لعلّ أبرز المكاسب الاستراتيجية التي حققتها إيران خلال العقود الأخيرة تمثّل في قدرتها على تحويل الساحة اللبنانية إلى نقطة تقاطع حساسة بين المصالح الاستراتيجية الأمريكية من جهة، والمصالح الإسرائيلية من جهة أخرى.
فبدلاً من أن تبقى إسرائيل أداة متقدمة لتنفيذ الرؤية الأمريكية في المنطقة، كما كان الحال في مراحل سابقة،
باتت اليوم تمثل عبئاً سياسياً وأمنياً على واشنطن، خصوصاً عندما تتعارض الحسابات الإسرائيلية مع أولويات الولايات المتحدة ومصالحها الأوسع في المنطقة والعالم.
حزب الله ولبنان في الحسابات الإيرانية
في المقابل، لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق الهدف المعاكس، أي تحويل حزب الله إلى عبء داخلي أو إقليمي على إيران.
بل إن المشهد تطور في الاتجاه المعاكس، حيث أصبحت طهران تنظر إلى أي تسوية أو تفاهم محتمل مع واشنطن من خلال بوابة أساسية تتمثل في وقف الحرب على لبنان وضمان استقراره، باعتبار ذلك جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق إقليمي أو دولي مستقبلي.
وهكذا لم يعد لبنان مجرد ساحة هامشية في صراع النفوذ، بل تحول إلى عقدة مركزية في معادلات الردع والتفاوض والتوازن الإقليمي.
نتنياهو خارج الحسابات الاستراتيجية التقليدية
في ظل هذه المعادلة، يبدو أن نتنياهو بات خارج حدود الحسابات الاستراتيجية التقليدية التي حكمت العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية لعقود طويلة.
فالمؤشرات الحالية لا توحي بأن تل أبيب ما زالت تحتل الموقع ذاته في سلم الأولويات الأمريكية،
خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتراكمة التي تواجهها الولايات المتحدة،
فضلاً عن التحديات التي تطال الإدارة الأمريكية نفسها.
وكأن واشنطن تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة: هل تكون الأولوية لمشروع «إسرائيل الكبرى»،
أم للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى وقطب دولي قادر على إدارة التوازنات العالمية؟
فكلما تعمقت التناقضات بين المصالح الأمريكية المباشرة والطموحات الإسرائيلية الإقليمية، ازدادت صعوبة التوفيق بين المشروعين.
القلق الإسرائيلي من أي تفاهم إيراني ـ أمريكي
من هنا يمكن فهم القلق الإسرائيلي المتزايد تجاه أي مذكرة تفاهم أو اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن.
فإسرائيل تنظر إلى رفع القيود عن الأموال الإيرانية المجمدة باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي،
انطلاقاً من اعتقادها بأن جزءاً من هذه الموارد قد يُستخدم لإعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله في لبنان،
ودعم حلفاء إيران في اليمن والعراق، واستعادة شبكات النفوذ الإقليمي التي تعرضت لضغوط كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
ولا يتوقف القلق الإسرائيلي عند هذا الحد، بل يمتد إلى احتمال تمكن إيران من استعادة جزء من نفوذها داخل سوريا،
وإعادة تشكيل التوازنات هناك بصورة لا تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية.
الصواريخ والنووي وحدود التفاوض
تنظر تل أبيب بقلق بالغ إلى أي اتفاق يسمح لطهران بالاحتفاظ بقدراتها الصاروخية،
أو بجزء من بنيتها النووية، بما في ذلك استمرار عمليات التخصيب أو الاحتفاظ بمخزون من اليورانيوم المخصب ضمن ترتيبات دولية معينة.
فمن وجهة النظر الإسرائيلية، لا يتعلق الأمر باتفاق تقني أو تفاهم محدود،
بل بإعادة تعريف لمكانة إيران في النظام الإقليمي، ومنحها هامشاً أوسع في إدارة ملفات الردع والتأثير والنفوذ.
مضيق هرمز وباب المندب في معادلات الطاقة
كذلك تخشى إسرائيل من أي اعتراف دولي أوسع بالدور الإيراني في أمن الملاحة بمضيق هرمز،
علاوة على ما تمتلكه طهران من نفوذ في مضيق باب المندب.
ويُعدّ ذلك تحولاً جيوسياسياً يمنح إيران موقعاً أكثر تأثيراً في معادلات الطاقة والتجارة العالمية.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن مثل هذه التحولات قد تؤدي إلى تضييق هامش المناورة الاستراتيجية أمامها،
وتطحنها، كما يقال، «كحبة قمح بين فكي رحى»،
بما يقوض الرهانات التي بنت عليها مشاريعها الإقليمية لعقود، وينهي حلم «إسرائيل الكبرى» بشكل نهائي.
التقارب الإيراني ـ العربي وإرباك استراتيجية العزل
يضاف إلى ذلك هاجس آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تنامي مسارات التقارب والتطبيع بين إيران وعدد من الدول العربية.
وهذا تطور تنظر إليه إسرائيل بوصفه تقويضاً لاستراتيجية عزل إيران إقليمياً،
ولهذا تبدو تل أبيب شديدة الحساسية تجاه أي تحول يمنح طهران شرعية سياسية أو اقتصادية أو أمنية إضافية.
فكلما اتسعت قنوات الحوار بين إيران ومحيطها العربي،
تراجعت فعالية الرهان الإسرائيلي على إبقاء طهران محاصرة إقليمياً، وتزايدت صعوبة بناء تحالفات مستقرة ضدها.
إسرائيل في موقع الدفاع
في ضوء هذه المعطيات، تبدو إسرائيل اليوم في موقع الدفاع أكثر من أي وقت مضى.
فهي تواصل محاولات التأثير على مسار المفاوضات والتحولات الإقليمية،
لكنها تواجه بيئة دولية وإقليمية أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت هذه التحولات قد برزت في ظل إدارة جمهورية،
فكيف يمكن أن تكون الصورة لو عادت إدارة ديمقراطية أكثر ميلاً إلى الدبلوماسية والتسويات مع إيران؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط بأكمله، لصالح إيران المنتصرة في معادلة النفوذ الإقليمي.


