العراق: بين مبادرة الحزام والطريق الصينية والشراكة الأمريكية للبنية التحتية

العراق: بين مبادرة الحزام والطريق الصينية والشراكة الأمريكية للبنية التحتية
يقف العراق على مفترق طرق بين مشروع الحزام الصيني والشراكات الغربية للبنية التحتية، في ظل صراع جيواقتصادي عالمي متصاعد. التحدي الحقيقي يكمن في بناء شراكات استراتيجية تحفظ سيادة العراق وتمنع تحوّله إلى هامش في مشاريع الآخرين...

في قلب العالم القديم، وعلى مفترق الطرق بين الشرق والغرب، يقف العراق اليوم أمام معادلة دولية معقدة لا تسمح له برفاهية الحياد.

فبعد عقود من الحروب والاحتلال والاضطراب الداخلي، يعود العراق إلى الواجهة، ليس فقط كساحة نزاع سياسي، بل كلاعب محتمل في التوازنات الاقتصادية الكبرى.

•بين بكين وواشنطن: النظام العالمي يتغيّر بصمت!

في العقدين الأخيرين، بدأت ملامح نظام عالمي جديد تتشكل بهدوء خلف ستار الأحداث.

الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب الباردة بوصفها القوة الوحيدة المهيمنة على العالم، تواجه اليوم تحديا متعدد الأبعاد:

– صعود الصين كقوة اقتصادية كاسحة.

– شراكة صينية استراتيجية متزايدة مع روسيا.

– تفكك السيطرة الأمريكية على بعض مناطق نفوذها.

لكن الصراع بين واشنطن وبكين لم يتجلى بصورته العسكرية المباشرة، ولا يزال يأخذ طابعا اقتصاديا واستراتيجيا مركبا.

مشروع “الحزام والطريق” الصيني، الذي يمتد من شرق آسيا إلى غرب أوروبا مرورا بآسيا الوسطى والشرق الأوسط، يمثل رؤية متكاملة لربط العالم بنموذج صيني للتجارة والنفوذ.

وقد ردّت واشنطن بمشروع إعادة بناء العالم بشكل أفضل (B3W) ثم عبر الشراكة الجديدة للبنية التحتية العالمية (PGII) مع الاتحاد الأوربي، اليابان، والهند، كمحاولة لاحتواء النفوذ الصيني وخلق بدائل “موثوقة” للدول الصاعدة.

•المواجهة المؤجلة

لكن خلف هذه التحركات الاقتصادية تكمن حقيقة لا يمكن تجاهلها!

الصين عاجلا ام اجلا، ستعمل على ضم تايوان، وهو امر تعتبره مسألة سيادية لا يمكن التنازل عنها، وهي لا تستبعد الحل العسكري ابدا.

وهذا ما يجعل المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة ليست مجرد احتمال بعيد، بل استحقاقا مؤجلا، يُعاد ترتيبه على خارطة الوقت، لكنه حتمي الوقوع.

  • العراق وموقعه الجغرافي الحرج

في خضم هذا الصراع الكوني المؤجل، يقف العراق عند مفترق طرق جيواستراتيجي خطير.

موقعه بين إيران وتركيا والخليج، واتصاله بآسيا وأوروبا عبر الموانئ والطرق البرية، يجعله جزءا محوريا في المشاريع الدولية الكبرى، خصوصا “ميناء الفاو الكبير” و”طريق التنمية”، اللذين قد يشكلان جسرا بحريا وبريا حيويا ضمن مشروع “الحزام والطريق” الصيني أو في إطار استراتيجيات بديلة أمريكية وغربية.

الصين، من جانبها، ترى العراق بوابة للنفاذ إلى المتوسط والأسواق الأوروبية، وقد بدأت بتوسيع استثماراتها في مجالات النفط والبنية التحتية.

في المقابل، تضغط الولايات المتحدة لمنع هذا التوسع، وتروج لمشاريع بديلة هدفها الحد من النفوذ الصيني في المنطقة.

•شراكات محور المقاومة والتحالفات الكبرى

وهنا تبرز نقطة حساسة…

على الرغم من أن روسيا والصين لا تعدّان رسميا من “محور الممانعة” بالمعنى الاعلامي مثل (إيران، حزب الله في لبنان، وحركات المقاومة في فلسطين والعراق واليمن) إلا أن تقاطع مصالحهما مع هذا المحور أصبح أكثر وضوحا، خصوصا بعد الحرب في أوكرانيا، وطوفان الأقصى وتداعياته وتطور العلاقات الصينية الإيراني الروسية.

ففي حين يعتمد “محور المقاومة” على خطاب عقائدي يرتكز على رفض الاحتلال والتطبيع، تنطلق الصين وروسيا من حسابات استراتيجية مختلفة، لكنها تتقاطع مع محور الممانعة في مناهضة السيطرة الغربية، والدفاع عن التعددية القطبية، واحترام السيادة الوطنية.

العراق، الذي يمتلك قاعدة شعبية واسعة مناهضة للوجود الأمريكي، ويحتضن فصائل مقاومة مؤثرة، يجد نفسه أقرب من أي وقت مضى إلى رؤية محور المقاومة للعالم، حتى وإن لم تترجم سياسيا بالكامل في سياسات الدولة الرسمية.

اخيرا:

المواجهة الكبرى بين أمريكا والصين لم تبدأ فعليا بعد، لكنها تتحرك على خطوط التماس الجغرافية والاقتصادية في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.

والعراق، بما يمثله من ثقل جغرافي واقتصادي وشعبي، سيكون جزءا من هذه المواجهة، شاء أم أبى.

الخيار الحقيقي ليس بين الشرق والغرب، بل بين التبعية والاستقلال، بين أن يكون العراق هامشا في مشاريع الآخرين، أو محورا يبني شراكاته بكرامة وسيادة واستراتيجية وطنية عميقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *