تجمع بريكس: الممانعة والعامل الاقتصادي

تجمع بريكس: الممانعة والعامل الاقتصادي
تُؤكد المقالة أن ممانعة تجمع بريكس الأكثر فعالية تقوم على بناء اقتصاد ذاتي تنافسي وقوة ناعمة، بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، عبر نماذج تنموية تربط بين الدولة والمواطن لفرض الحضور الدولي...

كيف للحيوانات الظريفة كالأرنب والغزال العيش والتعاطي مع قانون الغابة؟ وفق هذا القانون الغاشم، ان اردت البقاء يجب ان تتمترس خلف مخالب قوية وانياب فتاكة وعضلات مصارعة وقابلية للافتراس وغيرها من أدوات النهش والتقطيع، والمفارقة ان هذه الأنواع من الحيوانات قد فرضت وجودها بمجاميع وقطعان وهي جزء اصيل واساس في النظام البيئي والتنوع الاحيائي رغم انوف كل المفترسات.

انه الاستثمار الأمثل للخصائص (البديلة) التي تمتلكها، والتي صارت وسائل دفاعية تمكنها من مواجهة أسباب الانقراض والتلاشي، السرعة بالجري، القدرة على حفر الجحور العميقة، كثرة الانجاب، التخفي…الخ

كثيرة هي الكتابات التي تصف عالمنا البشري بصفات الغابة، وتاريخه الدموي الطويل لازال هو الحاضر وبقوة، وان كان هناك انحسار نسبي لمساحات العنف، بل ولازالت الخيوط تنسج لربط ذلك الماضي المخيف بالمستقبل عبر (ديناميكيات) الحاضر.

المخالب والانياب والاذرع القوية وغيرها من أدوات الافتراس، ماهي الا الترسانات العسكرية ومنظومات استخبارية والملايين من اطنان الحديد المنفلقة وكاتم الاغتيالات وتلفيق التهم وقوانين التجويع والتهجير القسري وغيرها الكثير من بنود ترسم لنا قانون الغابة البشرية.

لا ادعي ان مساحة العنف والقتل والصراعات هي ذاتها منذ عصور ما قبل التاريخ صعودا الى فترات الحروب والصراعات الدينية حتى عصر الهيمنة والقطبية الواحدة، نعم النوع والدافع ربما فيه تماثل كبير بين الماضي والحاضر، لكن هناك شيء ما استجد في النضج الإنساني قلص من مساحة الصراع الدموي، ولعل التشبيه وارد بين الارنب والغزال وسياسات بعض الدول التي قررت ان تبتعد عن مسار (سرفت الدبابات) لكي لا تصبح اثرا مدمرا بعد عين.

ولكن هل من الحكمة ان يترك “الحبل على الغارب” وتسلم القيادة والإدارة وفرض الاجندات ورعاية المصالح والاستئثار للطرف الأقوى دون ممانعة من الاخرين؟ وعندها سيتحول العالم الى قطيع داجن لا حول ولا قوة وستمرر عليه مصالح القوى المهيمنة دون أي اكتراث.

محاولات التوازن كانت ولازالت قائمة بتاريخنا الإنساني المعاصر في ظل هيمنة القطبية العالمية، وانتجت تلك المحاولات تجارب ممانعة عكست رغبات بمستويات مختلفة لاثبات الوجود.

لكن هناك نتائج مختلفة، تبعا لقاعدة ” الفعل وردة الفعل” من محي عن سطح الكوكب وصار تاريخ، ومن لازال موجود ويعاني من ثقل الجراح، واخر بدأت الدوائر تدور عليه، واخر يزدهر تدريجيا ويشق طريقه بقوة نحو العالمية واشغال المساحات…الخ

هل من المنطقي ان تواجه الولايات المتحدة الامريكية حيث هي تتفوق وبشكل كبير جدا؟ واقصد الجانب العسكري وصناعة النفوذ السياسي، قد تملك الغزال قرونا قوية لكنها لن تصمد طويلا في مقارعة الاسود الجائعة، وقد تلحق الأذى بهم لكن الافتراس نتيجة طبيعية لأغلب المواجهات من هذا النوع.

الاقتصاد والتنمية الذاتية كأداة ممانعة فعالة في تجمع بريكس

لنسلط الضوء على تجمع (بريكس) الذي لازال تجمعا لم يرتقي بعد ليكون اكثر تنظيما ومأسسة، دولا جمعتها رغبة الصمود بوجه القطب الواحد، ولهذه الدول خصوصيتها التي تمنحها الرغبة والدافعية لاثبات الوجود وعدم الانصهار والتبعية المطلقة، كالتاريخ الحضاري والدين والبعد القومي وغيرها.

لكنها امام تحديات خطيرة جدا، بسبب عدم تنسيق المواقف، وهو امر طبيعي وسط حالة ضعف التنظيم وعدم القدرة او ربما عدم الرغبة بالانتقال نحو الشكل المؤسساتي واظن انها ستسير بشكل تكاملي.

تحليل المواقف والاستراتيجيات لدول (بريكس)

ان تحليل المواقف والاستراتيجيات لدول (بريكس) يلاحظ بوضوح عدم وجود مسار واحد، لعل الأهم فيها ظاهرة الصين الملفتة والجديرة بالاهتمام، انها قوة صاعدة منافسة ولازالت عصية على الذوبان والتقهقر.

وهناك الهند القوى الصاعدة والنامية التي تشق طريقها نحو العالمية وفرض الوجود، والبرازيل في ظل قيادتها الوطنية التنموية والمريدة بقوة ان تكون ذات شأن، وكذلك جنوب افريقيا وايران والسعودية والامارات ومصر واثيوبيا وروسيا.

المراقب للحدث الدولي يلمس بوضوح عدم تواجد الصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا حيث توجد الولايات المتحدة الامريكية بترسانتها العسكرية وهيمنتها السياسية، بمعنى ان هذه الدول لم تتخذ مسارات عسكرية في المواجهة ولا تزاحم في مناطق النفوذ السياسي للأمريكان، وهي حريصة جدا على التواصل وعدم التقاطع وطاولات التفاوض والحوار شبه دائمة، بالمقابل ان هذه الدول ركزت في حركها التنموي على البعد الاقتصادي متمثلا ببناء نموذج ذاتي تنموي يحدد نقاط الضعف والمشاكل ومعالجتها ودعم محركات النمو الاقتصادي وفق ميزاتها النسبية والتحول نحو استراتيجية الاقتصاد المنافس للانطلاق نحو السوق العالمي.

هذا الأسلوب الناعم الذي يجعل القوى المقابلة مجردة مما تملكه من عناصر التفوق (الترسانة العسكرية والنفوذ السياسي) فالتطور التكنلوجي والبعد المعرفي للاقتصاد لا تنفع معه طائرة (B2) هذا مع وجود تفاهمات وتقاربات وتشابك مصالح، على سبيل المثال لا الحصر ان الصين واحدة من اكبر المستثمرين بالسندات الامريكية والسوق الصيني هو الأكبر للمنتجات الامريكية!.

انها لعبة التخفي والمناورة والابتعاد عن قرارات مواجهة المفترسات بقرون الغزال ومخالب الارانب، ان ممانعة تلك الدول ومحاولة تكوين وتنمية تجمع دولي ينافس ويحد من هيمنة القطبية الواحدة للولايات المتحدة، ينبغي ان يستخدم ما لديه من قدرات (بديلة) كما يفعل الارنب بحفر الجحور العميقة وكما تطلق الغزال العنان لأطرافها بالجري على امل الخلاص من انياب النمر، وهو التركيز على النموذج التنموي الذاتي وبناء جسور قوية بين النظام السياسي والشعب عبر التشبيك المصلحي بين المواطن وحركة النظام من خلال ترسيخ شعور الفرد بان حقوقه وكرامته مصانه من قبل القائمين على النظام السياسي، ومن ثم الانطلاق نحو التنافسية العالمية الاقتصادية، وهذا ما يمثل الاتجاه الأول ضمن تجمع بريكس.

اما خيار الاستراتيجيات القائمة على استخدام القوة للتعامل مع الامريكان وحيث هي تتميز (الجانب العسكري) ومزاحمة الامريكان في مناطق نفوذهم السياسي كما تفعل روسيا وايران، فالقصة ستميل حتما لصالح الطرف المتفوق تفوقا كبير.

قانون الغابة البشري يحتاج الى تعامل بواقعية، اما ان تتخفى وتشق طريقك دون ان تسير بمسارات لا تملك القدرة فيها على المواجهة، او تتجاهل المخاطر وتحاول التقليل من ميزات القوة لدى خصومك ومن ثم القراءة غير الواقعية ستقود بك الى انياب المفترس.

هي ليست وحدها الصين والبرازيل والهند وجنوب افريقيا من تنبهت للعامل الاقتصادي التنموي واثره في تكوين الذات والنموذج القوي، بل النمور الاسيوية ماليزيا وستغافورة وكوريا هي كذلك صارت مراكز مالية عملاقة ونقاط استثمار ونمو كبيرة، هذه الدول التي تختفي من مراصد الصراعات العسكرية والمنافسة في مساحات النفوذ السياسي.

العامل الاقتصاد والنموذج التنموي الذاتي سلاح الأنظمة القومية الوطنية للبقاء والانطلاق نحو العالمية وممانعة التبعية والانصهار وفرض الوجود في هذه الغابة البشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *