هل تستطيع حكومة علي الزيدي كسر لعنة الاقتصاد الريعي في العراق؟

الاقتصاد الريعي في العراق وتحديات حكومة علي الزيدي
قراءة في أسباب تعثر التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج في العراق، ودور النفط والفساد والتوظيف الحكومي وضعف القطاع الخاص في تعطيل التنويع الاقتصادي...

إذا نظرنا إلى العراق بعين اقتصادية وسياسية بحتة، وبحثنا بتجرد عن الأسباب التي منعته من التحول من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد سوق متنوع ومنتج، سنجد أن المشكلة لم تكن في نقص الموارد أو الأموال أو الموقع الجغرافي، بل في طبيعة النموذج الاقتصادي والسياسي الذي ترسخ عاماً بعد عام.

لقد ظل الاقتصاد العراقي، طوال سنوات طويلة، أسيراً للريع النفطي، معتمداً على إيرادات النفط بوصفها المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة.

وفي اعتقادي، فإن الأسباب الأكثر منطقية التي أعاقت التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي المتنوع تبدأ من لعنة النفط، أو ما يُعرف اقتصادياً باسم المرض الهولندي.

لعنة النفط والمرض الهولندي

عندما تحصل الدولة على معظم إيراداتها من النفط، تصبح أقل حاجة إلى الضرائب والإنتاج المحلي.

وهنا تبدأ المشكلة، لأن الحكومات السابقة موّلت نفسها من بيع النفط، واستسهلت هذا الطريق بدلاً من الاعتماد على النشاط الاقتصادي للمواطنين والشركات.

وبمرور الوقت، تحولت الدولة إلى موزّع للريع، لا إلى محرّك للإنتاج.

وتراجع دور الصناعة والزراعة والاستثمار المحلي، بينما تضخم دور الإنفاق الحكومي بوصفه الأداة الأساسية لإدارة الاقتصاد والمجتمع.

التوظيف الحكومي كأداة سياسية

خلال سنوات طويلة من رحلة التغيير الديمقراطي في العراق، استخدمت الحكومات المتعاقبة التعيينات الحكومية كوسيلة لامتصاص البطالة وكسب التأييد الشعبي والانتخابي.

وقد تبدو هذه الخطة ذكية من زاوية كسب الأصوات، لكنها كانت مكلفة جداً على حساب العراق وشعبه واقتصاده.

فقد أدت إلى تضخم الجهاز الحكومي بشكل يفوق الحاجة الفعلية للاقتصاد، وأصبحت الرواتب والأجور عاملاً مخيفاً يستنزف الميزانيات المالية للدولة.

لقد تجاوزت الرواتب والأجور، بحسب ما يرد في النقاشات الاقتصادية، سبعين تريليون دينار عراقي سنوياً، في حين لم يحظَ القطاع الخاص بالدعم والتشريعات والحماية الكافية ليصبح بديلاً حقيقياً للتشغيل.

ونتيجة لذلك، تكرس اعتماد المواطنين على الوظيفة الحكومية بوصفها الخيار الأكثر استقراراً وأماناً، فتراجعت قدرة القطاع الخاص على استقطاب الكفاءات والاستثمارات، وازدادت فاتورة الرواتب الحكومية سنة بعد أخرى.

غياب الاستمرارية في الخطط الاقتصادية

مشكلة أخرى واجهها العراق هي غياب الاستمرارية.

فكل حكومة تأتي بخطة جديدة، وتترك ما بدأته الحكومة السابقة، بينما تحتاج الصناعة والزراعة إلى خطط تمتد لعشر سنوات أو عشرين سنة حتى تنهض وتنتج وتنافس.

ولا يمكن بناء اقتصاد متنوع عبر قرارات متقطعة أو مشاريع موسمية.

فالتحول الاقتصادي يحتاج إلى رؤية ثابتة، وتشريعات مستقرة، ومؤسسات قادرة على حماية المسار التنموي من التقلبات السياسية والحكومية.

التأثيرات الإقليمية وتحويل العراق إلى سوق مستهلكة

أصبح العراق، وللأسف الشديد، سوقاً كبيرة لدول الجوار. فبعض القوى الإقليمية تستفيد من بقاء العراق مستورداً أكثر من كونه منتجاً ومنافساً.

بعد عام 2003، فُتحت الأسواق والحدود دون حماية ذكية، فدخلت البضائع الأجنبية بكميات هائلة وبأسعار منخفضة. وبذلك تمت مكافأة دول الجوار على حساب المنتج العراقي، وقُتل المنتج الوطني، وتراجعت الصناعة المحلية، ولم يحصل المنتج العراقي على حماية أو دعم كافيين.

إن فتح السوق دون سياسة إنتاجية وحماية مدروسة لا يصنع اقتصاد سوق حقيقياً، بل يحول البلد إلى مستهلك دائم لمنتجات الآخرين.

ضعف التمويل المصرفي

من المشكلات العميقة أيضاً ضعف التمويل المصرفي.

فقد ظلت المصارف العراقية، طوال السنوات السابقة، تركز على التحويلات الدولارية والربح السريع من الدولار، وتركت الأنشطة المصرفية المتنوعة والتمويل التنموي.

كما تراجعت فكرة تمويل المشاريع الصناعية والزراعية الكبيرة، وهي المشاريع التي يفترض أن تشكل أساس التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج.

ولا يمكن لأي اقتصاد أن يتحول إلى الإنتاج الحقيقي ما لم يمتلك جهازاً مصرفياً قادراً على تمويل الصناعة والزراعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، لا الاكتفاء بالدوران حول الدولار والتحويلات قصيرة الأجل.

لعنة الفساد والفاسدين وغياب اليقين

لا يمكن للمستثمر أن يعمل في بيئة يسودها الفساد وعدم اليقين.

فالمستثمر يبحث عن الاستقرار القانوني والإداري، وعن ثبات السياسات الاقتصادية، وعن قضاء يحمي الحقوق، وإدارة لا تبتز المشاريع.

وعندما ترتفع المخاطر، يهرب رأس المال إلى العقار أو إلى الخارج.

وهنا يصبح الاقتصاد العراقي ضحية للاقتصاد السياسي وتبعاته، لا ضحية الاقتصاد وحده.

لقد استفادت قوى سياسية واقتصادية، على مدى عقود، من نموذج الاستيراد والإنفاق الحكومي.

ولذلك لم يكن لديها حافز حقيقي لتغيير النموذج الاقتصادي الريعي أو الانتقال إلى اقتصاد متنوع ومنتج.

غياب المشروع الوطني الاقتصادي

كل هذه العوامل أدت إلى غياب المشروع الوطني الاقتصادي.

فالعراق امتلك مشاريع سياسية وأمنية كثيرة،

لكنه لم يمتلك حتى الآن مشروعاً اقتصادياً وطنياً متكاملاً ومستمراً وشاملاً ومتفقاً عليه.

لقد فعلت دول مثل الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا ذلك،

حين امتلكت مشاريع اقتصادية تنموية استمرت لعقود، وتجاوزت حدود الحكومات والأحزاب والدورات الانتخابية.

أما في العراق، فالمشكلة ليست في قلة الأموال أو الموارد أو الأراضي أو الموقع الجغرافي،

بل في أن الاقتصاد الريعي خلق شبكة مصالح واسعة للطبقات والزعامات والأحزاب السياسية،

وهي شبكة لا ترغب في التغيير بسبب الأنا السياسية وتضارب المصالح.

من تقاسم الموارد إلى صناعة الموارد

إن نجاح الإصلاح الاقتصادي في العراق يتطلب تغيير الأنا السياسية للأحزاب،

وتحويل التنافس من تقاسم الموارد المالية إلى صناعة الموارد.

فالتحول إلى اقتصاد منتج لا يحتاج فقط إلى مصانع ومزارع،

بل يحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات قوية قادرة على تغيير الحوافز الاقتصادية التي ترسخت خلال عقود طويلة.

كما يحتاج إلى شجاعة في إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطن،

وبين الدولة والسوق، وبين السياسة والاقتصاد، بحيث يصبح الإنتاج لا التوزيع، والكفاءة لا الولاء، والاستثمار لا الريع، هي القواعد التي تحكم المستقبل.

هل تستطيع حكومة علي الزيدي كسر اللعنة؟

نعود إلى السؤال الأساسي: هل تستطيع حكومة علي الزيدي تغيير الوضع الاقتصادي وكسر لعنة الاقتصاد الريعي في العراق؟

الإجابة لا تتوقف على الوعود ولا على العناوين العامة،

بل على القدرة على بناء مشروع اقتصادي وطني طويل الأمد،

يحرر العراق من الاعتماد الأحادي على النفط،

ويعيد الاعتبار للزراعة والصناعة والقطاع الخاص والتمويل المصرفي المنتج.

فإذا بقيت أدوات الإدارة نفسها، والعقلية نفسها، وشبكات المصالح نفسها،

فلن يكون الحديث عن كسر الاقتصاد الريعي سوى شعار جديد في دورة قديمة.

أما إذا توفرت الإرادة السياسية، والاستمرارية المؤسسية، والحماية الذكية للمنتج الوطني،

وإصلاح النظام المصرفي، ومحاربة الفساد، وبناء مشروع اقتصادي مستمر، فقد يمتلك العراق فرصة حقيقية للخروج من أسر الريع النفطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *