ما زالت المخاوف قائمة حول مصير القدرة التصديرية للنفط العراقي في حال نشوب صراعات في المنطقة، ومن غير المنطقي أن يرتهن التصدير بنسبة 90 بالمئة لمضيق هرمز الواقع تحت ضغوط أمنية وعسكرية مستمرة تظهر في التصريحات التصعيدية للدول المتناحرة بين الحين والآخر. ربما الحلول الجذرية تحتاج إلى توجهات ومشاريع وجهد كبير، بل والحاجة إلى مدة زمنية طويلة نسبياً حتى نمتلك مرونة عالية في منافذ التصدير. المهم أن تكون هناك إجراءات في الأجل القصير والمتوسط ليصار للوصول إلى الحلول الاستراتيجية الجذرية في الأجل الطويل.
الأنبوب كمشروع بديل إستراتيجي
أُثير مؤخراً ملف أنبوب نقل النفط من محافظة كركوك إلى ميناء بانياس النفطي في محافظة طرطوس شمال غرب سوريا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهو ملف ممكن أن يشكل نقطة ارتكاز في سياسة العراق التصديرية. وقد تم إنشاء هذا الأنبوب في خمسينيات القرن المنصرم بطاقة تصديرية تصل إلى (300) ألف برميل يومياً، بطول يصل إلى (891) كم وقطر يبلغ (30) بوصة. توقف الضخ في الأنبوب خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية، وأُعيد تشغيله في عام 2000 لكنه عاد وتعطل مرة أخرى، وقد تعرض إلى أضرار كبيرة بعد عام 2003 وما زال متوقفاً.
المنافع الاقتصادية والتحديات اللوجستية
طفحت إلى السطح مساعي الحكومتين في العراق وسوريا لإعادة إحياء هذا الأنبوب، وهنا يأتي دور التحليل الاقتصادي في معرفة أهمية هذه الخطوة لو كتب لها النجاح، إذ تقدر تكاليف إعادة التأهيل بـ (8) مليارات دولار ومن الممكن تحوير القدرة التصديرية لتصل إلى (700) ألف برميل يومياً، وهذا أمر جيد نسبياً، وقد يبرر إلى حدٍّ كبير حجم التكاليف اللازمة لإعادة التشغيل. كما يشكل هذا الأنبوب عاملاً مهماً في تنويع منافذ التصدير والتخفيف من حالة التركز بالاعتماد على مضيق هرمز. وكما هو واضح فإن النقل عبر الأنابيب هو الأدنى كلفة من باقي وسائل النقل مما يعزز فرص تعظيم الأرباح النفطية لو أتيح تصدير كمية نفط أكبر عبر الأنابيب بدل الناقلات البحرية والنقل البري.
ومن جانب آخر، فإن المشروع يعزز الأمن الطاقوي للعراق على المدى الطويل، ويمنحه مرونة استراتيجية في مواجهة الأزمات الإقليمية. كما يسهم في إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية مع سوريا ويفتح الباب أمام شراكات استثمارية جديدة. وقد يؤدي هذا الأنبوب إلى خلق توازن في ممرات التصدير الإقليمية، ويمنح العراق ثقلاً تفاوضياً أكبر في أسواق الطاقة العالمية.
ولا بد من الإشارة إلى قضية بالغة الأهمية، ألا وهي إمكانية امتلاك العراق لورقة تمنحه القوة في مفاوضاته مع الأتراك حول أنبوب (جيهان) باعتبار أن المنافذ ستكون متاحة للعراق أكثر وعدم اقتصارها على الجانب التركي فقط. المشروع كبير وسيشكل نقلة نوعية تعزز مكانة العراق النفطية، لذلك لا بد من تسريع الخطى وإيجاد حلول للمشكلات العالقة وعلى رأسها الأمنية، كما لابد من إشراك أطراف أجنبية بالتمويل والاستشارة أو الشراكة الاستثمارية لتشبيك المصالح، مع دراسة إمكانية رفع الطاقة التصديرية لأرقام أكبر مما ذكر.


