما كان باتِّهامه بالتأثُّر بالغرب ومفكِّريهم مثل سارتر وغيره، حتى إنّه إذا ركب سيارةً نوع “مسكوفيجي” أخذ الذين يُرجِّفون أمام الناس أنّه ماركسيُّ التفكير، ويؤكِّدون للسُذّج من الناس، أنّه من خلال ركوبه هذه السيارة، يُدلِّل على ماركسيّته بصورة عمليّة..! الأمر الذي دعا بوران أنْ تشير في مقدِّمتها تلك إلى هذه الفئة من المجتمع، بالقول: “وعلى صعيد آخر ينبري أشخاص من الحوزة العلمية إلى النيل من رجلٍ ضحّى بحياته في سبيل دينه وعقيدته ويُوجِّهون إليه تُهمًا لم يقترفها، ويُعبِّرون عن اهتمامهم به عن طريق كيل التهم والافتراءات له وتزوير الوثائق ضده، مستغلّين غيابه عن الساحة وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه” ص: 22، وفي الفصل الخامس من الكتاب، كان لها أنْ تضع قارئها في المدة التي عمل فيها شريعتي في حسينية الإرشاد بعد خروجه من الجامعة، وما كان يعانيه ممّن يصفهم بـ “الكسبة” ص 171 الذين لا يهمّهم إعادة النظر في الخطاب الإسلامي وتجديده بما ينسجم وروح العصر وقضايا الإسلام الراهنة بلغة بعيدة عن العموميات أو الأوهام أو اليقينيات المُطلقة؛ لأنّه بعد احتكاكه بالشباب المتفاعل مع محاضراته أراد “تلبية متطلبات الجيل الجديد الذي يحمل همومًا ومعاناة خاصة ويحتاج إلى غذاء جديد بدلاً من الاهتمام بحشد الجمهور والإكثار من المجالس الدينية الخاوية”، وبسبب ذلك لم يُكمل الشوط في إلقائه المحاضرات من على منبر حسينية الإرشاد، لأنّه بحسب كلامه: “لا أريد أن أُظهِرَ نفسي كمُتديِّنٍ مُتجدِّد على طريقة الملالي الجُدد الذين يلطمون صدورهم أمام مكبِّرات الصوت. ولا أريد أنْ أكونَ مُقلِّدًا للغرب في ظاهري بينما أعيش نفسيًّا وباطنيًّا أقصى درجات التخلُّف والانحطاط” ص171 . وإذ تضعنا بوران أمام رسائل شريعتي التي دوّنها في تلك المدة، وعن تلك الأحداث التي اشتبك معها فيما له علاقة بنشاطه في حسينية الإرشاد، أرادت من خلال ذلك بطريقةٍ أو بأخرى أنْ تُسوِّغ للقارئ المنهج الذي اختاره شريعتي في نشاطه الفكري وطريقته التي اختارها في طرح ذلك الفكر، ومن ذلك ما كتبه بعد طلب مجلس أمناء الإرشاد ألّا يُلقي أيّ محاضرة هناك، “والسبب الثالث هو ما لاحظته بعد عودتي من أوروبا أنّ الأوضاع الفكرية والاجتماعية وقضايا الجيل الجديد قد تغيّرت، ورأيت أنّه لم يعد بإمكاني القيام بالعمل السرّي البنّاء والهادئ والعميق الذي أُؤمن به. ولا أجدُ أمامي إلا أحد خيارين: أنْ أنهمكَ في عملي وأصير في عيون الناس أستاذًا جامعيًّا متمدِّنًا وباحثًا قديرًا وأعيش حياةً رغيدةً بعيدةً عن الآلام والهموم وأحظى بالتقدير والثناء من الجميع. وإذا عجزتُ عن القيام بعملٍ ما فإنِّي على الأقل أستطيع أنْ أصرخ، أولا أتناسى أنَّ هناك همومًا وآلامًا. وقد رجّحتُ الخيار الثاني رغم أنّه لا يخلو من التهم والأحقاد من الأعداء والأصدقاء. وجاءت محاضراتي التي ألقيتُها في حسينية الإرشاد انطلاقًا من هذه الرؤية، وهي أنني لا أستطيع القيام بعملٍ آخر غير هذا” ص174. وبهذا التوضيح الذي عملت بوران على زجِّه في سيرة شريعتي بوصفه مفصلاً مهمًّا من حياته الفكرية في جانبها العملي، أرادت أنْ تكشِف للقارئ عن خلفيّة الأقوال التي أساءت فهم شريعتي، بقصدٍ أم من دونه، باعتبارها قد انطلقت من جهات من وسط المؤسسة الدينية التقليدية التي لا تؤمن بالرأي الآخر في قراءة الموروث الديني، لا سيّما إذا كان الآخر مُسلَّحًا بأدوات معرفية غريبة/ غربيّة عن دائرة معارف تلك المؤسّسة، بما يُفسِح لتلك المؤسّسة أنْ تُثبِت لأتباعها بالدليل على رفض مثل ذلك الخطاب، بوصفِه خارجًا عن مدار الخطاب المُشرعَن معرفيًا داخل المؤسسة الدينية.

ومن بين أهمِّ الدوافع التي استوقَفت بوران لتكريس جهدها في هذه السيرة، ما تمَّ إلصاقُهُ ظلمًا بشريعتي من أنَّه كان أحد عملاء النظام الشاهنشاهي وله تعاون مع جهاز أمنه “السافاك”، ومعلومٌ ما يُراد به من التُهمة إنْ أخذَت مساحتَها في الانتشار، من تشكيكٍ بنواياه ومن ثمَّ رفض كلِّ ما يطرحه من أفكار تمسُّ الجانب الديني أو الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي، باعتباره رجلاً مطعونًا بمصداقيته؛ لانتمائه لجهاز أمن الدولة، وصولاً إلى النفور منه ومن كلِّ ما يتعلّق به، ويُمهِّد للقبول بكلِّ ما يقع عليه من أذىً، وهذا ما كان جهاز الأمن الشاهنشاهي يشتغل عليه، إذ عرَضت لنا بوران ما كان يتعرَّض له شريعتي من ترغيب تارةً ومن ترهيب لأجل أنْ ينضمَّ أو يتعاون مع جهاز السافاك، منذ أنْ كان مدرِّسًا في الجامعة، وفي اعتقاله، وبعد اعتقاله، وهو الذي رفض كلَّ تلك المغريات ولم يرهب ما كان يُمنى به من خسائر وأوجاع وتضييق، آخرُها ما تعرَّض له بعد رحيله المفجع الذي لم يكن رحيلاً عاديًّا، بل تخالطه الشكوك حول ما إذا كان موتًا طبيعيًّا وهذا ما تنفيه بوران وكل من عرفه صحيح البدن موفور الصحة، أو موتًا مُدبَّرًا له من قبل جهاز “السافاك”، وإذا تحقّقَ لهم موتُه، فكانت أمانيهم أنْ يستغلّوا ذلك الموت لصالحهم، بتشييعهم لجثمانه وإيصال رسالة مضمرة بأنّه أحد رجالهم، وهذا ما انتبهت إليه بوران، برفضها ورفض أبنائها تسليم الجثة لهم، ودفنه في سوريا، قرب مدفن السيدة زينب، وإلّا فقد كانت تتمنى أنْ يكون مدفنه في إيران، وذلك في قولها: “وبما أنّه كان خراسانيًا، ينبغي أنْ يُدفن في مشهد، والحقيقة أنّ هذه رغبتي القلبية، ولكنني ما كنتُ أريد أنْ تستغلَّ الحكومة ورجال السافاك جثمان علي لمصلحتهم، ويتظاهرون كأنَّهم لم يقتلوه وإنّما مات رغم أنفه، وأنّه كان في نظر الحكومة عالمًا وشخصيةً مرموقةً ومكرَّمةً، ويقيمون له مجلس عزاء حاليًا ويُشيِّعون جثمانه” ص273. ومن المفارقات أنَّ هذه التهمة لم تنته بانتهاء النظام السياسي الذي وقف شريعتي بالضدِّ منه طيلة حياته، بل كان لها أنْ تستمرَّ بعد مجيء النظام الذي انتصرَ له أكثرُ مريدي فكر شريعتي، إذ أشار الدكتور عماد الهلالي ـ الذي راجع الكتاب وقدّمه ـ أنَّ صحيفة “15 خرداد” اتَّهمت شريعتي بالعمالة مع السافاك، الأمر الذي دفع بوران لكتابة فصول هذه السيرة من حياة زوجها وما تعرَّض له من تضييق عاشته بنفسها وذاقا مرارته، وهذه المفارقة تكشف للقارئ المتأمِّل أنَّ شريعتي بقي بفكره في حياته وبعد مماته مثيرًا للجدل، مختلَفًا في شخصيته بين عدّة تقييمات أكثرُها كانت تمثِّل رأيًا مطلقًا في تقييمه ومنجزه، ولأنّها لا تؤمن بمنطق النسبية الذي أتاح لشريعتي أنْ يُنوِّع في مرجعيّاته الفكرية، فيأخذ من مختلف الإيديولوجيات والنظريات والمعارف ليصوغ منها ما يراه جديرًا بقراءة الموروث أو قراءة الحدث المعاصر، وإلا ما معنى أنْ يتّهمه الشيوعيون بالتعصُّب المذهبي، والمذهبيون من الشيعة يتّهمونه بالشيوعية تارةً وبالزندقة تارةً أخرى، والمذهبيون من السنّة بالتشيُّع الطائفي، وغيرهم يتّهمه بالوجودية، سوى دليل على وقوع كلِّ جماعةٍ من هذا الجماعات في أسر التقييم الأحادي المُطلق الذي تُعزِّزُ به كلّ جماعة طروحاتها من خلالها، وتدعو أتباعها عبر المقولات التي تؤمن بها من دون أدنى نقد أو تشكيك.

وتنبغي الإشارة، من باب الإنصاف، إلى أنَّ شريعتي كان ـ بحسب وصف الدكتور عبد الجبار الرفاعي ـ مثقّفًا رسوليًّا؛ كرّس جهده لترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الإيديولوجيا، وحاول أنْ يعمل على تحويل الدين من ثقافة إلى إيديولوجيا بتفسيره الثوري للدين، على أنّه في الوقت نفسه حين شخّص نقديًّا هذه الظاهرة في مجمل النشاط الفكري الذي اشتغل عليه شريعتي، لم يتنكر لكفاحه وتضحيته، وهذا ما ينبغي لكل من يقرأ مجمل أعماله الفكرية ويكتشف سيرته ومواقفه، إذ على الرغم أنّه “وقع أسيرًا للإيديولوجيا، غير أنَّ قلبه لبث قلب عاشق، كأنَّ شخصيته تلتقي فيها الأضداد، ظلَّ شريعتي منحازًا للضحايا كلَّ حياته، يشدو آلام المحرومين، ويصرخ بمظلومية المعذّبين، ويبكي جراح أرواحهم النازفة، لم يرهبه السجن الانفرادي في زنزانة كئيبة” [مفارقات وأضداد، الرفاعي: 50]، وبهذا الصدد يقف الرفاعي على ما دوّنته بوران في هذه السيرة باللغة الفارسية، بقوله: “عندما قرأت سيرة شريعتي الفارسية لحظة صدورها بجزأين قبل سنوات، كتبتْها رفيقة دربه بوران شريعت رضوي زوجته، كنتُ أتمثّلُ مواقف هذا المثقف الشهم الغيور على الإنسان، تألّمتُ جدًا لما تعرّض له من اضطهاد ومطاردة وتشريد، ممّا اضطرّه للهجرة متخفيًّا للمنفى سنة 1977 ووفاته المُفجِعة بعد وصوله لندن بمدة قليلة، وهو بعمر 44 عامًا” [نفسه: 49 ـ 50]، بما يؤكِّد لنا تفرّد سيرة هذا المفكِّر وتأثيره بما لا يُوازيه مفكرٌ إيرانيٌّ معاصر، وأنّه على رغم ما قيل فيه، يبقى ومنجزه رقمًا مهمًّا في مدوّنة الفكر الإنساني عامة والإسلامي خاصة، وليس كما وصفه أحد الكتبة الإسلامويين المعاصرين بأنَّ أفكاره صارت “خُردة” لا تستحق النظر أو التأمُّل..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *