إثيوبيا تحل أزمة الكهرباء بسدٍ واحد وتصدرها إلى جيرانها بينما مليارات العراق تُهدر في جيوب الفاسدين

إثيوبيا تحل أزمة الكهرباء بسدٍ واحد وتصدرها إلى جيرانها بينما مليارات العراق تُهدر في جيوب الفاسدين
سدّ النهضة مثال على إرادة وطنية حولت التحديات إلى إنجاز، إذ جعل إثيوبيا مركزاً إقليمياً للطاقة، بينما العراق الغني غارق في الفساد وعاجز عن معالجة أزمته الكهربائية، كاشفاً أنّ المشكلة في الإدارة لا في الموارد....

افتتحت إثيوبيا سد النهضة وسط احتفالات ودموع رئيسها، مقدمةً بذلك درساً بليغاً في الإرادة الوطنية والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.

دولة لا يتجاوز حجم ميزانيتها 15 مليار دولار سنوياً، بينما يبلغ عدد سكانها 132 مليون نسمة، ومساحتها ضعف مساحة العراق ثلاث مرات، أقدمت على مشروع عملاق بكلفة 5 مليارات دولار، إذ نجحت في إكمال بناء سد النهضة على نهر النيل، بخزان مائي هائل يقارب 74 مليار متر مكعب.

يولد السد الذي شيدته شركة (ساليني إمبريغيلو) الإيطالية ما يقارب 6 آلاف ميغاواط من الكهرباء، أي ما يعادل إنتاج أربع محطات نووية عصرية، مع خطط لتصدير الطاقة إلى كينيا وتنزانيا والسودان. ومن خلاله، تتحول إثيوبيا من بلد يعاني عجزاً مزمناً في الطاقة إلى مركز إقليمي لتصدير الكهرباء.

العراق غارق في الفساد

المثير في التجربة الإثيوبية ليس الإنجاز الهندسي وحده، بل الآلية الشعبية التضامنية التي مولت بها المشروع، عندما التفتت الدولة إلى نفسها وإلى مواطنيها، حيث تنازل مسؤولون عن رواتب أشهر كاملة لصالح المشروع،  و اشترى المواطنون سندات حكومية، و علقوها في بيوتهم كأوسمة شرف. إضافة إلى تبرعات مباشرة، واستقطاعات منظمة من الرواتب. مع بعض القروض المحدودة لشراء المعدات من البنوك الصينية. نعم، هكذا بنت إثيوبيا سدها العملاء وافتتحه رئيسها آبي أحمد باكياً..

في المقابل، في بلاد النفط المبتلى بحكم اللصوص والجهلة، لم ينجح بعد عقدين من التغيير في معالجة أزمة الكهرباء. لقد أهدر نظام المحاصصة والفساد العراقي مئات المليارات بلا أثر يذكر. شبكات متهالكة، ساعات تقنين لا تنتهي، وعقود وهمية تتبخر في جيوب الساسة والوسطاء.

تصوروا أن إثيوبيا الفقيرة بنت سداً يعادل أربع محطات نووية بميزانية شعبية. أما العراق الغني يعجز عن تشغيل محطات تقليدية رغم خزائن النفط !

دروس النهضة الإثيوبية القاسية

سد النهضة الإثيوبي ليس مجرد مشروع قومي إثيوبي، بل هو مرآة سياسية وأخلاقية تكشف هشاشة نظم الفساد في منطقتنا. ما أنجزته أديس أبابا بميزانية شحيحة وإرادة صلبة، يكشف عجز دولتنا الغنية التي كبلتها شبكات المحاصصة والفساد المنظم.

إن مقارنة التجربتين تفضح غياب الإرادة الوطنية في العراق، حيث يُختزل ملف الكهرباء بمقاولات فاسدة وعقود شكلية، بينما إثيوبيا جعلته مشروعاً قومياً التف حوله الجميع. الفارق هنا ليس في المال ولا في التكنولوجيا، بل في القيادة الصادقة التي حوّلت العجز إلى إنجاز، على عكس إدارتنا التي حوّلت الوفرة إلى أزمة دائمة.

هنا يمكن القول: ليست الموارد هي المشكلة، بل الحكام. وليست الوفرة ضمانة للتقدم، بل الإدارة الرشيدة والنزاهة. فما نفع النفط إن كان يحرق في أفران الفساد، وما نفع المليارات إن لم تُترجم إلى كهرباء تُضيء بيوت الناس ؟ لقد نجحت إثيوبيا الطموحة في إشعال الضوء، بينما فشل ويفشل العراق في ذلك بجهود حكام الصدفة . تلك هي المفارقة التي تختصر مأساة أمة وتكشف دروس النهضة الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *