طباعة النقد في أزمة إغلاق هرمز: انتحار اقتصادي في زمن الأزمات

طباعة النقد في العراق وخطر التضخم خلال أزمة إغلاق هرمز
طباعة النقد في أزمة إغلاق هرمز قد تمنح الحكومة هدوءاً مؤقتاً، لكنها تفتح الباب أمام التضخم وانهيار الدينار وتآكل رواتب المواطنين ومدخراتهم...

تحذير

هذا المقال يتناول سياسة إذا نُفذت، فإنها ستُلقي بظلالها الكارثية على كل مواطن عراقي، وستحوّل الأزمة المالية المؤقتة إلى أزمة معيشية ونقدية طويلة الأمد.

أولاً: المشهد الراهن — أزمة هرمز والضائقة المالية

يمر العراق اليوم بامتحان اقتصادي عسير، إذ أسفر إغلاق مضيق هرمز عن شلل حاد في صادرات النفط الخام، وهو العصب الذي يغذي أكثر من 95% من إيرادات الدولة.

وفي خضم هذا الواقع المأزوم، تتسرب من أروقة القرار أحاديث عن نية الحكومة اللجوء إلى طباعة الأوراق النقدية لسد عجز الموازنة وتمويل الرواتب والتشغيل.

إن من واجب كل مختص أمين أن يرفع صوته عالياً ليقول بكل وضوح: إن طباعة النقد لتغطية العجز المالي، في غياب إنتاج حقيقي، هي انتحار اقتصادي بطيء وواسع الأثر.

ثانياً: الجانب المظلم — الكوارث الخفية لطباعة النقد

1. التضخم المفرط: الضريبة الخفية على الفقراء

حين تضخ الدولة نقوداً دون أن يقابلها إنتاج سلعي أو خدمي حقيقي، ترتفع الأسعار ارتفاعاً جنونياً. ويُعد التضخم ضريبة رجعية قاسية، لأنه يُفقر الفقير أكثر، ويمحو مدخرات الطبقة الوسطى التي كوّنتها خلال عقود، ويذيب القوة الشرائية للراتب في غضون أشهر.

وقد قدمت تجارب دولية عديدة نماذج صارخة على هذا الخطر. ففي فنزويلا عام 2018، تجاوز التضخم مليون بالمئة، حتى أصبح المواطن يحمل حقيبة من النقود لشراء رغيف. وفي زيمبابوي عام 2008، أُصدرت ورقة نقدية من فئة مئة تريليون دولار، لكنها لم تكن تكفي لشراء وجبة. أما في لبنان بين عامي 2020 و2023، فقد ساهمت الطباعة الجزئية غير المباشرة في تدمير الليرة وإذابة الودائع المصرفية.

2. انهيار سعر الصرف وتآكل الدينار

كلما ضُخت كتلة نقدية إضافية دون رصيد إنتاجي، فقد الدينار العراقي جزءاً من قيمته أمام العملات الأجنبية.

وفي بلد يستورد معظم احتياجاته الغذائية والدوائية والاستهلاكية، يعني انهيار العملة ارتفاعاً مباشراً وفورياً في تكلفة المعيشة.

فكل انخفاض بنسبة 10% في قيمة الدينار قد يؤدي إلى ارتفاع يتراوح بين 10% و15% في أسعار المواد الغذائية المستوردة. كما أن احتياطي العراق الأجنبي، مهما بلغ، لا يستطيع الدفاع عن سعر الصرف إلى الأبد إذا استمرت الطباعة بلا ضوابط إنتاجية ومالية.

3. تآكل الثقة وهروب رأس المال

يقوم الاقتصاد على الثقة قبل الأرقام. وحين يرى المستثمر المحلي أو الأجنبي أن الدولة تطبع النقد لتمويل نفسها، فإنه يفسر ذلك بوصفه إفلاساً مقنعاً أو عجزاً عن إدارة الموارد.

عندها تبدأ الأموال بالهروب إلى الدولار والذهب والعقار خارج البلاد، ويتحول النزيف المالي إلى عامل إضافي يفاقم الأزمة بدلاً من تهدئتها.

وتظهر آثار ذلك في شح السيولة الحقيقية رغم وفرة الأوراق النقدية، وارتفاع حاد في الدولرة، حيث يلجأ الناس إلى الدولار وسيلة للادخار والتبادل، إضافة إلى شلل الاستثمار الخاص، إذ لا يمكن لأي مشروع ناجح أن ينمو في بيئة تضخمية مرتفعة وغير مستقرة.

4. انهيار الخدمات الحكومية بعد وهم مؤقت

قد تبدو طباعة النقد في البداية حلاً سريعاً: تُصرف الرواتب، وتُفتح أبواب المصالح، وتهدأ الشوارع مؤقتاً.

لكن هذا الهدوء الخادع لا يدوم إلا أسابيع أو أشهراً، ثم تتفجر الأزمة الاجتماعية بأضعاف حدتها، عندما يكتشف كل موظف أن راتبه لم يعد يكفي لتغطية نصف احتياجاته الشهرية.

فالموظف الذي يتسلم مليون دينار قد يجد أن راتبه لا يعادل فعلياً إلا 400 ألف دينار بالقوة الشرائية الحقيقية. ومع الوقت، تبدأ الاحتجاجات والمطالبات برفع الأجور، فتدخل الدولة في حلقة مفرغة لا نهاية لها: طباعة نقد، ثم تضخم، ثم مطالبات، ثم طباعة جديدة.

5. فقدان السيادة على السياسة النقدية

حين يصبح البنك المركزي أداة لتمويل العجز، لا حارساً للنقد والاستقرار، تفقد الدولة استقلالية قرارها المالي والنقدي.

وفي هذه الحالة، تجد الدولة نفسها رهينة لمزاج الأسواق والدائنين والمؤسسات المالية الدولية، وهو ما يعني التنازل التدريجي عن السيادة الاقتصادية، وتحويل القرار النقدي من أداة لحماية الاستقرار إلى وسيلة لترحيل الأزمة.

ثالثاً: العلاج — البدائل الواقعية والسياسات الرشيدة

الأزمة حقيقية، والضائقة صعبة، لكن المشرط الصحيح للجراح لا يعني قطع الوريد. فهناك مسار علاجي متكامل يمكن أن ينقذ العراق دون أن يوقعه في فخاخ التضخم وانهيار العملة.

أ. ترشيد الإنفاق الحكومي: قطع الهدر لا قطع الخدمات

ينبغي أن يبدأ الإصلاح من وقف الهدر لا من المساس بالخدمات الأساسية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مراجعة عقود الاستشارات الأجنبية، والتقليص الفوري للعقود غير الضرورية، وتجميد مشاريع البناء الحكومي غير الاستراتيجية لمدة تتراوح بين 12 و18 شهراً.

كما يجب إلغاء الإعفاءات الضريبية والجمركية الممنوحة لشركات استيراد الكماليات، وتدقيق قوائم الموظفين لإزالة الأسماء الوهمية، وهي مشكلة تكشف عنها إحصاءات ديوان الرقابة المالية سنوياً.

ب. تخفيض الرواتب العليا: العدالة في الأزمة

لا عدل في أن يتحمل صغار الموظفين وزر الأزمة، بينما تبقى رواتب الدرجات العليا والمخصصات الحكومية السخية دون مساس.

لذلك، يمكن فرض تخفيض بنسبة 40% إلى 50% على رواتب الدرجة الخاصة، وتخفيض بنسبة 25% إلى 30% على رواتب الدرجات الأولى والثانية، مع إيقاف منح الأراضي الحكومية والمزايا العينية للمسؤولين طوال فترة الأزمة.

كما ينبغي تجميد العلاوات الإضافية والمكافآت التقديرية في القطاع العام، إلى حين تجاوز المرحلة المالية الحرجة.

ج. تفعيل الإيرادات غير النفطية: التنويع الواجب

لا يمكن لدولة أن تبقى رهينة لمورد واحد مهما بلغت أهميته. ولذلك فإن تفعيل الإيرادات غير النفطية لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية.

ويشمل ذلك تفعيل الضريبة على الاستيراد، وتحسين التحصيل الجمركي، ورقمنة الجباية الضريبية لسد ثغرات التهرب الضريبي الواسعة، إضافة إلى تفعيل رسوم المنافذ الحدودية والمطارات وعقود الاستثمار السياحي.

رابعاً: دروس التاريخ — حين طبعت الدول النقد فأحرقت نفسها

هذه ليست نظريات أكاديمية، بل جروح تاريخية موثقة. فقد دفعت دول كثيرة ثمناً باهظاً عندما لجأت إلى طباعة النقد لعلاج أزمات مالية عميقة دون إصلاح اقتصادي حقيقي.

الدولة الفترة سبب الطباعة النتيجة الكارثية
ألمانيا 1921 ـ 1923 تسديد ديون الحرب تضخم مدمر وتدهور اجتماعي
زيمبابوي 2000 ـ 2008 تمويل الميزانية تضخم تريليوني وانهيار تام
فنزويلا 2013 ـ 2019 نقص إيرادات النفط تضخم بلغ مليون بالمئة وموجة هجرة واسعة
لبنان 2019 ـ 2023 دعم المصارف وتمويل العجز إفقار واسع وانهيار قيمة الليرة
الأرجنتين أزمات دورية عجز موازنة هيكلي متكرر إفلاسات متعاقبة وأزمات نقدية متكررة

خامساً: الخاتمة — صوت المختص أمام لحظة المصير

إن أزمة إغلاق هرمز ضائقة حقيقية، لكنها مؤقتة بطبيعتها. أما التضخم الذي يولده الإفراط في طباعة النقد، فهو جرح دائم في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للأمم، وكثيراً ما يترك ندوباً تحتاج إلى سنوات طويلة للتعافي منها.

إن العراق بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، وأرضاً خصبة، وشعباً مجتهداً. وكل ما ينقصه هو قرار سياسي شجاع يختار طريق الإصلاح الصعب، بدلاً من المخدر السهل والمميت.

وأقول لمتخذي القرار بكل مسؤولية وأمانة: لا تُشعلوا النار في بيتنا لتدفئته، بل ابحثوا عن الحطب الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *