أرواحٌ من عبير الطف

صورة رمزية تعبّر عن شهادة سيد حيدر وعبير الطف
يحكي المقال سيرة صداقة نقيّة بدأت على مقاعد الدراسة، وانتهت ببطولة سيد حيدر وشهادته دفاعًا عن الأرض والمقدسات....

بداية الصداقة

أتذكّر بدقّة اللحظة الأولى التي تعرّفتُ فيها إليه. كنتُ يومها في الصف الثاني المتوسط، وقد جاء منقولًا من مدرسة أخرى، فجلس معي في الرحلة نفسها. كان أبيضَ مُشرَبًا بحمرة، ذا شعر كثيف وحاجبين متّصلين، وعينين نرجسيتين تطلان من خلف أهداب وارفة. كان يرتدي ملابس سوداء، هادئًا جدًّا، وتحيط به طاقة جذب عجيبة. أحببتُه منذ اللقاء الأول.

رنّ جرس الاستراحة، فغادر الأستاذ الصف. سلّمتُ عليه وعرّفتُه بنفسي قائلًا:

اسمي عبد المنعم.

قال بابتسامة جميلة:

ما شاء الله، أنت واسمك جميلان معًا.

ثم قال:

أنا سيد حيدر.

كانت تلك اللحظة بداية صداقتنا. وكلما التقيتُ به شعرتُ أنّه يجذبني إلى الأعلى؛ ففي كل لقاء كان يضيف إلى روحي شيئًا جديدًا: معلومة، أو ملاحظة، أو تنبيهًا إلى أمر كنتُ غافلًا عنه.

على ضفاف النهر

في ذات مساء، كنا نجلس على شاطئ النهر، حيث كانت أمواجه تتراقص ببهجة غامرة، وتتألّق وهي تعكس أشعة الشمس. كان جذع نخلة يغفو على أرض الشاطئ، وبين نسائم الهواء العذب وحفيفه وهو يحرّك أجمات القصب النابتة عند المواضع التي يضعف فيها مجرى النهر، سألني سيد حيدر:

إذا نظرنا إلى الأفق البعيد، حيث المستقبل القادم إلينا، فأين ستكون بعد عشرة أعوام، وأنت الآن قد تجاوزت الخامسة عشرة؟

لم أكن أعرف جوابًا لمثل هذه الأسئلة، فعكستُ السؤال عليه.

قال سيد حيدر:

الطريق الأفضل هو أن نسير إلى الله تعالى، وأن نبني أنفسنا كما يريد سبحانه؛ فلا يفتقدنا في موضع طاعة، ولا يرانا في موضع معصية. إذا سارت الحياة على هذا النحو، فإن شاء الله تعالى سأكون قد أكملتُ كلية الهندسة في جامعة الكوفة، لأستثمر الوقت وأنخرط في حلقات الحوزة العلمية.

قلت له:

وهل يكفي الوقت لتكمل الكلية والحوزة معًا؟

قال:

هناك شيء اسمه البركة. إن شاء الله تعالى نحصل على بركة الوقت.

بدأ قرص الشمس يبدو خجولًا، معلنًا انتهاء وقته معنا؛ فهو على موعد مع أناس آخرين لا بدّ أن يشرق عندهم. قال سيد حيدر:

فلتكن صلاتنا في المسجد.

قلت:

لا مانع.

وصلنا إلى المسجد قبل دقائق من موعد الصلاة. قرأ القرآن بصوت جميل، ثم أخذنا نتناقش في تطبيق أحكام التلاوة؛ من أحكام النون الساكنة والتنوين إلى المدود، لنقرأ الآيات قراءة صحيحة فصيحة.

قطار العمر والصف السادس

سار بنا قطار العمر سريعًا حتى أصبحنا في السادس العلمي. كان سيد حيدر يجتهد في تنظيم الوقت وتلخيص المواد، وكان يردّد دائمًا:

إذا صرفنا وقتنا بحكمة، فقد نجحنا.

حتى حلّ شهر شعبان، وفي يوم ولادة الإمام المهدي عليه السلام، جاءت فتوى الجهاد الكفائي لتغيّر مجرى الحياة.

كنا في صباح الجمعة في دورة الرياضيات، نقفز بأقلام الرصاص من خطوة إلى أخرى، ومن مسألة إلى التي تليها في موضوع التكامل. عدنا قبل الصلاة بنحو نصف ساعة، لكن ما إن أُذيع خبر فتوى الجهاد الكفائي وانتهى وقت الصلاة، حتى طُرق باب بيتنا بقوة، حتى كاد الباب يصرخ من شدّة الطرق.

خرجتُ، فإذا بسيد حيدر أمامي.

قلت:

خير إن شاء الله!

قال:

الجهاد. السيد أعطى جهادًا، فلنلبِّ نداء المرجعية!

كانت صدمة لي، فقلت:

والسادس؟!

قال:

السادس لن يطير، وستبقى الكتب تنتظرنا. أمّا الأرض، فإن ذهبت فلن تعود. مقدساتنا لا بدّ أن لا تصل إليها الأيادي النجسة. الآن وقت الدفاع. هل ننتظرهم حتى يتجوّلوا في شوارعنا؟

سكتنا برهة، ثم قال:

هناك أشياء لا تتكرر أكثر من مرة في العمر، فلنغتنم الفرصة.

لم أستطع أن أحدّد موقفي بوضوح. قلت له:

وهل ستلبّي الفتوى؟

قال:

والله أنا جاهز، ولكن…

قالها بحسرة ثم صمت.

قلت:

ولكن ماذا؟

قال:

أمي، وأبي الذي يتوكّأ عليّ، وكتبي، ودراستي التي أعطيتها أغلب جهدي. كيف أترك كل هذا دفعة واحدة؟ لكن الأصعب عندي هو والداي.

ثم سرنا خطوات بطيئة، وهو يكمل حديثه:

أتمنى أن يوافق والداي على ذهابي إلى الجهاد. بكل تأكيد سيقولان: لا يوجد لنا أحد إلا أنت. سأفتح الموضوع معهما بعد الصلاة، وسأتوسل بأبي الفضل أن يوافقا.

قلت:

نلتقي في الليل ونتحدث.

من أقلام الرصاص إلى الرصاص

لم أكن أدرك حقيقة مجريات الأحداث. الإعلام يعلن سقوط المدن الغربية، وآلة الرعب الداعشية تدمّر كل شيء. أنا لم أتشاجر حتى في المدرسة، فكيف لي أن أشارك في هذا الجهاد؟ إن الانتقال من أقلام الرصاص إلى الرصاص لم يكن أمرًا هيّنًا.

التقيتُ بسيد حيدر في المساء، فإذا به جذوة نار، كلّه حماس. قال:

اتصلتُ بمعتمد المرجعية، وهناك مكتب للتطوع فُتح في الناصرية. غدًا سأذهب للتسجيل.

لم أكن أتخيّل كيف انقلبت الأمور بهذه السرعة. كنا واقفين، فلم أستطع الاستمرار في الوقوف، وجلستُ جانبًا.

قال سيد حيدر:

السيد السيستاني أعلن الجهاد، وهذا يعني أن نائب الإمام المهدي أعلن الجهاد. الآن يبرز العاشورائيون، نحن أهل «يا ليتنا»!

كنت أنظر إليه وهو يحضّ الشباب على الالتحاق بالجبهة والمشاركة في الجهاد.

وقال أيضًا:

العدو يخشى الشاب القوي المؤمن اليقظ.

قال أحد الشباب:

ماذا بوسعنا أن نقدّم ونحن لا نعرف استخدام السلاح؟

أجابه سيد حيدر بحزم:

نعرف أن نكتب، ونعرف أن نعبّئ العتاد، ونعرف قيادة السيارات، ونعرف إعداد الطعام. كل هذه الأمور يحتاجونها.

اقتربتُ منه وهمستُ في أذنه:

هل وافق والداك؟

قال:

وهل يتوسل أحد بأبي الفضل ويعود خائبًا؟

أصبحت لديّ رغبة في مرافقة سيد حيدر، لكن أهلي كانوا مترددين، ولم ألحّ في ذلك كثيرًا حتى أحسم موقفي.

في الصباح، ذهبتُ لإكمال الدورات الصيفية، لكن سيد حيدر لم يكن موجودًا. اتصلتُ به فلم يرد. كان الأستاذ يشرح، لكنني لم أكن سوى جسد في القاعة، بينما ذهب فكري بعيدًا.

سيد حيدر في الجبهة

لم تمضِ أيام طويلة حتى اتصلتُ بسيد حيدر، فردّ عليّ بكل حيوية. كان في أطراف تكريت، يعمل سائقًا مع أحد الألوية.

كانت الأحداث لا تزال في بدايتها، وجرح مجزرة سبايكر ما زال ينزف، والأبطال يستعدون لتحرير تكريت من تنظيم داعش.

عدتُ إلى أهلي أطلب منهم السماح لي بالذهاب إلى الجهاد، لكن قوافل الشهداء كانت تقف كل يوم عند بيت من بيوت المدينة. كانت أمي تخاف عليّ كثيرًا. وبعد إلحاح طويل، وسلوك ألف طريقة لإقناعهم، وافق أهلي على أن أذهب للدعم اللوجستي.

كانت فرحتي كبيرة، وبدأت أبحث عن أقرب فرصة للذهاب إلى الدعم. بقيت على اتصال مستمر بسيد حيدر، وكان يحدثني عن بطولات عظيمة وعزم كبير.

نزل سيد حيدر في إجازة بعد أكثر من شهرين. استقبلته بحرارة، عانقته بشدة، وقبّلته على رأسه.

بدأ يتحدث عن عظمة الجهاد والخطر الذي يحيط بنا، وقال:

إن كلفة الدفاع أقل بكثير من كلفة الاستسلام.

قلت له:

كيف تستعد للدخول في المعركة؟

تبسّم وقال:

والله، لا يوجد قلب يخلو من الخوف. كل إنسان له أحلامه وطموحاته، وكل إنسان له عائلة يريد أن يعود إليها. كل تعرّض أو هجوم هو موعد مع الموت، كأنه نظام قرعة، لا تعلم متى يخرج اسمك لتغادر الحياة.

ثم أكمل:

لكن لا بد من المواجهة؛ فهي الخيار الأفضل والأقل خسائر. هؤلاء مجرمون بامتياز. لا تصدّق ماذا فعلوا بالناس: قتل، وتمثيل، وتفنّن في الإجرام لإرعابنا. لكن والله، والله لن يخيفونا أبدًا. نحن أبناء علي بن أبي طالب.

قوافل الدعم ورسالة البصرة

ذهبتُ مع إحدى القوافل لتوزيع المؤن على المقاتلين. كانت القافلة تضم عشرات السيارات الكبيرة التي تحمل علم العراق والرايات الحسينية. تجاوزنا بغداد، وكنا نقف عند كل موقع للقوات البطلة، نعطيهم الأرزاق ونتقصّى احتياجاتهم.

كنت أقرأ وجوه المقاتلين، فأرى فيها الإيمان والعزيمة والثقة. منهم شباب في مقتبل العمر، ومنهم كهول، لكن معنوياتهم كانت عالية لا يكسرها شيء.

بقيت على اتصال دائم بسيد حيدر، أسأله عن وضعه، وكان يقصّ عليّ كثيرًا من القصص البطولية. لكن واحدة من تلك القصص فجّرت في داخلي العزيمة وسكّنت كثيرًا من الآلام.

قال إن مساعدات وصلت إليهم، وحصل على كرتون مرسل من مدرسة للبنات في البصرة، لطالبة في الصف السادس، وفيه «كليجة» ورسالة قصيرة تقول:

احفظوا حجابي.

كانت رسالة من كلمتين فقط، لكنها حملت كثيرًا من الدعم، وكشفت قيمة التضحيات.

لقاء عابر ودفتر الذكريات

مع تقدّم العمليات واحتدام المعارك، كان قلبي مع سيد حيدر. لم أكن أستطيع الاتصال به إلا كل ثلاثة أو أربعة أيام، حتى يعاود هو الاتصال بي. كان يحدثني عن قوة المعركة، وعن الشهداء، وعن عقبات الطريق، وكان يقول مفتخرًا:

كانت من أيام الله.

التقيتُ به ذات يوم في محطة وقود، بتقدير من الله تعالى. كان لقاءً سريعًا. ملامحه الجميلة محاها التعب، والشمس والأتربة صبغتا وجهه بالسمرة.

جلسنا دقائق معدودة، ثم سلّمني دفترًا كتب فيه ذكريات بعض المعارك، وقال:

احتفظ به، لأننا سنتقدّم إلى محور مكحول، وأخشى أن يتلف هذا السجل.

عند الوداع، قال بابتسامة باردة:

السادس شلونه؟

ثم عانقني بشدة، وصعد في إحدى السيارات، ولوّح لي بيده وغادر. بقيت أنظر إليه حتى اختفت السيارات، ولم يبقَ سوى خياله ماثلًا أمامي.

بسبب بُعد الجبهات أو نفاد شحن الهواتف، أصبح التواصل مع سيد حيدر أكثر صعوبة. كنت أحصل كل أسبوع على يوم أو يومين من الاستراحة، ثم أعود إلى قافلة الدعم اللوجستي.

مررتُ بدار سيد حيدر. رأيتها للمرة الأولى حزينة، حتى مصابيحها لم تعد تضيء كالسابق. دخل الحزن إلى قلبي من منظر داره.

نبأ الشهادة

في المساء، انطلقنا بقافلة جديدة حتى وصلنا إلى مناطق سهل نينوى، وكانت مناطق بعيدة جدًا. فجأة جاء اتصال من سيد حيدر. قفز قلبي حين رأيت اسمه من جديد.

أجبتُ على الاتصال، لكن الصوت لم يكن صوته. تسمّرت في مكاني، وأخذ قلبي يخفق بقوة، وتسارعت نبضاته. كان صوت رجل خمسيني يقول:

عبد المنعم حسن؟

قلت:

نعم.

قال:

حيدر علي؟

قلت:

نعم، ما خبره؟ طمئنّي عليه.

قال:

البقاء لله، السيد نال شرف الشهادة.

كنت واقفًا، فجلست من هول ما سمعت. انكمشت حتى وضعت رأسي بين ركبتي، وبكيت بحرقة. كان سيد حيدر ماثلًا أمامي بكل مواقفه: بابتسامته، ووجهه النضر، ونصائحه، وطموحاته. لقد كان نعمة رُفعت منّي.

كيف أقنع عينيّ بأنهما لن ترياه مرة أخرى؟ بكيت وبكيت على سيد حيدر. وا أسفاه عليك يا رفيق الدرب، ويا أخي.

ذهبت إلى مطار المثنى، فهو ملتقى جثامين الشهداء، لكن لم يكن للسيد جثمان بينهم. تحققت وبحثت حتى حصلت على رقم آمر فوج سيد حيدر. وحين سألته عنه بكى وقال:

كلنا مدينون لسيد حيدر بحياتنا.

قال آمر الفوج إن سيارة انتحارية كانت متجهة إلى المقر، وقد فشلت كل محاولات اعتراضها، حتى قاد سيد حيدر إحدى السيارات واصطدم بها، فانفجرت عليه. كان الانفجار كبيرًا، ولم يبقَ منه شيء. فدانا بنفسه، وإلا لكان شهداؤنا الآن بالعشرات.

ثم تحسّر وقال:

سيد حيدر بطل صنديد، ورجل مؤمن، رضوان الله تعالى عليه.

انتهت المكالمة، وعدت إلى مدينتي بلا سيد حيدر. وجدت منطقتنا كلها تنعاه، وتأسف عليه، وتترحم عليه. وكانت صوره وسام شرف في صدر المدينة.

حجابك محفوظ

فتحت سجل ذكرياته، فرأيت رسالة بنت البصرة التي كتبت:

احفظوا حجابي.

وكان سيد حيدر قد كتب ردًا عليها:

حجابك محفوظ، وسنقدّم عرقًا وعلقًا، وأكفًّا وعيونًا وأرواحًا، ولن يصلوا إليك. اطمئني، ففي الميدان أبناء علي، والنصر معقود لهم إن شاء الله.

ذهبت بكل أحزاني إلى فاتحة سيد حيدر. وجدت أباه ذلك الأب الصلب، المؤمن، الواثق. قال لي:

لا تحزن على سيد حيدر، فهو في رحاب الحسين عليه السلام مع الأنصار، وهو موضع فخر وعزّ لنا.

ذاكرة لا تغيب

عند حلول الليل، كان الموعد مع أسراب من الذكريات. أتذكر كيف كنا نسير في مسيرة الأربعين، وكان يمشي وبيده مسبحة يطوف بها على الأذكار. كان يقول:

لا بد أن نصل إلى الإمام الحسين عليه السلام أنقياء.

وكان يقرأ دعاء العهد بعد صلاة الفجر، كأن الحرب الناعمة لم تخدش إيمانه. كان محصّنًا وسط مدينة بلا أسوار.

لم تستقر روحي بعد شهادته. حين أريد أن أصلّي، أتذكر صلاته، وهو يقرأ في كل ركعة سورة مختلفة. أتذكر قنوته وهو منقطع إلى الله تعالى، يقرأ الأدعية التي ذُكرت في القرآن الكريم:

﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾

و:

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

كان يقول إن هذه الأدعية مستجابة.

على طريق النصر

ذهبت إلى أبي الشهداء عليه السلام، حيث منارة التضحية والصبر، لأروي روحي من نفحات الشهادة. كنت على يقين بأن أرواح الشهداء تطوف هناك، فأضمّد جرح روحي، وأستمد الصبر والعزيمة لإكمال مسيرة الجهاد.

عدت إلى عملي بعزم وثبات، لأقطف ثمار النصر. كانت روح صديقي وأخي سيد حيدر، ومعها أرواح الكثير من الشهداء، ترافقني. فهم اليد التي قطفنا بها النصر، ونشرنا أريجه في عموم بلادنا، لترفرف رايات عراق الحسين عاليًا، ويبقى حجاب نسائنا مصانًا، وتبقى مرجعيتنا حصنًا حصينًا تلوذ به الأمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *