يشكل الدستور العقد الأساسي الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة، وتُستمد منه شرعيتها ومؤسساتها. إلا أن الدستور العراقي الحالي، الذي وُلد في ظروف احتلال استثنائية عام 2005 وجرى إعداده على يد أشخاص يفتقرون إلى الاختصاص والكفاءة القانونية والتجرد الوطني، ما أفقده شروط الحياد والرصانة الدستورية، يكشف عن خلل بنيوي عميق يمس جوهر وحدة الدولة ومبادئ المواطنة والعدالة.
إشكالات الدستور العراقي
لا تقتصر الإشكالات على ركاكة لغوية أو صيغ قانونية مضطربة وانحيازات عرقية، بل تتعداها إلى تضارب جوهري في الفلسفة التي يقوم عليها النص الدستوري، حيث تتداخل المرجعيات الدينية مع المبادئ الديمقراطية، وتُستبدل مفاهيم المواطنة بمصطلحات “المكونات”، ما يهدد بنشوء كيانات متوازية داخل الدولة الواحدة، الأمر الذي يجعله غير صالح لبناء دولة مواطنة موحدة.
وللأسف ثمة لا مبالاة شعبية مقلقة في العراق تجاه دستور بريمر، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر تهدد وحدة الدولة وحقوق المواطن. إن هذا التجاهل المجتمعي يفاقم من أزمة النظام السياسي، ويمنح شرعية ضمنية لوثيقة وُضعت في ظروف غير سيادية، وبعيدة عن الإرادة الوطنية. وعليه، فإن من واجب كل مواطن عراقي حريص على مستقبل بلده أن يعي حجم الخلل الدستوري، ويطالب بإعادة صياغته بما ينسجم مع مبادئ السيادة والمواطنة والعدالة الاجتماعية.
أبرز الملاحظات والتناقضات في الدستور العراقي
فيما يلي أبرز الملاحظات والتناقضات في الدستور العراقي:
1. تغلب على ديباجة الدستور لغة فضفاضة، تتضمن شعارات سياسية ودينية، مما يُفقدها الطابع القانوني ويكرس الانقسام الطائفي بدلًا من ترسيخ قيم الدولة المدنية الحديثة والمواطنة المتساوية.
2. تنص الفقرة (أ) من المادة 2 على أن “الإسلام مصدر أساس للتشريع”، بينما تنص الفقرة (ب) على “عدم جواز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان”. هذا التناقض الحاد يضع المشرع والقضاء في مأزق تأويلي دائم، ويهدد الفصل بين الدين والدولة.
3. يعتمد الدستور مصطلح “المكونات” بدل “الشعب” أو “المواطنين”، ما يعزز الانقسام الإثني والطائفي، ويقوض تأسيس انتماء وطني شامل يوحد العراقيين تحت مظلة الدولة.
4. يكرس مبدأ “المكونات” كأساس لتوزيع السلطة والمناصب، ويجعل التوازن السياسي مبنيًا على الانتماءات الفرعية وليس على الكفاءة أو الانتخابات الحرة، ما يهدد وحدة الدولة واستقرارها.
5. يمنح الدستور الأقاليم سلطات واسعة جداً، تضعف الدولة المركزية وتفتح الباب لممارسة أشكال من الاستقلال السياسي والإداري. على سبيل المثال، تنص المادة 121 (ثانياً) على حق الإقليم في إنشاء مكاتب تمثيل له في الخارج، وهي ممارسة أقرب إلى صلاحيات الدول لا الوحدات الإدارية.
6. الأولوية لقانون الإقليم على قانون الدولة (المادة 115): هذه المادة تعطي الأفضلية لتشريعات الإقليم في حال التعارض مع التشريعات الاتحادية، مما يضعف سلطة المركز ويُدخل الدولة في نزاعات قضائية وتشريعية مستمرة.
7. تمنح المادة (119) الحق لأي محافظة أو أكثر في إعلان نفسها إقليماً مستقلاً عبر استفتاء، دون وضع ضوابط قانونية أو اعتبارات للمصلحة الوطنية، مما يهدد بتفكيك الدولة العراقية.
8. غياب تعريف واضح لـ “الكتلة الأكبر” في (المادة 76)،حيث ترك الدستور هذا المفهوم غامضا، ما أدى إلى صراعات متكررة عند تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، كما حدث في الأعوام السابقة.
9. تمنح المادة (126) إقليم كردستان صلاحية تعطيل أي تعديل دستوري ( فيتو ثلاث محافظات) حتى لو وافق عليه البرلمان والشعب، وهي فقرة مصممة خصيصاً لخدمة الزعامات الكردية والنزاعات الانفصالية وجاءت بدعم أميركي على حساب منطق الدولة العراقية الواحدة الموحدة. لا توجد دولة في العالم تدعي الديمقراطية تفعل تعطيل الدستور بهذه الطريقة الخبيثة.
10. يسمح الدستور للأقاليم بإبرام اتفاقيات مع دول أجنبية دون موافقة الحكومة الاتحادية، وهو ما يمثل خرقاً واضحاً لمبدأ السيادة، ويفتح المجال لتدخلات خارجية.
11. رغم تأكيد الدستور على التعددية السياسية، إلا أنه لا يضع أي قيود على إنشاء أحزاب طائفية أو إثنية، مما يعزز الانقسام السياسي على حساب الوحدة الوطنية.
12. لا يضغ دستور 2005 إطاراً فعالاً لعزل أو محاسبة رئيس الوزراء أو كبار المسؤولين التنفيذيين، رغم أنه يمنحهم صلاحيات واسعة.
13. رغم الحديث عن سلطة قضائية مستقلة، إلا أن الدستور لا يُقدم ضمانات حقيقية لفصل القضاء عن التأثيرات السياسية، كما أن تشكيل المحكمة الاتحادية العليا (المادة 92) بقي معلقاً لسنوات بسبب عدم تشريع قانونها.
تشير المادة 105 إلى وجوب التوازن في التمثيل الوظيفي بين المكونات، دون توضيح طبيعة هذا التوازن أو معاييره، وبهذه الطريقة وفرت ذريعة قانونية و غطاءً شرعياً لتكريس المحاصصة في مؤسسات الدولة.


