الاقتصاد العراقي والحرب التجارية العالمية

الاقتصاد العراقي والحرب التجارية العالمية
التحولات الاقتصادية العالمية تُعيد دور الحكومات في النشاط الاقتصادي، والعراق أمام فرصة لمراجعة التزاماته السابقة مع المؤسسات الدولية، وإعادة بناء سياساته الاقتصادية بدعم حكومي مباشر، شرط توفر حكم رشيد وإصلاح إداري شامل....

أحداث متسارعة، وقرارات صادمة حركت الواقع الاقتصادي العالمي بشكل كبير وغير مألوف، إذ مثلث سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة المتعلقة بسياسات الحماية التجارية عبر فرض تعرفات كمركية على الواردات حدثا استثنائيا قلب الموازين الاقتصادية.

وبطبيعة الحال، فإن تأثير تلك السياسات سيكون متباينا من اقتصاد إلى آخر.

ومن تجمع إلى آخر، تبعا لعوامل عديدة تتعلق بحجم المساهمة في التجارة العالمية، ومقدار ارتباط هذا الاقتصاد وذاك بالسوق الأمريكية، وغيرها من الاعتبارات.

وللقصة وجه آخر، فالعالم وفق هذا التوجه الجديد أصبح سائرا باتجاه الضغط على تحرير التجارة، ويبشر بولادة عهد جديد يعيد النظر بالتوجه الليبرالي التحرري للنشاط الاقتصادي.

عودة الحكومات إلى الواجهة

ليعيد دور الحكومات من جديد في النشاط الاقتصادي، عبر شرعنة التدخلات المباشرة لها في تحديد المسارات العامة للسياسات الاقتصادية، إيمانا بدور الحكومة في تعزيز النمو الاقتصادي، خصوصا أن سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة لم تقتصر على فرض التعرّفات الكمركية على الدول الشريكة للولايات المتحدة الأمريكية بل قدمت فرشة أخرى من الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى تحريك عجلة النشاط الاقتصادي الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية كالإعفاءات الضريبية لحفز الاستثمارات بأنواعها، وعقد صفقات لجذب الاستثمارات الأجنبية كما حصل مع أوكرانيا والاستثمارات في مجال المعادن، والصفقة المنتظرة مع المملكة العربية السعودية التي قدرت بواحد تريليون دولار والصفقة كذلك مع الإمارات وغيرها.

إنه عصر الحكومات الاقتصادي، الذي جاء بعد عقود من التنظير الليبرالي الاقتصادي، الذي امتد من أفول نجم المدرسة التجارية في القرن السابع عشر الميلادي، وبزوغ فجر المدرسة الكلاسيكية على يد آدم سمیت مرورا باقتصاديات مدرسة شيكاغو واقتصاديات العرض، حتى انتهى المطاف اليوم إلى هذا الحال.

إن هذه المدة الزمنية الطويلة تمخض عنها أدبيات اقتصادية ومؤسسات عكست تلك المدارس في سياساتها التي تعدت الإطار المحلي لتنتقل إلى العالمية كصندوق النقد الدولي. والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، التي تدعو إلى تخفيف القيود على التجارة العالمية وغيرها.

فرص العراق وسط التحولات

العراق وسط هذه الأحداث، واستنادا إلى خصائصه الذاتية فإنه سوف لا يتأثر بشكل مباشر بتلك السياسات الاقتصادية.

وذلك لمحدودية مساهمته في حجم التجارة العالمية على مستوى السلع والخدمات باستثناء سلعة النفط الخام. والمعفاة أصلا من تلك التعرفات الكمركية، نعم، ربما يتأثر بشكل غير مباشر إذا ما تعرضت أسعار النفط لأي تغير نتيجة لتلك السياسات.

والسؤال هنا: هل من الممكن أن يُحوّل العراق هذه الأحداث إلى فرصة ؟

قبل الإجابة، لا بد من مرور سريع على أحداث مهمة مزت على العراق بعد عام التغيير السياسي، فبعد أن عقد نادي باريس في عام 2004 لإعادة جدولة الديون المترتبة على العراق، اشترط في حينها على العراق الدخول مع صندوق النقد الدولي في مفاوضات لغرض “صلاح” الاقتصاد العراقي في إطار سياسات التثبيت الهيكلي، وأعقبتها مفاوضات مع البنك الدولي في إطار سياسات التكييف الهيكلي، كما منحالعراق حق عضوية منظمة التجارة الدولية عضوا مراقبا.

ومنذ ذلك الحين، والعراق تحت الرصد من قبل تلك المنظمات الغرض إعادة هيكلة النشاط الاقتصادي وفق تنظيرات المدرسة الليبرالية، فأصبح العراق ملزما بتخفيف الدعم الحكومي، وإعادة النظر في سياسته التجارية، وهيكلة بعض المؤسسات المملوكة للدولة ذات الطابع الإنتاجي، وغيرها. وهنا بيت القصيد، في ظل الظروف الحالية، صار من الممكن أن يتكيف العراق مع الأحداث الأخيرة وتراجع دور تلك المؤسسات العالمية نسبيا، ليعيد النظر في الكثير من تلك الالتزامات، ويتخذ خطوات جديدة تعيد للحكومة دورها الاقتصادي، لاسيما أن التجارب التنموية الحديثة نسبيا. كالنمور الآسيوية وتركيا، تفصح عن دور قيادي للحكومات في تحقيق التنمية الاقتصادية.

إن استثمار الغرص يتطلب وجود حكم رشيد، قائم على أساس الإدارة الناجحة المستندة إلى المنظور الاستراتيجي لتحقيق التغيير النوعي والانطلاق نحو آفاق التنمية الاقتصادية الشاملة، وهذا يتطلب مكافحة الفساد والهدر في الموارد. والقدرة على إنفاذ القانون، وهذه المحاور لا تزال غائبة عن المشهد في العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *