زيارة “أحمد الشرع” إلى روسيا ولقاؤه العدو السابق “بوتين” في موسكو، بعد أن كانت موسكو في نظره “عدواً للسوريين” وتقتلهم بالطائرات، وكان هو نفسه هدفاً لصواريخها في إدلب، يعبر عن نهجٍ مستنسخ يتبناه الشرع على خطى (أردوغان) على وجه التحديد، يقوم على مبدأ “لا عدو دائم ولا صديق دائم”، أو ما يسمى سياسة اللعب على جميع الحبال في آنٍ واحد. أما بوتين، فهو سياسي يتقن فن النفاق الجيوسياسي، يتحدث بلغة المبادئ وهو في الواقع لا يرى في الحلفاء سوى أوراقٍ مؤقتة على رقعة شطرنج مصالحه الكبرى.
استراتيجيات المناورة السياسية المرنة
غير أن هذا النهج، وإن منح الشرع مساحة أوسع للمناورة السياسية وتخفيف الضغوط الدولية، إلا أنه يحمل في طياته مخاطر تآكل المصداقية وفقدان الثقة على المدى البعيد، إذ يرى فيه خصومه وحلفاؤه على السواء نموذجاً للسياسي الانتهازي الذي لا يتردد في تغيير مواقفه وفق اتجاه الريح دون أن يستند إلى رؤية ثابتة أو مبادئ راسخة.
يبدو لي أن هذا التقارب ( لا علاقة له بتسليم بشار الأسد كما يروج الإعلام السوري) لا يقتصر على تحسين العلاقات أو فتح قنوات الحوار، بل يهدف في جوهره إلى (ضمان بقاء القواعد العسكرية الروسية على الأراضي السورية) لتشكل مظلة حماية للنظام السوري الحالي. فوجود موسكو يمنح الشرع تأميناً استراتيجياً في مواجهة التهديدات الإسرائيلية المحتملة، على اعتبار أن بوتين لديه علاقات قوية مع إسرائيل ويستطيع تحييدها إلى حد ما، كما يضمن له تدخلاً عسكرياً روسياً سريعاً في حال اندلاع اضطرابات داخلية أو محاولة انقلاب. وسنشاهد حينها الأحياء السورية تُقصف بالطائرات الروسية..
الضمانات الدبلوماسية والحماية الدولية
ومن جهةٍ أخرى، تمثل روسيا ثقلاً سياسياً داعماً لسوريا داخل مجلس الأمن، حيث يمكنها استخدام حق النقض (الفيتو) أو الضغط الدبلوماسي لحماية النظام من القرارات الدولية التي قد تستهدفه.
وبعد زيارة الشرع إلى روسيا، التي سارع الإعلام السوري إلى تبريرها ( التفاوض على تسليم بشار) وتجميل صورتها، يبدو مرجحاً أن الخطوة التالية للشرع، ستكون إعادة ترميم العلاقات مع إيران وزيارتها في المرحلة المقبلة بدفع من بوتين وأردوغان، في مشهدٍ يعيد إنتاج السيناريو ذاته: تحول في الخطاب، وتلاشي شيطنة الخصوم من المنابر الإعلامية التي يقودها أشخاص مثل موسى العمر وقتيبة ياسين….الخ
هذا المسار يعكس توجهاً استراتيجياً جديداً لدى الشرع يقوم على إعادة التموضع والانفتاح على جميع الأطراف دون اعتبارٍ للتناقضات السابقة، وهي سياسة أردوغان طبق الأصل، وربما يأتي ذلك بتوصية من أردوغان..
روسيا، بالطبع وكما هو معروف، لا يُعول عليها في بناء تحالفاتٍ راسخة أو شراكاتٍ تقوم على الندية والثقة المتبادلة. فهي تنظر إلى معظم شركائها العرب باعتبارهم أطرافاً ضعيفة يمكن استغلالهم إلى أقصى حد لخدمة مصالحها الإستراتيجية، ثم التخلي عنهم حين تنتفي الحاجة إليهم. وفي المقابل، تُظهر موسكو احتراماً وحساباً مختلفاً للقوى الإقليمية الصاعدة مثل تركيا، وإيران، وباكستان، وتتعامل معها بميزانٍ أكثر توازنًاً وحرصاً، نظراً لما تملكه من أوراق ضغط وتأثير حقيقي في المعادلات الإقليمية.
أما في ما يتعلق بإسرائيل، فروسيا ترى فيها شريكاً مهماً ومؤثراً في موازين القوى بالمشرق، وتسعى إلى إدارة العلاقة معها بعناية، خصوصاً في ظل تباين سياساتها مع الغرب ورغبتها في لعب دورٍ مستقل وموازٍ له.


