سبايكر مذبح الأبرياء بدايتها سقوط الموصل ونهايتها الفتوى المباركة

مجزرة سبايكر وسقوط الموصل في ذاكرة العراق
مجزرة سبايكر ليست مجرد جريمة عابرة في تاريخ العراق، بل جرح وطني بدأ بسقوط الموصل وبلغ ذروته باستهداف آلاف الشبان العزّل، قبل أن تغيّر فتوى الجهاد الكفائي مسار المواجهة مع داعش....

كان يوم الأربعاء الدامي، 12 حزيران/يونيو 2014، عنواناً صارخاً للظلم والقسوة والبطش.

ففي ذلك اليوم، انفتح في ذاكرة العراق جرحٌ من أشد الجراح نزفاً وألماً، جرحُ شهداء سبايكر،

ضمن مسلسلٍ مأساوي من تدمير القصبات والمدن والمحافظات.

امتد نزف الدم من الموصل إلى صلاح الدين، ثم إلى الأنبار وكركوك وديالى،

حتى كاد المشهد ينتهي عند أسوار بغداد. ولم يكن استهداف المدنيين العزّل سوى جريمة يندى لها الجبين،

ودليلاً على وجود مشكلة عميقة، بل مرض نفسي وارتداد لضغائن داخلية انعكست على السلوك،

لتفجر طاقة شريرة لا تمت إلى الإنسانية والرحمة بصلة.

السلاح بيد الجبان قوة تخفي الضعف

هنا أستعير عبارة مؤثرة: إن السلاح بيد الجبان غنيمة وقوة يخفي خلفها ضعفه وهشاشة قيمه ومبادئه الذاتية،

لينتج عن ذلك سلوك عدواني متطرف يتحول إلى نوع من الانحراف السادي.

والسادية النفسية حالة يستمد فيها الشخص متعته النفسية من إلحاق الألم والتعذيب بالآخرين.

وقد يقترب هذا النمط، في بعض صوره الحادة، من اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع،

حيث ينعدم التعاطف أو الشعور بالذنب، وتظهر نزعة إجرامية قد تصل إلى القتل والتمثيل بالجثث.

ذلك هو سيناريو فاجعة سبايكر، وهي استكمال لكواليس انهيار ثلث العراق.

وإن قلنا إن تلك الكواليس كانت انهياراً للعراق، فلن نكون قد جانبنا الحقيقة.

الأيام الخمسة التي غيّرت وجه العراق

إن تسلسل أحداث الساعات والأيام الأخيرة لسقوط الموصل، خلال الأيام الخمسة التي غيّرت وجه العراق،

وصولاً إلى ملحمة استعادة أم الربيعين وبقية المحافظات بعد ثلاث سنوات من البطش، يعكس وجود مخطط وتخطيط وأخطاء جسيمة.

5 حزيران 2014: هدوء مريب في الموصل

في الخامس من حزيران/يونيو 2014، كان المشهد العام في الموصل يتسم بهدوء مريب.

ولم يبدد ذلك الهدوء خروج محافظ نينوى آنذاك، أثيل النجيفي،

بتصريحات مطمئنة أكد فيها عدم وجود مسلحين، واصفاً حظر التجوال بأنه إجراء احترازي.

6 حزيران: نذر العاصفة

بحلول السادس من حزيران، بدأت نذر العاصفة تظهر بوضوح،

إذ دخلت أعداد محدودة من تنظيم داعش الإرهابي إلى أطراف المدينة،

في أحياء مثل تموز وحي التنك، وسط مناوشات بدت في ظاهرها بسيطة.

لكنها لم تكن مجرد مناوشات، بل كانت عمليات استنزاف مركزة.

وقد سجل ذلك اليوم استشهاد 12 شخصاً وإصابة العشرات في سلسلة هجمات بمركبات مفخخة.

كما قاوم الفوج السابع للشرطة المحلية وحده لثلاثة أيام من دون أي إسناد، مما أدى إلى انهيار تدريجي في المنظومة العسكرية.

7 و8 حزيران: تصريحات مطمئنة وواقع مرعب

في اليومين السابع والثامن من حزيران

كانت الحكومة تعلن عبر وسائل إعلامها استعادة السيطرة على 90% من المدينة،

ومقتل أكثر من 100 إرهابي. وكانت تلك التصريحات محاولة للسيطرة على الرعب الشعبي،

في وقت كان فيه القصف العشوائي يطال الأحياء التي يتوغل فيها المسلحون.

ومع تزايد حركة النزوح الجماعي، كان الخوف من وقوع مجزرة وشيكة يتسع في نفوس الأهالي،

بينما كانت المدينة تنزلق تدريجياً نحو المجهول.

الانهيار الكبير: 9 و10 حزيران 2014

كان التاسع من حزيران يوماً فاصلاً في تاريخ العراق الحديث.

فقد بدأت الشرطة الاتحادية بالانسحاب من مناطق واسعة،

مثل الموصل الجديدة، وخلال ثلاث ساعات فقط انهارت معظم القوى الأمنية والعسكرية.

ومن بقي من تلك القوات، إما قُتل، أو سلّم نفسه، أو ترك واجب حماية المدينة والمواطنين،

مما جعل من تبقى من العناصر يشعرون بأنهم تُركوا لمصيرهم المحتوم.

وفي العاشر من حزيران، استيقظ العالم على مشهد سقوط الموصل بالكامل،

أو اختفاء ما يقارب 50 ألف مقاتل من فرق الجيش والشرطة، رغم ما كانوا يمتلكونه من أسلحة ومعدات، ورغم التحذيرات المتكررة.

فتح سجن بادوش وتمدد داعش

كان الأخطر في ذلك المشهد فتح سجن بادوش وإطلاق سراح المئات من المحكومين بقضايا إرهابية كبرى،

في مشهد أعاد إلى الأذهان ما حدث سابقاً في سجن أبو غريب.

وكانت تلك الخطوات بمثابة إعادة رفد للتنظيم بمقاتلين جدد،

ركب بعضهم موجة التطرف عن قناعة، فيما انخرط آخرون تحت ضغط الواقع.

وبعد سيطرة داعش على الموصل، فرض التنظيم نظاماً دموياً حوّل المدينة إلى سجن كبير.

وفي اليوم نفسه، بدأ تمدده السريع باتجاه محافظة صلاح الدين، فدخل مدينة تكريت في 11 حزيران.

قاعدة سبايكر الجوية: بداية الفاجعة

كانت قاعدة سبايكر الجوية، المعروفة رسمياً بقاعدة الشهيد ماجد التميمي الجوية،

تضم آلاف الطلبة المتطوعين الجدد في القوة الجوية والجيش العراقي.

وكان معظمهم شباناً من المحافظات الوسطى والجنوبية،

لم يتلقوا تدريباً عسكرياً كافياً، ولم يكونوا مسلحين بما يسمح لهم بخوض معركة لم يستعدوا لها، بل لم يُخيّروا أصلاً في خوضها.

في ليلة 11 ـ 12 حزيران، صدرت توجيهات وأوامر مربكة للطلاب بترك القاعدة وأخذ إجازة والمغادرة باتجاه أهاليهم.

وبسبب قطع الطرق، وغياب التنسيق، وعدم توفر وسائط النقل،

خرج آلاف الشبان العزّل سيراً على الأقدام على الطريق السريع الرابط بين تكريت وبغداد، وهم يرتدون الملابس المدنية.

12 حزيران: فخ الموت

في يوم 12 حزيران، وقع هؤلاء الشبان في فخ نصبته عناصر تنظيم داعش،

بالتعاون مع خونة بمختلف التسميات. في البداية،

تم إيهام الطلاب بأنه سيتم نقلهم بأمان إلى بغداد أو سامراء، لكن بمجرد صعودهم في شاحنات كبيرة،

اقتيدوا بالقوة وتحت تهديد السلاح إلى مجمع القصور الرئاسية في تكريت وإلى ساحات أخرى.

هناك بدأت عمليات إعدام وحشية جماعية ممنهجة بحق شبان عزّل، واستمرت لأيام،

وصُوّرت بهدف بث الرعب في نفوس العراقيين.

دجلة شاهد على الجريمة

كان نهر دجلة ومنصة القصور الرئاسية شاهدين على واحدة من أبشع الجرائم.

فقد اقتيد مئات الشبان إلى منصة تطل مباشرة على النهر،

وكان يتم إطلاق النار على رأس كل شاب، ثم يُلقى جسده في الماء، حتى تلونت مياه دجلة باللون الأحمر.

كما وُجدت مقابر جماعية أُجبر فيها مئات آخرون على الاستلقاء ووجوههم إلى الأرض،

داخل خنادق ومقابر حُفرت في الصحراء وساحات القصور، ثم جرى إطلاق النار عليهم جماعياً.

وتشير الإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة والجهات الحكومية العراقية إلى أن عدد الضحايا بلغ قرابة 1700 إلى 1935 شهيداً من الطلاب والمقاتلين العزّل.

الفتوى المباركة وتغيّر موازين المعركة

كانت فاجعة سبايكر، إلى جانب سقوط الموصل واقتراب الخطر من المحافظات القريبة من بغداد،

سبباً ومحركاً أساسياً لصدور فتوى الجهاد الكفائي من المرجع الأعلى السيد علي السيستاني في 13 حزيران/يونيو 2014.

وعلى أثر هذه الفتوى، تأسس الحشد الشعبي، وتغيرت موازين المعركة لصالح القوات الأمنية والشرفاء من أبناء العشائر،

وبدأ العراق يستعيد قدرته على المواجهة بعد مرحلة من الصدمة والانهيار.

تحرير تكريت وفتح المقابر الجماعية

بعد تحرير مدينة تكريت عام 2015، بدأت الفرق الطبية والجنائية العراقية،

بمساعدة دولية، فتح المقابر الجماعية داخل القصور الرئاسية، والتعرف على هويات الشهداء عبر فحص الحامض النووي DNA.

كما ألقت الأجهزة الأمنية العراقية، على مدى السنوات اللاحقة،

القبض على عشرات المتورطين في هذه المجزرة،

وأصدرت المحاكم العراقية أحكاماً بالإعدام نُفّذت بحق وجبات من المدانين بتهمة الإرهاب والمشاركة الفعلية في الجريمة.

وهكذا بقيت مجزرة سبايكر جرحاً غائراً في الذاكرة العراقية،

يستذكرها العراقيون سنوياً في مثل هذا التاريخ، بوصفها رمزاً للتضحية والصمود في وجه الإرهاب.

الملحمة الوطنية وطريق تحرير العراق

بين عامي 2014 و2017، لم يكن أمام العراقيين خيار سوى استعادة كرامتهم والدفاع عن وطنهم.

لذلك، كان ينبغي أن تُثقف نهاية معارك تحرير العراق وإعلان النصر بوصفها علامة وطنية كبرى،

بديلاً معنوياً عن 9 نيسان/أبريل 2003، الذي ارتبط بوجود المحتل.

لقد كانت معركة التحرير الكبرى قد انطلقت بالفتوى المباركة،

وبعمليات واسعة النطاق من محاور متعددة، حُشدت فيها قوات الجيش العراقي،

وجهاز مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحادية، وقوات البيشمركة،

والحشد الشعبي، وغيارى العشائر من المكون السني.

وكانت إرادة القوات الأمنية بمختلف مسمياتها،

المدعومة بغطاء جوي وتنسيق عالٍ، هي التي حسمت الموقف في النهاية.

10 تموز 2017: إعلان النصر

في العاشر من تموز/يوليو 2017، تم إعلان الانتصار، وأُسدل الستار على حقبة داعش السوداء في الموصل وصلاح الدين والأنبار، وكذلك الأجزاء المسلوبة من ديالى.

وقد مثّل النصر استعادة لهيبة الدولة، وتكريماً لدماء الشهداء، وطياً لصفحة من أكثر الفصول قسوة في تاريخ العراق.

إن سقوط الموصل لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل كان درساً قاسياً في أهمية وحدة الصف الوطني، وتماسك المؤسسة العسكرية، وضرورة الابتعاد عن التجاذبات السياسية التي تؤثر في أمن البلاد.

واليوم، يبقى درس عام 2014 حياً في ذاكرة العراقيين، تذكيراً بأن الوحدة هي السلاح الأقوى في مواجهة التحديات الوجودية.

دجلة يرتدي السواد

أما مقام الفجيعة، فهناك عند دجلة، حيث يرتدي النهر السواد، وحيث التقى الغدر بمجرى الماء، أستعيد عبارة أثّرت في قلبي:

لم يكن النهر ماءً طهوراً في ذلك اليوم، بل صار كفناً أزلياً لألف وسبعمئة حلم بريء. ففي سبايكر، لم يسقطوا لأنهم يحملون السلاح، بل سقطوا لأنهم حملوا طهر قلوب لم تعرف الغدر.

كانوا شباباً بعمر الورد، جاؤوا من أقصى الجنوب،

يحملون في عيونهم ملامح أمهاتهم المنتظرات على أعتاب الصبر، وفي جيوبهم رسائل شوق لم تُقرأ بعد.

خاتمة

ختاماً، تبقى اللعنة في ضمير التاريخ على كل من أراق دماء الأبرياء، وعلى كل من خطط ونفذ وهلّل وأيّد. لعنة تلاحق القتلة في محياهم ومماتهم، وتطاردهم ككابوس لا ينتهي.

سيبقى الخزي يجلل القتلة، وستبقى أرواح الشهداء تضيء الظلام، وتلعن وجوه الطغاة الذين ظنوا أنهم بالقتل يمحون الضياء.

لكنهم خابوا، وبقي الشهداء أحياءً عند ربهم يُرزقون، وفي قلوب العراقيين خالدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *