خلاصات فكرية في الرد الإيراني الشجاع على العدوان الإسرائيلي

خلاصات فكرية في الرد الإيراني الشجاع على العدوان الإسرائيلي
يستعرض النص الدروس المستخلصة من الحرب الإسرائيلية على إيران، موضحًا أن إيران أثبتت قدرتها العسكرية في الردع وكشفت ضعف الكيان الصهيوني واعتماده على الدعم الأمريكي. يشير الكاتب إلى أن الرد الإيراني الموحد عزز صورة إيران داخليًا وخارجيًا وبدد كثيرًا من الأفكار المسبقة، حتى لدى بعض معارضيها...

انتهت الأيام الاثنا عشر في الحرب الظالمة التي شنّها الكيان الغاصب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولي أنْ أثبِّتَ هنا بعض الخُلاصات التي يمكن تثبيتُها بوصفها دروسًا مباشرة أو غير مباشرة من هذا الحدث:

أثبتَتْ إيران من خلال ردودها الصادقة على الكيان، إمكاناتها العسكرية القادرة على ردع الكيان وقهره، وتكذيب ماكنته الإعلامية العالمية التي رسَّخت في المجال العام  “صورةً نمطيَّةً” عن قوّتهِ التي لا يُعلى عليها. والآن صار واضحًا مدى التهويل الإعلامي لقوّته، ولا حاجة إلى إثبات ذلك بالأدلة، فقنوات العالم أجمع حتى التي تقف بالضد من إيران نقلت الحدث، على الرغم من سياسة التعتيم التي يفرضها الكيان على مواطنيه.

أثبتتْ إيران بالدليل القاطع الملموس ضعف الكيان، باستجدائه مساعدة أمريكا في ضرب المفاعل النووي الإيراني، بمعنى أن لا قدرة لإسرائيل المعتدية، على ضرب أهدافها الأساسية في إيران، ما لم تتدخل أمريكا وتنتشلها من الانهيار الذي ستِمنى به قوّاتها العسكرية في مختلف صنوفها، علمًا أن هذا التدخل الأمريكي العدواني على إيران، لم يكن جديدا، بل أثبته التاريخ لكلِّ دولةٍ أشعلتْ نار الحرب عليها، بدعمٍ خفيٍّ تارةً وظاهرٍ تارةً أخرى من قبل دول الاستكبار العالمي وفي مقدِّمتهم أمريكا.

وإن كنّا نرى أن كل عدوانٍ على أي دولة مُدانٍ ولا يُسوَّغ بأي حالٍ من الأحوال، ولكن كما قيل: “رُبَّ ضارّةٍ نافعة” فقد كشفتْ لنا إيران عن قُدراتها الفائقة في الميدان العسكري، من قدرة صاروخية هائلة، ومن مسيّراتٍ أطلقتها في سماء تل أبيب كان لها الأثر الواضح في الوصول إلى أهدافها، على الرغم من اعتراض الكثير منها بحسب تكالب أنظمة الدفاع الجوِّي المتطوِّرة خارج سماء الكيان وداخله. وبحسب مُحلِّلين يرون أن وصول الردود – مهما كان عدد المعتَرَض منها – إلى الأماكن المُحدَّدة في أرض العدو، وتحقيقه الغرض التدميري في بنيتهم التحتية، يُعدُّ إنجازًا ما بعده إنجاز يُحسَب للقوّة العسكرية الإيرانية.

ومن صميم المعنى الذي قاله الجواهري في قصيدته “الخطوب الخلّاقة” عقب الرد العربي – على تواضعه – آنذاك على إسرائيل عام 1967

تباركَ الخطبُ تبلوهُ وتحصدُهُ

                      إنَّ الخُطوبَ إذا ما استُثمِرتْ نِعَمُ

وبفضلِ هذا العدوان الظالم، كان للردِّ الإيراني المؤثِّر عليه، أن يتحدّى كيانًا تعملق متجبِّرًا في الشرق الأوسط، واستطاع بجدارة أن “يُعلِّمَ عليه” وأن لا يسكت عن الرد عنه، أو يُغضي على القذى عينًا، ومن دون استجداء المساعدة لا من دول حليفةٍ له، ولا من الذين أعلنوا ولاءهم للمرشد الأعلى السيد الخامنئي، مُقدِّرًا في ذلك خصوصية تلك الدول وعدمِ إقحامها في ردود أفعال غير مدروسة أو غير مأمونة العواقب على أنظمتها.

وبفضل هذا العدوان الغاشم على إيران، يسوغ لها بجدارة فيما بعد هذه المرحلة أن تعيد النظر فيما كان بينها وبين الوكالة الدولية للطاقة الذرية من سياسة تعامل تحفظ لها كرامتها، وهذا ما أراه، فإيران قبل العدوان عليها بما يخص التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير إيران بعد العدوان الظالم عليها. وقد اختصر الكاتب والباحث الجزائري د.نور الدين أبو لحية، هذا الحال، في تدوينةٍ له على صفحته الشخصية أنه ((لو علموا أنّ الأمر سيؤول إلى ما آل إليه، لما أقدموا عليه؛ فوضع إيران الآن ليس أبدا كما كان، لا بالنسبة لجيرانها من العربان، ولا بالنسبة للأمريكان والكيان)).

ويمكن لنا أن نرصدَ إعلاميًّا مدى التفاعل الإيجابي مع إيراني، وأستطيع تصويره بقصّة ذلك الظالم – الذي نقرأ عنه في القصص أو نشاهده في الأفلام الهندية – الذي تعوّد إيذاء الناس المستضعفين في مدينته، من دون أن يردّ عليه أحد، وفجأة يظهر البطل الذي يصفع ذلك الظالم ويحجّم قوّته، ويلوي ذراعه، فيفرح أولئك الناس بما فعله ذلك البطل، على الرغم أن بعضهم لا يعرف عنه شيئًا، ولكنّه يُحقِّق ما يتمنّونه في أحلامهم..! وهنا في الردّ الإيراني على عدوان الكيان، لا يخفى لكل من يتصفّح مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، مقدار الفرحة والشعور بالانتشاء والسرور؛ لما يشاهده من درسٍ قاسٍ يُلقنّه الردُّ الإيراني الواقعي في قلب الكيان، فقد وحّد هذا الموقف الإيراني مشاعر كثيرٍ من فئات المجتمع كانت مختلفةً في توجُّهاتها الدينية أو القومية أو الفكرية، بل حتى الذين ينضمّون إلى توجّهٍ واحد – ولنقل التوجّه الديني – ممّن كانوا فيما سبق مختلفين في منطلقاتهم لتقييم الشأن الإيراني، بحسب قراءتهم للمشهد، والمُعطيات التي ينطلقون من خلالها لتقييم الشأن الإيراني، فقد وحَّد الكثير منهم وأذاب جليدًا من التصوُّرات الراكدة في الذهن عن الموقف الإيراني بشأن دول المنطقة، في حين كان “الولائي” – وهو مصطلح يُراد به الذي ينتمي ظاهرا في توجهاته للمرشد في إيران ويستعد لتنفيذ كل ما من شأنه مصلحة الجمهورية الإسلامية حتى ولو على حساب وطنه – قبل هذا الحدث المُدافع الوحيد عن مواقف إيران، وبعد الرد الإيراني لم يكُ حاجةٌ إلى سماع صوت ذلك “الولائي” ليُسوِّغَ ما تقوم به إيران من ردٍّ تأديبيٍّ على العدوان. فضلاً عن ذوبان فئةٍ من الذين أزعجهم الردُّ الإيراني – لسببٍ إما طائفيٍّ مقيت أو قوميٍّ شوفيني أو لنزعة تطبيعية غير مُعلنة عند بعضهم الآخر – كانوا يُردِّدون كالببغاوات، وصف “المسرحية” على الصراع الدائر بين الكيان وإيران، وهو تفريعٌ على نظرية المؤامرة، باعتبار أن الطرفين – في نظر هذه الفئة المُرجِّفة – سواءٌ في الشرِّ وفي النوايا التوسُّعية/ التخريبية في الدول المجاورة، واستعاضوا عن ذلك الوصف، بكلمة “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين” وهو قولٌ يكشفُ عن مدى سحيقٍ من الكراهيّة التي لا يستحقُّ صاحبُها سوى الشفقة والدعاء أن يشفيه من هذا المرض..!

في الوقت الذي كان الردُّ الإيراني مبعثًا لاستشعار الفخر لمن هم يتعاطفون مع الملف الإيراني دينيا أو حتى إنسانيا، لا ننسى أن بعض الذين ينتمون لهذا المحور – محور المقاومة – لم يكونوا بحق أهلاً للتباهي أو التفاخر بهذا الموقف الشجاع لإيران، وأخصُّ بهؤلاء لفيفًا من السياسيين الذين لايُحسَبُ لهم موقفٌ حقيقيّ ينمُّ عن تمثُّلِهِم عمَليًّا خُطى المقاومة التي لا تقتصر هي الأخرى على الشعارات، بل على السياسة الرشيدة التي انطلقوا منها في مختلف المجالات؛ ليعتمدوا فيما بعد على مؤهِّلاتهم وكيفية استثمار منابع الدولة بطريقة رشيدة تُغنيهم عن الحاجة إلى الدُول العظمى. وهذا ما أشار إليه العالم النووي الإيراني “فريدون عباسي دواني” الذي قُتِل شهيدا في أول يوم من أيام العدوان الغادر، حين سأله المُحاور: كيف إذا تم تدمير منشآت المفاعل النووي..؟ فأجابه بالقول: “لم يحدث شيء؛ لأنَّها ليست هناك،  قدراتنا موزّعو في عقول البشر، لا في المبنى ولا في المنشأة”.. ويلاحظ كلُّ من زار إيران مدى التطوُّر النوعي والكمِّي في بِناها التحتيّة، فضلا عن قفزاتها في التصنيع العسكري الذي حماها من التدخُّل الأجنبي، وكأن إيران – بل هو الواقع – قد استوعبت الدرس من تلكم الدول التي عوّلت في أوّل نهضتها على أمريكا، وبعد ذلك ظهر خواء ذلك التعويل وزيفه؛ لما يخدم السياسة الأمريكية، ومن ذلك ما ذكره مهاتير محمد – رئيس الوزراء الماليزي السابق ومؤسس ماليزيا الحديثة – أنهم اكتشفوا أن الولايات المتحدة باعتهم طائرات “إف 16” بدون الشفرات الأساسية وبدون البرمجة الكاملة التي تتيح لماليزيا الانتفاع بكافة قدرات الطائرة، بما فيها القتالية، وأنه لا بد لهم من العودة للولايات المتحدة إذا أرادوا أن يستخدموا تلك الطائرات لغايات قتالية ضد أي دولة، وذلك حتى يبرمجها الخبراء الأميركيون لهم، مما يعني تكلفة إضافية على سعر الطائرة، كما أن قرار استخدامها قتاليا يظل مرهونا بإرداة الأميركيين. وهنا تخيّل معي – أيها القارئ – حين تكون إيران قد رهنت موقفها العسكري بدولةٍ كبرى مثل أميركا أو غيرها من الدول، فهل لها أن تتخذ الموقف اللازم الذي يضمن سيادتها وكرامة شعبها.. ؟!

وهنا أقول للذين يتغنّون بانتصار إيران: عليكم أن تغيّروا سياستكم – لاسيما في العراق – بما يخدم استقلال دولتكم، في الابتعاد عن سياسة المحسوبية التي أضرّتْ كثيرًا بالمشهد العراقي، وهذا الموقف الوطني برأيي لا يتعارض مع احترامكم للجمهورية الإسلامية، بل يقوّي من رصيدكم، ويُعلي من شأنكم، بأنكم إلى جانب إخلاصكم في خدمة وطنكم وشعبكم لديكم علاقات طيبة مع الجمهورية الإسلامية. أما سياستكم – إن صح وصفها بالسياسة – منذ سقوط النظام الشمولي، وإلى يوم الناس هذا، صارت سببًا للإساءة – بقصد أو بغير قصد – للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ لكونكم في الظاهر تدّعون الانتماء إلى محور المقاومة، وتفتخرون بذلك، فلا بد لكم من الاقتداء عمليًّا بخُطى قادة هذه الدولة التي قامت بقدراتها الذاتية على حماية نفسها من غائلة العدوان ولقّنته درسًا لن ينساه طيلة عمره القصير إن شاء الله تعالى. ومن يتصيد في الماء العكِر، سيقول بسببكم إنَّ إيران من مصلحتها أنْ يكون العراق بهذا المستوى المتدنّي في مختلف المجالات اقتصاديا وسياسيا وزراعيا وصناعيًّا وعسكريا و…الخ من مجالات. في حين أن العقل السليم والضمير المُنصف يأبى القبول بمثل هذا التحليل المُجحف للواقع. وأنَّ إيران التي وقفت مع العراق في محنته حين دخله تنظيم داعش الإرهابي وسقطت ثلاثة من محافظاته، يستحيل أن تقبل أو توجّه الذين يميلون إليها من ساسة، بسياسةٍ من شأنها تكريس الفساد الإداري وهدر الأموال العامة وتضييع ثروات البلد.. وفي تدوينةٍ للاستاذ “عدي الياسين” – وهو ناشط مدني علماني  – على الفيسبوك يشير إلى واحد من أهم ما يميز قادة إيران ومسؤوليها، بقوله: ((هذه الحرب كشفت العمق الايراني وكشفت أن القادة وكبار الضباط والعلماء يعيشون حياة بسيطة بلا بذخ وبهرجة وتاهوات ويسكنون شقق متواضعة في مناطق شعبية وهم في مقدمة من ضحى لأجل الوطن وهذا يحسب لسلامة البناء بالتأكيد)) فليتعلم قادة العراق وساسته ممن يتشدّق بولائه لإيران من هؤلاء القادة الذين أذلّوا كبرياء أعظم كيان في الشرق الأوسط.

ومن الدروس غير المنظورة التي يمكن استلهامها من هذا العدوان الغاشم والردِّ الإيراني الصادم لمن يراقب المشهد بهدوء، أنَّ إيران مثالٌ حيٌّ وملموس للدولة، في تقديرها حجم الثروات الطبيعية والبشرية فيها، باعتمادها على نفسها في مختلف المجالات على مدى عقود من الحصار والتضييق الدولي عليها، بما جعلها خارجة عن قبضة الشرطي الأمريكي في المنطقة الذي استقوى منذ عقود بفضل ساسة البلدان العربية التي لها ما لها من ثروات، ولكن لعدم تقدير تلك الإمكانيات، جعلها رهن الضغوطات الدولية، وصولاً إلى حالةٍ فجّة من التعلُّق الصبياني من بعض ساسة تلك الدول بأردان العم سام ودفع المليارات من الدولارات له بحجج واهية تنطلي على السُذّج، أما إيران فقد ربأ قادتُها عن هكذا سلوكيّات، وكانوا بفعل بتصرّفون واثقي الخُطى، ويحسبون ألف حساب لكلِّ خطوةٍ تصدر منهم أو عليهم، بما يجدر لكلِّ دولةٍ من دول المنطقة – فضلا عن سواها من دولٍ تنوي الخروج من قبضة الهيمنة الأمريكية – أنْ تتعلَّمَ فنَّ السياسة منهم.

– وأخيراً حاول صدّام منذ اندلاع الثورة الإسلامية مدفوعًا من دول الاستكبار العالمي وبعض الدول العربية، أن يُلصق تهمة العِداء للعرب بإيران، مُوظِّفًا في سبيل تركيز هذه التهمة مختلف ميادين التأثير كتابيًّا وشفاهيًّا وإعلاميًّا ودينيًّا وثقافيًّا، وأن يستدلُّ من خلالها على علاقةٍ مُفتَرضة تخيَّلها عقلُه المريض، وكلُّ من سار في ركابه، أو صفّقَ لبطولاته الرعناء. وقد أثبتت الوقائع منذ أول أيام الثورة الإسلامية في إيران وصولاً إلى هذه الأيام زيف ما أرادته تلك الدعاوى الباطلة، من تشويه صورة إيران بوصفها العدوّ اللدود للعرب، وفي المقابل إخفاء موقفها المعادي لإسرائيل. والموقف الأخير لإيران في ردِّها الحازم على العدوان الإسرائيلي، لم يكن فقط مستقىً من طبيعة المدونة الدينية التي انطلق منها السيد الخميني “ره” ورجالات الثورة معه، بل يلتقي معها أيضًا طبيعة الموقف الإنساني من جماعة تؤسس دولتها على اغتصاب دولةٍ أخرى وتقتل أهل ذلك البلد وتشرّدهم؛ لأجل أن تسرق بلدهم عنوةً تحت ذريعةٍ دينيةٍ واهية. وإذا كان التطبيع مع الكيان فيما سبق يُعدُّ فضيحةً ما بعدها فضيحة، وانتكاسةً في سياسة تلك الدولة، فقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة تسابق الدول العربية – للأسف – مع الكيان الغاصب، وهنا يأتي الردُّ الإيراني في ظل انحدار الشعور القومي العربي بمأساة فلسطين، ناقوس خطرٍ يُذكّر الدول والشعوب بضرورة أن تعود لصوت ضميرها، في الوقوف مع هذا الشعب المستباح، وإن لم تقف، فعلى أقل تقدير أن تعلن موقفها الرافض قولاً وعملاً بالبراءة من الاصطفاف معه أو السكوت عن جرائمه وعدوانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *