بين وَهْمِ القُوّة وضرورة الوعي التاريخي: قراءة في السلوك الأمريكي من فيتنام إلى إيران

بين وَهْمِ القُوّة وضرورة الوعي التاريخي قراءة في السلوك الأمريكي من فيتنام إلى إيران
يربط النص بين تجربة فيتنام والسياسة الأميركية تجاه إيران، مبرزًا استمرار الاعتماد على القوة بوسائل غير مباشرة، رغم التحذيرات الداخلية من عواقبها، ومؤكدًا أن غياب توظيف الدروس التاريخية يعيد إنتاج أخطاء الماضي بصيغ جديدة....

لا يمكن الحديث عن الأحداث الدولية الكبرى، ولا سيّما تلك التي تتعلّق بالصراعات والحروب، بمعزلٍ عن الوعي التاريخي الذي يُفترض أن يُشكِّل مرتكزًا أساسًا في فهمها واستيعاب مآلاتها؛ إذ ليس التاريخ مجرّد وقائع تُستعاد للذكر أو التوثيق، بقدر ما هو مخزونٌ من التجارب التي ينبغي أن تُقرأ قراءةً واعيةً تُسهم في ترشيد الحاضر وتوجيه المستقبل. ومن هذا المنطلق، فإنّ استحضار تجربة حرب فيتنام، عند النظر في طبيعة السلوك السياسي والعسكري الذي تنتهجه الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران، لا يُعدّ ترفًا فكريًا، بل ضرورة تحليلية تفرضها طبيعة التشابه في المنطلقات، وإن اختلفت الأدوات.

لقد شكّلت حرب فيتنام، بما انتهت إليه من نتائج، منعطفًا مهمًا في الوعي السياسي الأمريكي، حتى شاع في الأدبيات السياسية ما يُعرف بـ”عقدة فيتنام”، التي تفترض أن الولايات المتحدة باتت أكثر حذرًا في الانخراط في الحروب المباشرة، وأكثر ميلاً إلى تجنّب التورّط في صراعات طويلة الأمد تستنزف قدراتها المادية والمعنوية. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في ضوء ما يجري اليوم هو:

إلى أيّ مدى التزمت السياسة الأمريكية بمقتضيات هذا التحوّل المعلن؟ وهل ما نشهده اليوم يُمثّل تجاوزًا لتلك العقدة أم التفافًا عليها؟

إنّ المتأمّل في طبيعة التحركات الأمريكية الراهنة يلحظ أنّ التغيّر الحاصل لم يمسّ جوهر الفكرة بقدر ما طال وسائل تنفيذها؛ فبدلًا من الحضور العسكري المباشر واسع النطاق، كما كان الحال في فيتنام، نشهد اليوم أنماطًا مختلفة من التدخّل، تقوم على الضربات المحدودة، والتحالفات الإقليمية، وإدارة الصراع عن بُعد. وهذا التحوّل، وإن كان يُقلّل من كلفة المواجهة المباشرة، إلا أنّه لا يُلغي الإشكالية الأساس المتمثّلة في محاولة فرض الإرادة السياسية بالقوّة.

ولعلّ اللافت في هذا السياق أنّ الأصوات الناقدة لهذا النهج لم تكن غائبةً عن الداخل الأمريكي، قديمًا وحديثًا؛ إذ حذّر جورج ماكغفرن من مغبّة الاعتقاد بأن القوّة العسكرية يمكن أن تكون بديلًا عن الحلول السياسية، فيما أشار روبرت كينيدي إلى أنّ الإفراط في استخدام القوّة يُفضي إلى نتائج عكسية تمسّ القيم التي يُفترض الدفاع عنها. ولم يتردّد جيمي كارتر في توصيف الحرب، مهما كانت مبرّراتها، بأنّها تعبير عن فشل إنساني.

وفي السياق المعاصر، تتجدّد هذه الرؤية النقدية لدى عدد من السياسيين، من أمثال بيرني ساندرز الذي يرى أنّ الاستمرار في تمويل الحروب الخارجية على حساب الداخل الأمريكي يُمثّل اختلالًا في الأولويات، وكذلك رون بول الذي يحذّر من أنّ التوسّع العسكري المفرط كان، عبر التاريخ، أحد أبرز أسباب انهيار الإمبراطوريات، في حين تؤكّد إليزابيث وارن أنّ معيار القوّة لا ينبغي أن يُقاس بكمّ الحروب، بل بقدرة الدولة على صناعة الاستقرار.

إنّ استحضار هذه المواقف لا يراد منه الاستدلال الخطابي فحسب، بل الكشف عن حقيقة مفادها أنّ الإشكال لا يكمن في غياب الوعي، بل في عدم تفعيله على مستوى القرار السياسي. وهنا تتجلّى المفارقة ذاتها التي تعاني منها كثير من الأمم: وفرة العِبَر مقابل قلّة الاعتبار.

ومن هنا، فإنّ المقارنة بين فيتنام وإيران لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تماثلًا تامًا بين حالتين تاريخيتين، بل بوصفها إشارة إلى نمطٍ متكرّر في التفكير السياسي، يقوم على تقدير مفرط لقدرة القوّة العسكرية على حسم صراعات ذات طبيعة معقّدة. وإذا كانت فيتنام قد أثبتت محدودية هذا التصوّر في سياقٍ محلّي، فإنّ امتداد الصراع اليوم إلى فضاءات إقليمية ودولية يُنذر بتداعيات أكثر اتساعًا.

وعليه، فإنّ الإشكالية الحقيقية لا تتمثّل في حدوث الحروب بحدّ ذاتها، بل في العجز عن قراءة تجاربها قراءةً واعيةً تُفضي إلى تجنّب تكرارها؛ إذ إنّ الأمم التي لا تُحسن استلهام تاريخها، ولا تُعيد توظيف دروسه بما يخدم واقعها، تبقى عرضةً لإعادة إنتاج أخطائها، وإن تغيّرت أشكال تلك الأخطاء.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ ما يجري اليوم لا يُعبّر عن قطيعةٍ مع الماضي بقدر ما يُمثّل استمرارًا له بصيغٍ جديدة؛ فالأدوات قد تتبدّل، لكنّ الذهنية التي تُديرها تظلّ – في كثير من الأحيان – أسيرة تصوّرات لم تثبت نجاعتها في تجارب سابقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *