انتهاء مدة النفاذ دون تنفيذ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بين التلكؤ القانوني وغياب الرقابة الفاعلة
نشرت الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية – العدد 4785 بتاريخ 22/7/2024) قانون التعديل التاسع لقانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم (40) لسنة 1988، وفق القانون رقم (17) لسنة 2024. وقد تضمّن القانون جملة من التعديلات الجوهرية تتعلق بآلية تكليف رؤساء الجامعات ومساعديهم ورؤساء مراكز البحث العلمي، بالإضافة إلى تنظيم العلاقة مع القطاع الخاص من خلال إنشاء الحاضنات التكنولوجية وتفعيل عقود الاستثمار في التعليم العالي.
إلا أن مرور سنة كاملة على تاريخ النشر – أي حتى تاريخ 22/7/2025 – دون تنفيذ تلك التعديلات، يشكل إخلالاً صريحاً بالمبدأ الدستوري المتعلق بتنفيذ القوانين وخرقاً لنصوصها النافذة.
الخلفية القانونية للتنفيذ الإلزامي
تنص المادة (1/ثانياً) من القانون المعدّل على أن “تسري أحكام هذا (البند) على من هم بالخدمة حالياً من تاريخ نفاذ هذا القانون”، مما يعني أن المخاطبين بالنص هم جميع المكلفين الحاليين بمناصب في هيأة البحث العلمي ورئاسة الجامعات ومراكزها ممن تجاوزت مدة تكليفهم أربع سنوات أو مضت عليهم مدة أكثر من سنة بالوكالة.
النتيجة القانونية:
- كل من استمر في موقعه خلافاً لهذا النص، يكون تكليفه منتهي المدة قانوناً.
- استمرارهم في مناصبهم يعد مخالفة قانونية وإدارية تستوجب المساءلة.
الامتناع عن التنفيذ بوصفه مخالفة إدارية وقانونية
إن عدم التزام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتنفيذ نص نافذ رغم مرور المدة القانونية (سنة من تاريخ النشر)، يجعلها في موضع المساءلة وفق القواعد التالية:
- المسؤولية القانونية: الامتناع عن تنفيذ القانون يُعد مخالفة لأحكام المادة (5) من الدستور التي تنص على خضوع الجميع للقانون دون استثناء.
- المسؤولية الإدارية: تقع على عاتق الوزير والمسؤولين التنفيذيين مسؤولية مباشرة وفق قانون انضباط موظفي الدولة.
- الشق التأديبي: يفتح المجال أمام الهيئات الرقابية لاتخاذ الإجراءات بحق من أهمل أو تعمّد عدم التنفيذ.
دور الجهات الرقابية والتشريعية في مواجهة هذا التلكؤ
- الرقابة التشريعية (مجلس النواب):
- مطالبة الوزير بالاستجواب لعدم تنفيذ قانون نافذ.
- تقديم سؤال برلماني حول أسباب استمرار المكلفين بالوكالة دون تجديد أو تعديل وضعهم.
- ديوان الرقابة المالية:
- مراجعة شرعية استمرار صرف مخصصات وامتيازات لمن انتهت مدة تكليفهم.
- توثيق المخالفة بوصفها “هدر إداري أو تجاوز على الصلاحية”.
- هيئة النزاهة:
- النظر في ما إذا كان الامتناع مقصوداً لتحقيق منافع شخصية أو لاستمرار المحسوبية.
- فتح تحقيقات إدارية شاملة حول أطر التعيين والتكليف.
دور الرأي العام والمجتمع الأكاديمي
- الجامعات والكادر الأكاديمي مدعوون للضغط من داخل المؤسسة الأكاديمية للمطالبة باحترام القانون وتكافؤ الفرص.
- الرأي العام يجب أن يُعبّر عن رفضه لاستمرار إدارة بعض المناصب بآليات فوق القانون، ويطالب بتدوير المناصب وفقاً للشفافية والكفاءة.
توصيات عملية
- دعوة وزارة التعليم العالي لتشكيل لجنة خاصة لمراجعة جميع المناصب التي يشملها القانون، والتحديث الفوري لأوضاع المكلفين.
- تفعيل الدور الرقابي البرلماني بمساءلة الوزير عن أسباب هذا الامتناع.
- تقديم تقرير من ديوان الرقابة المالية إلى هيئة النزاهة بشأن استحقاقات شاغلي المناصب بعد انتهاء مدتهم.
- تحريك دعاوى إدارية أمام المحاكم المختصة لإلغاء الأوامر الإدارية المخالفة للقانون.
إن احترام النصوص القانونية النافذة هو أساس دولة المؤسسات. والامتناع عن تنفيذ قانون نشر في الجريدة الرسمية ومضى على سريانه سنة كاملة، يُعد إشارة خطيرة إلى وجود خلل بنيوي في آليات التنفيذ والمتابعة، ويستدعي تدخل الجهات الرقابية والتشريعية والمجتمعية التصحيحية
وضمان تجديد الدماء في مفاصل التعليم العالي وفق أسس شفافة وقانونية.


