جاء في صحيفة زيورخ السويسرية: العراق يريد أن يصبح وجهة سياحية: رحلة من بغداد إلى البصرة بقلم دانييل بوم

جاء في صحيفة زيورخ السويسرية: العراق يريد أن يصبح وجهة سياحية: رحلة من بغداد إلى البصرة بقلم دانييل بوم
يسعى العراق لتحسين صورته السياحية عبر الترويج لتاريخه العريق ومدنه المتنوعة رغم التحديات البيئية والأمنية، حيث تشهد بغداد وكربلاء والبصرة تحولات لافتة تدعمها الحكومة لجذب السياح وسط رغبة شعبية باستعادة الحياة....

العراق ليس بلداً سياحياً تقليدياً. فعلى مدى عقود، كان يُعتبر دولة نفطية جحيمية، و مسرحاً لميليشيات متطرفة، وتفجيرات يومية بسيارات مفخخة، وجماعات إرهابية تفتك بالأجانب أمام الكاميرات. كل من تجرأ على زيارة بغداد كان يختبئ خلف جدران إسمنتية ضخمة، محروساً برجال مدججين بالسلاح، ويتنقل فقط بمركبات مصفحة.

لكن الآن، يُراد أن يتغير كل شيء. بعد سنوات من الفوضى والدماء، بدأت تسود بغداد حالة من الاستقرار. ولهذا، تضع الحكومة العراقية اليوم هدفاً كبيراً: تحويل العراق إلى وجهة سياحية. والإمكانات متوفرة، فبلاد الرافدين هي مهد الحضارة. من هنا بدأت الزراعة، وهنا نشأت إمبراطوريات السومريين، والبابليين، والعرب.

على الرغم من الفوضى والعنف، يضم العراق 12,000 موقع مدرج على قائمة اليونسكو، من بينها آثار بابل وأور، وما يُعتقد أنه بقايا الجنائن المعلقة، إحدى عجائب الدنيا السبع. العراقيون معروفون بكرم ضيافتهم اللامحدود. ومؤخراً، تم اختيار بغداد عاصمة للسياحة العربية لعام 2025. كما أدخلت الحكومة نظام التأشيرة الإلكترونية. لكن يبقى السؤال: هل تستحق السياحة في العراق العناء؟

بغداد:

يفتح أحمد قتيبة سيارته: دودج تشارجر حمراء كما في سلسلة أفلام “السرعة والغضب”. لكنه لا يسابق بها أحداً، بل يستخدمها لنقل السياح في بغداد. كان يعمل سابقاً مع منظمة “أوكسفام” للإغاثة، والآن يمكن استئجاره كدليل سياحي مقابل 250 دولاراً في اليوم. يقول: “أستطيع أن أعيش جيداً من هذا العمل. مؤخراً، جاءتني مجموعة من رومانيا واضطررت لاستئجار حافلة لهم.”

يتنقل أحمد بسيارته وسط فوضى المرور البغدادي، حريصاً على ألا تتعرض مركبته الثمينة لأي خدش. تمر بجانبه طرق سريعة ذات أربعة مسارات، كتل إسمنتية قبيحة، ومبانٍ ضخمة تعود لعهد صدام حسين. بغداد ليست مدينة جميلة – هكذا تبدو على الأقل للوهلة الأولى. فهي تبدو كنسخة صحراوية من فيلم “بليد رنر” الكئيب.

يقول أحمد، الذي كان والده ضابط استخبارات في عهد صدام، إن بغداد عاشت أهوالاً لا توصف. بعد الإطاحة بنظام صدام في 2003، اندلعت مذابح بين المتطرفين الشيعة والسنة، وكانت المجازر يومية. لكن بعد صد الهجوم الذي شنه تنظيم داعش في 2015، بدأت الأمور تتحسن، حيث يُعاد البناء في بغداد، وتبرز ناطحات سحاب جديدة، وتُشيد طرق سريعة.

قامت الحكومة بإعادة تأهيل شارع المتنبي الشهير في وسط المدينة، وهو مركز بيع الكتب منذ قرون. في الستينات، كانت بغداد إحدى العواصم الثقافية في الشرق الأوسط. ولكن موجة العنف الأخيرة دفعت الكثيرين للفرار. رغم ذلك، لا يزال من الممكن رؤية المثقفين في شارع المتنبي، يرتدون بدلات ويحملون كتباً وصحفاً تحت أذرعهم، وكأنهم يمثلون أدوارهم بأنفسهم.

العراقيون فخورون بتاريخهم. يقول أحمد وهو يركن سيارته قرب مدرسة المستنصرية التاريخية من القرن الثاني عشر: “هنا كانت إحدى أهم المدارس في العالم”. يجلس أمام المبنى المُرمم – ولكن الخالي من الزوار – حارس عراقي وسائح سويدي يُدعى ماركوس، ذو أسنان ناصعة ووشوم ملونة. يقول إنه جاء من ستوكهولم براً عبر الحافلة: “البلد رائع، وناشئ. إنها مغامرة عظيمة.”

كربلاء:

من مكتبه، يشرف عماد نجم على المسجد الكبير. يقول إنه مسؤول عن الأمن. لكنه يضحك عندما يُسأل عن السياح القلائل والمغامرين الذين بدأوا يزورون العراق. فهو مقاتل سابق في ميليشيا شيعية قاتلت ضد “داعش” قبل عشر سنوات، ويعمل اليوم لدى واحدة من أكبر شركات السياحة في العالم: أضرحة كربلاء.

تقع كربلاء، على بعد حوالي ساعة ونصف بالسيارة من بغداد، وتضم مقامي الإمامين الحسين والعباس. تُعتبر الأضرحة العملاقة بثرياتها البلورية من أهم الأماكن المقدسة لدى الشيعة. ملايين الحجاج يزورونها سنوياً، إضافة إلى النجف المجاورة، حيث قبر الإمام علي.

خلال شهري عاشوراء والأربعين، يزور هذه المزارات حوالي عشرين مليون شخص سنوياً. وصفها أحد الأصدقاء اللبنانيين مازحاً بأنها “أكبر مهرجان صوفي في العالم”. الزائرون يحيون ذكرى استشهاد الحُسين في كربلاء عام 680 م، ويظهر الحزن جلياً داخل الضريح: رجال يبكون وينهارون، وآخرون يجلسون في صمت وتأمل.

خارج الأضرحة، يبدو المشهد أكثر دنيوية، إذ الشوارع مليئة بالباعة: من التذكارات الدينية إلى الهواتف المحمولة. يقول عماد إن الأوقاف الشيعية أصبحت شركات اقتصادية عملاقة، تبني الفنادق والمطاعم. لكن تدفق المال – خصوصاً من إيران – يثير التوترات.

كان العراق يوماً بلداً علمانياً، واعتبر صدام حسين أن ويسكي “جوني ووكر” هو المشروب الوطني للبلاد. أما اليوم، فالأعراف صارت أكثر صرامة، ليس فقط في كربلاء فحسب. أغلقت الحكومة مؤخراً معظم الحانات في بغداد. العراقيون الآن يشربون في بيوتهم، أو يسافرون إلى كردستان الأكثر تحرراً، أو يترددون على ما تبقى من حانات الفنادق.

مثل حانة “Happy Times” في فندق فلسطين، حيث تُقدّم نساء بمساحيق تجميل مبالغ بها كؤوساً مليئة بالكحول، ورجال بشوارب على طريقة صدام يلقون بأوراق نقدية مزيفة في الهواء. في “البار الأميركي” بفندق بغداد المجاور، يجلس كاتبٌ يصف حملة الحكومة ضد “المحرمات” قائلاً: “العراق خرج من الجحيم. كنا ضائعين تماماً. والآن نتوق إلى الحياة البرجوازية المحافظة.”

البصرة:

يستغرق القطار الليلي من بغداد إلى البصرة قرابة 12 ساعة لقطع مسافة 500 كيلومتر. تتحرك قاطرة الديزل الصينية بهدوء عبر السهول، من العاصمة نحو الجنوب، مروراً بمنازل قليلة الإضاءة وسهول مظلمة. بينما تستغرق الرحلة بالطائرة أقل من خمسين دقيقة.

ومع ذلك، يفتخر بدر بالقطار. يجلس الرجل ذو النظارات بلا إطار مع بعض رجال الشرطة في عربة الطعام، يشرب الشاي ويدخن. يعمل منذ 32 عاماً رئيساً للقطار. يقول: “كنا دائماً نواصل العمل، حتى أثناء الحرب. القطار رمز لصمود العراقيين. نأمل أن يأتي السياح الأجانب.” فيما بعد، يُري زملاءه صوراً من رحلته إلى لبنان، يظهر فيها مع نساء بلباس السباحة في مسبح نادٍ شاطئي رث. يقول: “يجب أن نعيش الحياة.”

وهذا لم يكن بديهياً في العراق لفترة طويلة. خلال سنوات الحرب الأهلية وغزو “داعش”، كان الخروج من المنزل مخاطرة. أما اليوم، فالعراقيون يعوضون ما فاتهم. مطاعم بغداد مكتظة، والشوارع تعج بالمارة حتى ساعات متأخرة من الليل.

في البصرة ليلاً، على الكورنيش الذي تم ترميمه مؤخراً، تتنزه العائلات على الأرصفة الجديدة، عند ملتقى دجلة والفرات قبل أن يصبا في الخليج العربي. رممت منظمة اليونسكو بعض المنازل العتيقة في المدينة القديمة. كما افتُتح متحف صغير، وفندق خمس نجوم استقبل مؤخراً مجموعة من السياح البلجيكيين.

ومع ذلك، لا تزال صور الشهداء معلّقة في الشوارع. وأما حقول النفط القريبة – مصدر ثروة العراق – تتسبب في تلوث الهواء. وفي الصيف، تكون الحرارة مميتة، لدرجة أن رجال المرور ينهارون في الشوارع. كما يهدد تغير المناخ أهوار العراق الشهيرة، بتنوعها البيئي وجواميسها وغابات القصب.

يقول أمير، خبير بيئي يعمل في السياحة البيئية، بينما يقود قارباً في مياه الأهوار: “العراق كيان هش. ينبغي زيارته الآن، ما دام ذلك ممكناً.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *