استراتيجية التخفيف من الفقر في العراق

استراتيجية التخفيف من الفقر في العراق
تسعى الاستراتيجية الثالثة لتخفيف الفقر في العراق (2025–2029) إلى خفض نسبته إلى 10% عبر محاور التمكين الاقتصادي والحماية الاجتماعية والتعليم والبنية التحتية. غير أن ضعف البيانات، التمويل، والتنسيق المؤسسي يمثل تحديات تهدد فاعلية التنفيذ وتحقيق التنمية المستدامة....

مؤشر الفقر، ودلالاته الاقتصادية ، واثاره على الجوانب كافة ، واليات تحديد المعالجات وغيرها هو صميم الاهتمامات التنموية على الصعيد الاقتصادي، فالفقر هو الطلاء الأسود الذي يلون الحياة ويعدم دلالتها الإنسانية ويكتب بخط قان قصص الفشل بإدارة الموارد الاقتصادية وتحقيق العدالة في توزيع الدخل، انه الهوية المميزة لبلدان التخلف، بل هو السمة والعلامة والدليل على تلك الأنظمة الفاشلة اقتصاديا.

لم يعد مؤشر الفقر بدلالته الكلاسيكية المتمثلة بالحد الأدنى للاستهلاك اليومي والبالغ وفق اخر تحديد من قبل البنك الدولي للإنشاء والتعمير (3 $) للفرد يوميا، وما دون ذلك فهو تحت خط الفقر، مؤشرا عاكسا للفقر بعنوان شامل وفق المعطيات الجديد وتطور الحياة، فالإنسان ليس مأكل ومشرب فقط، السكن وخدمات الماء والكهرباء والتعليم والصحة وغيرها صارت معطيات ترسم لنا شكل الحياة الإنسانية، واي حرمان في تلك الجوانب يسلب الحياة بعدها الإنساني.

وعلى اثر ذلك ، وفي اطار تطور الفكر التنموي، ابتكر (المؤشر المركب للفقر) الذي تعدى المحدد الفردي انف الذكر ليجعل مؤشر الفقر عبارة عن سلة من المحددات تشمل جوانب الصحة والتعليم وخدمات البنية التحتية وغيرها ليقدم هذا النوع من المؤشرات صورة عن طبيعة العيش لافراد المجتمعات ومدى كفاءة وفاعلية السياسات والإجراءات الاقتصادية المتبعة فيها، وهو اختبار حقيقي للأنظمة السياسية وطبيعة الإدارة الاقتصادية المتبعة.

هذا المؤشر المركب والمسمى وفق بعض الادبيات والمصادر(بمؤشر الفقر المتعدد)، قد تم تطويره في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع (جامعة أكسفورد)، مصدر القوة في دلالة هذا المؤشر تكمن في انه يتضمن فكرة أساسية مفادها، ان الفقر ليس قلة المال، بل أيضا الحرمان في مجالات الحياة الأساسية الأخرى، بمعنى انه لا يعتمد على فكرة الدخل النقدي والاستهلاك كما هو عليه المؤشر الكلاسيكي، بل يمتد ليقدم صورة عن اوضاع الفرد المعيشية ومدى امتثالها للمعايير الإنسانية والحياة الكريمة.

الفقر في العراق نسبته 17,5% وفق احصائيات وزارة التخطيط لعام 2024 وهذه النسبة تمثل المؤشر التقليدي وليس المتعدد، يعني قرابة ثمانية مليون عراقي يعيشون تحت خط الفقر، وهي نسبة مرتفعة قياسا بالامكانات الاقتصادية المتوافرة وحجم الإيرادات المتحققة للحكومات المتعاقبة، التي افتقرت للبرامج الناجعة لتحقيق التنمية الاقتصادية وتحجيم الفقر.

مستويات الفقر في المحافظات العراقية

تباينت مستويات الفقر في المحافظات العراقية حيث تصدرت محافظة (المثنى) بنسبة ناهزت 50% من اجمالي سكان المحافظة، تليها (الديوانية وذي قار وميسان وديالى ومن ثم نينوى وصلاح الدين) اعلى المحافظات الأخرى بنسب الفقر.

مؤشرات الاستراتيجة الثالثة لتخفيف مستويات الفقر في العراق

اطلقت الحكومة مؤخرا الاستراتيجة الثالثة لتخفيف مستويات الفقر في العراق (2025- 2029)، وتسعى هذه الاستراتيجية للوصول الى مستويات متدنية للفقر في العراق (10%) فقط من اجمالي السكان، وهي نسبة طموحة، ان ما معلن من محاور وسياسات لتنفيذ هذه الاستراتيجية وهي كالاتي:

  • محور الحماية الاجتماعية .
  • محور التعليم والجوانب الصحية.
  • تحسين ودعم فرص لعمل والمشاريع المدرة للدخل.
  • العمل على تطوير البنية التحتية.
  • التعامل مع قضايا النازحين والتغيرات المناخية .
  • معالجة الفساد المستشري.

ان النظرة لهذه المحاور تقود الى الحكم بان هذه الاستراتيجية يمكن ان نعتبرها في اطار ( التمكين الاقتصادي) ولا يمكن اعتبارها ضمن حالة (الرعاية) فالنظرة الشاملة تقريبا للمعالجات والاشارة الى فرص العمل ومعالجة قضايا النازحين وغيرها تشير الى عمليات حفز ودعم للفئات الاجتماعية لممارسة دور اقتصادي انتاجي، وهذا المنحى خلاف منحى (الرعاية) الذي يستند الى فقرات معالجة غير إنتاجية مثل منح البطالة ورواتب الرعاية وغيرها.

ان ظروف البلد بشكل عام، والتجارب المتعاقبة التي حاولت تحقيق تغيرات نوعية في الواقع المعاش على امل الوصول للتنمية الاقتصادية المنشودة على سبيل المثال لا الحصر المبادرة الزراعية وبرامج دعم المشاريع الصغيرة لم تجد نفعا وانتهت الى نتائج غير مرضية، ومن هنا من الواجب الإشارة الى التحديات التي من الممكن ان تواجه هذه الاستراتيجية والتي قد تحد من فاعلية الخطة وتعوق تحقيق الهدف المنشود وهي كالاتي :

  1. البيانات الإحصائية : مشكلة كبيرة جدا تواجه العراق في هذا المجال، وحتى الباحثين يجدون صعوبات في الحصول على المعلومات وكذلك عدم دقتها وتنافضها في بعض الأحيان، مما تشكل تلك المعضلة خطرا حقيقيا على نجاح الاستراتيجية.
  2. التنسيق بين الجهات ذات العلاقة: ان التنفيذ لا يقع على عاتق جهة واحجة فقط بل المسؤولية تضامنية بين جهات عديدة وفي ظل البيروقراطية والروتين وعدم المرونة قد تواجه تحديات خطيرة.
  3. التمويل المالي: بين الحين والأخر تطفح الى السطح مشكلة التمويل الحكومي للبرامج بمختلف اشكالها، وهذه الاستراتيجية تحتاج تمويل حتى تحقق مبتغاها وهذا تحدي كبير .
  4. الوصول الى الفئات الهشة: ينتشر الفقر في الغالب في المناطق النائية والأطراف ومناطق مهمشة، وهنا التحدي في إيصال يد الدعم لهم.
  5. المتابعة والجدية في التنفيذ: في ظل التغييرات السياسية وانتقال الإدارة بين الافراد تضعف في الغالب المتابعة والحرص وهذا ما لمسناه في تجارب عديدة خلال المراحل السابقة مما قد يهدد هذه الاستراتيجية .

بشكل عام الاطار النظري لهذه الاستراتيجية جيد ومبشر بالخير في مجال التخفيف من الفقر في العراق، لكن التحديات وعوامل الفشل لا يجب اهمالها فهي قادرة ان تحولها حبرا على ورق كما حصل مع خطط التنمية الخمسية التي انطلقت منذ عام 2013 ولازال الاقتصاد يعاني من ذات المشاكل دون تغيير حقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *