السَحْرِيّة الغرائبية في شَعْرِيّة السرد

السَحْرِيّة الغرائبية في شَعْرِيّة السرد
يكتب كاظم جماسي بشكل شَعْرِيّ عن اعماق الوجود الإنساني ، ليخطط بتجرد افكاره التي تنضح بهموم المواطن العراقي المسحوق المهموم الباحث عن جودو، فهو يعمل على اقتناص اللحظة الإنسانية المختلجة بالفقد والحزن والفجيعة بعدسة مكبرة...

يكتب كاظم جماسي بشكل شَعْرِيّ عن اعماق الوجود الإنساني ، ليخطط بتجرد افكاره التي تنضح بهموم المواطن العراقي المسحوق المهموم الباحث عن جودو، فهو يعمل على اقتناص اللحظة الإنسانية المختلجة بالفقد والحزن والفجيعة بعدسة مكبرة ، متحولة الى طاقة كتابية متسمة بالسحرية الغرائبية ، وفي سرود  ” كما لو أننا نولد للتو *” نعثر على عوالمه ورؤيته لذاته وللآخر وللعالم ، كذلك تمثل هذه السرود منعطفاً جماليا في شِعْريّة السرد ، من خلال اللعب بالأساليب والمزج بالكلمات ليشكل لنا أنماطاً منزاحة ، مختلطة مع اسطرة الحدث والشخصيات ، التي تجسد تلك الغرائبية ، والاسطورة توظف هنا كأداة تفسيرية في داخل العمل ككل ، رغم أن الغرائبية ( الفنتازيا ) تعني القدرة على خلق الصور بمعنى ابداع الصور وليس إعادة إنتاجها ، وهذا يجعل السحرية تتداخل في اشتغالها مع الغرائبي ، لأن السحرية اساساً تقوم على الموروثات الثقافية والسوسيولوجية وهي بحث عما هو عجائبي وغرائبي داخل الواقع نفسه ، هذا يؤدي الى نشوء علاقة مندمجة بين السحرية والواقع ، استنادا الى مزج الواقع والخرافة والاسطورة في بناء نص سردي جذاب يشد القارىء ، لأن ” العجائبي لا يستحضر ما هو غائب وفقط ، بل يجعل ما هو واقعي قابلاً أن يتفجّر عن ما هو غائب ، فهو يجعلنا نشك في قدرة حواسنا عن ادراك العالم ” 1 .

في مجموعة  ” كما لو أننا نولد للتو ” لـ كاظم جماسي  والتي وضعها تحت عنوان تجنيسي  ” سرود ” ، وليس مجموعة قصصية ، وذلك للعمل على أرباك المتلقي ، بينما هذا لا يشكل فرقا كبيراً بينهما ، فالسرد هو الطريقة التي تسرد بها الأحداث بتسلسل سواء كانت هذه الأحداث خيالية أو واقعية سحرية أو واقعية  . أما القصة فيجب توفر مميزات أساسية فيها مثل : الاعداد ، والحبكة ، والشخصيات وتسلسل الأحداث بطريقة منطقية ، مع توفر شرط الأقناع فيها ، بينما في السرد الذي لا يخضع لتجنيس معين وبالذات الغرائبي ليس من الضروري توفر شرط الأقناع فيه، ففي الأخر السرد يحتوي القص حاله حال الرواية – الحكاية – الأسطورة – الخرافة ، هذا يبين لنا أن القص لا يحتوي السرد بل هو جزءا قابعا فيه ويعتمد اعتماداً كلياً عليه .

تبدأ مغامرة القراءة من العنوان  ” كما لو أننا نولد للتو ” المطبوع على الغلاف الامامي ، والذي هو يعتبر اداة و وسيلة لتفكيك نص السرود ،وتحليله وتأويله من خلال الحفر والاستيعاب ، لتأسيس استراتيجية قرائية للنص ، تشتغل وفق مفاهيم التأويلية ، وليس ذلك فحسب ، بل أن العنوان المثير للانتباه ، يجعل المتلقي واقعا على التشفير المحصور والفاصل بين التأويل والرؤى وبين المتعة والترقب وبين الاندهاش والتحفيز .

ومن خلال استمرارية القراءة ، يتوصل القارىء الى أن كاظم جماسي ، قد جعله يقف امام أسئلة لا تحصى وأجوبة مبهمة ، مثل ، كيف يمكن للواقع اليومي لإنسان أن يُعبر عن نفسه بأن يجعل من نفسه موضوع ؟ وكيف يمكن له أن يجعل هذا الموضوع يضيء معاني كثيرة بأن يأخذها ويفهمها كائن تاريخي آخر يتجاوز وضعه التاريخي الخاص ؟ لذا عليه أن يلجأ الى استخدم الفهم – التأويلي للتاريخ تاريخياً عبر مشاركة المؤلف في معرفته لصناعة فلسفة الحياة المبثوثة في جميع السرود ، ولماذا ؟ أن فلسفة الحياة في سرود ” كما لو اننا نولد للتو ” تفسر نفسها بنفسها ، لأنها هي التفسير وهي التي تعمل على كشف الغموض والابهام الوارد في الرموز ، من خلال تحليل معنى الكلمات ، المندسة والمخفية في الرموز ، مما يقود هذا الى معرفة قصدية المؤلف ، وخباياه الخاتلة في خطابه ، هنا عندئذ تحصل الاستجابة وتتحقق بين الكائنين : المؤلف / القارىء ، لأن الكتابة كما يقول بارت هي ” حرية وكياناً مرموزاً مكثفاً أكثر فأكثر ، فأن القراءة هي تهشيم لعالم الكتاب واعادة صنعه “2 .

اما الغرائبية في ” كما لو اننا نولد للتو ” ، فهي تتناول الواقع الوجودي من خلال رؤية خارجة عن المألوف للواقع ، مستمدة عناصرها من الخيال ، معتمدة على غرائبية الحدث في السرد ، ليشكل هذا الحدث في نظر القارىء أشياء خارقة ، وغير مألوفة ، وغير معقولة ، ولا يمكن ان تحدث في الواقع ، وعلى الرغم من أن  ” النص التخييلي ، قد يشير أو يمثّل خارجاً ما ، إلا أن النسق الرمزي الذي تشكله الكلمات ، يمتلك خاصية مستقلة ، ويأخذ الترميز وجوده من مصدرين اثنين هما :

الأول : من النص ذاته .

الثاني : قد يتعلق بالتفسير والتأويل وما يتعارف عليه الناس من معنى للكلمات “3 .

وما بين ثنائية الولادة والموت هناك تكون الحياة . وهناك تكون الذكريات عن ” فتيات مضيئات ، شاحبات ، نائمات ، ولدن للتو ” ولادة مزدوجة ، ولادة جسد من بين ارتعاشات اللذة بامتزاج الاحضان الحارة ما بين الأنثى والذكر ، و ولادة طبيعية للمرأة . ولكن يبقى الموت يتربص بالحياة ، لأن الحياة تقود الى الموت ، فنهاية كل حياة هو الموت ، لذا علينا  ” أن ننشد نشيد الحياة ، نشيد الليبيدو ، نشيد الإيروس ! ولأن الحياة تمضي الى الموت ، فالجنسية هي الاستثناء الأكبر في سير الحياة نحو الموت “4 ، ويبقى الكائن الحي يصارع الموت ، من خلال الدوافع الجنسية التي هي الدوافع الحقيقية للحياة ، وهذا ما يحدث في نص ” كما لو أننا نولد للتو ” ، في تواجد ثنائية الحياة / الموت بكثافة شديدة  ، ” بعد أن صهرتنا مرائر السنوات وأفراحها الشحيحات في روح واحدة ، كانت ميتتها المباغتة ،أول طعنة غدر وأشدها أذى على الأطلاق ، واجهتني في حياتي … واليوم ، وقد بلغت الستين ، وحيداً دونما حبيب أو أنيس ، وسلال ايامي توشك على النفاد، أفتقد حضورها البهي ،وأشعر باليتم المكتمل – ص 74 ” ، هذه الاسطر الاخبارية تجعلنا نتعرف على شخصية الرجل بأن زوجته متوفية / ارمل ، وهو قد بلغ الستين من العمر / الكهولة ، وحيد يشعر باليتم / الوحدة .

وفي خضم ثنائية الغياب / الزوجة – الزوج و الحضور/ الرجل الارمل – المرأة الارملة ، يعمل السارد على احالتنا الى المقبرة ، والاطلاع على مراسيم الزيارة الاسبوعية ايام الجمع ، من ايقاد الشموع ، ورش القبرة بماء الورد ، واشعال عيدان البخور ، وفي عدد من هذه الزيارات يلمح دائماً امرأة ذات التقاطيع المشدودة لجسدها الطويل ” قد احتضنت ، بين ساقيها الممتلئتين ، رخام الشاهدة – ص 75 ” ، ففي هذه الكلمات الانفة الذكر ، نعثر على الإيحاء الرمزي المرسل للمتلقي والذي يصور الشبقية العالية المنبعثة من المرأة الأرملة لا شعورياً ، ويظهر حاجتها الى ممارسة الجنس ، حينما تحتضن بين فخذيها رخام شاهد القبر وكأنه قضيب رجل ، هنا عملية الاحالة واضحة جداً ، فالرخام المنتصب على القبر أستبدل مكان عضو زوجها المنتصب ، لأن الإحالة تقتحم الخيال ، والحُلم ، وتضم اليها الأشياء المادية وانواعها والعمليات التي عملت على تشكيلها ، فالنص الرمزي نص يشرع ابوابه على التأويل ، بل يعمل على دعوة المتلقي وتشجيعه الى ممارسة التأويل ، لأن النص فيه معان غير مباشرة ينبغي البحث عنها ، والتأويل هو من يقوم بهذه المهمة ، فالمعنى هنا يَنتج عن فعلٍ تأويلي ، والمعنى مكمّل للفهم الذي ينتج ، لأن ” حدث النص ليس حدثاً من إنشاء المؤلف وليس معنى لمعنى المؤلف . وكلّ من الحدث والمعنى في متناول التأويل أو التفسير “5 . أي يكون المتلقي بواسطة التأويل هو من يَنتج المعنى أو يعمل على تأسيسه .

وطرأ على زيارة الجمع تحول عميق حيث اخذت هذه الزيارات طابع التنزه والأستجمام ، والاهتمام بالزوجين الفقيدين توقف نهائياً ، وحل مكانهما الشوق الى لقاء جسديهما ، ويتحقق ذلك في سرداب تحت الارض لدفن الموتى ،  ” متوج بقبة متقنة ،  يغلفها القاشان الفيروزي المزجج ، منقوش عليها إطفال أكتافهم أجنحة ملائكة ، ومن دون أية ارادة أو وعي ، ألقت حبيبتي عباءتها جانبا وخلعت ما ترتديه ، وكذا فعلت أنا ، فيما أنبجست بنحو مفاجىء ، الظلمة المحيطة هالة ضوء لجبهة صبي تنز دما ومسمار نابت فيها ، فيما ذراعاه مشرعتان ، أخذت مسامتنا تنز شبقا وعشقا ، حين خرجنا من السرداب ، وجدتنا ، كما لو أننا ولدنا للتو ، طفلين غضين مبتهجين – ص 79 ” .

من الضروري مبدئياً أن نشير الى النص المقتبس ”  ذاته والى طبيعته الرمزية ، أي أن ينطوي على مجموعة من السمات المؤكدة التي يمكن تحديدها والإمساك بها ، سمات يحملنا النص من خلالها على القيام بتلك القراءة الخاصة التي هي التأويل “6.

والعملية تمت بمباركة الاطفال الذين يمثلون الملائكة في البراءة والنقاء ، انهم غير مدنسين ، بل الاكثر من ذلك عند تحول جبهة الطفل الى ضوء يعمل على كشف تضاريس وانحناءات ومسالك لكل منهما لجسد الآخر وللوقوع في التجربة التي يكون المعنى ليس في حصولها بل في معناها ، حيث يتساوى ويتشارك العري الغائب ” الموت “المدفون تحت التراب في السرداب مع العري الحاضر ” الحياة ” الناز شبقاً ولهفة على ارضية السرداب ، انه مشهد يؤسطر ملحمة الحياة في حقيقة الوجود ، وديمومته ،  وانبعاث الجسد من التراب كانبعاث العنقاء من الرماد ، وخروجهما من السرداب يمثل الخروج للعالم ، يمثل الولادة الحقيقية لهما ” كما لو أننا ولدنا للتو – ص 79 ”  يمثل الحياة الطاردة للموت  .

وما بين ” ولدنا ”  و ” نولد ” لا يوجد فرق بينهما الا في استعارة المعنى المتحول من ” علم دلالة الكلمة الى علم دلالة الجملة “7 ، فالمؤلف وضعهما متعمداً في قصدية مكثفة بأن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل يحيا الإنسان بالجنس و الخبز . وعند مقارنة جملة  ” كما لو اننا ولدنا للتو ” وعنوان المجموعة سرود ، نرى أنهما مستعارين من مقالة ريلكه الموضوعة كمدخل في المجموعة عن ” فتيات مضيئات ، شاحبات ، نائمات ولدنا للتو وللتو انغلقن مرة أخرى – ص 8 ” . وفي نص ” اكتشاف متأخر ” ، يبين أن التعاليم المقدسة باطلة وكاذبة ومنحرفة عندما تحذر من كيد النساء ، وعدم التواصل معهن ، وهذا النص بنظري يعتبر مكمل ومن ضمن النص السابق ومتمم لـ ثيماته .

الحقيقة أن كاظم جماسي يتناول للتمثيل والتوضيح نصوصاً سردية ذات حمولات وشفرات ثقافية – معرفية مختلفة ، مثل نص ” تطريز ” الذي يحكي عن معاناة وحرمان وبؤس حياة اربع نساء يعشن على هامش الوجود اليومي ، حيث يعشن العنوسة / غير متزوجات ، والفقر/ لا مال ولا جاه ، و عملهن هو ” شتاءً أو صيفاً ،وعند خيط البكر من نسيج الفجر ، كل منهن تحكم نقاب وجهها جيداً لتهرع متأبطة شوالاتها ، وبعزم مقاتل مستميت ينطلقن نحو كل ناحية من نواحي المدينة الكبيرة ، للأحتطاب  ، يقطعن مسافات تطول أو تقصر بين مزبلة وأخرى ، يجمعن علب البيبسي الفارغة – ص 15 ” ، ورغم اختلافهن هنالك قاسم مشترك يجتمعن عليه هو في :  المرارات – الخسارات  – الخيبات ، وعند العودة كل مساء  يغتسلن ويغسلن ملابسهن من نتانة المزابل ، ثم يغسلن ارضية المنزل ، ليجتمعن اخيراً ” في الصالة كل تمسك بقماشتها البيضاء وإبرها الخاصة ، يطرزن تحت ضوء واهن قماشتهن ببلابل وحمائم وفراشات ، كل طير من لون وكل جناح من لون ، بل كل ريشة من لون ، يجن الليل وهن منهمكات ، يطرزن ويطرزن ، تحتشد الطيور على وجه القماشة ولا تفيض ، حتى يغبن عن الوعي ، وتأخذهن سنة النوم – ص 16 ” ، حتى الحلم عليهن ممنوع ، غير مسموح لهن بالحلم ، هذا الحلم الذي يردن به نسيان الألم وقسوة العالم واختلال المجتمع ، والبحث من خلاله عن فسحة أمل لهن به ، الحلم المرسوم على قطعة قماش بيضاء ، لا يستطعن الحصول عليه ، ” يستيقظن فيجدن قماشاتهن بيضا ناصعات كما لم يمسسها أحد – ص 16 ” ، لماذا ؟ ، فالسارد يعمل على فتح عالم النساء الاربع لكي يقوم بفضح وادانة هذا العالم الذي لا يريد أن يرى المهمشين والمعوزين والبائسين ، وليبين أن ما بين الواقع والحلم مسافات ضوئية يستحيل الوصول اليها ، ففي اسطورة صخرة سيزيف هنالك حلم يتحقق ولكنه يبقى يتكرر ، لأنه كلما يصل سيزيف بالصخرة الى القمة ، تتدحرج مرة أخرى وأخرى الى ما لانهاية بسبب لعنة الالهة ، اما في ” تطريز ” نعم يستطعن البدا بالحلم لكنه من المستحيل تحقيقه ومن المستحيل الوصول للنهاية كما فعل سيزيف ، فحلمهن حلم مبتور ، فقماشاتهن بيضاء لم يمسسها أحد وكذلك جسدهن لم يمسسه أحد ، فهل هن ملعونات ؟! اذا كان الجواب نعم فمن هو صاحب هذه اللعنة  ؟  ،  ”  توجد هنالك قراءات متعددة ومتنوعة ، لكن القراءة الصحيحة هي التي تتوافق مع معنى النص ، المتماسك والمتسق والمنسجم ، بعيداً عن الإسقاطات الخارجية والتأويلات الخاطئة ، رغم أن النص يزخر بالمعاني التي يبحث المؤول عنها من خلال القراءة التأويلية ، وكذلك من خلال الصلة بالسياق والمرجع والإحالة والمقصد “8 ، مما يعني أن المعنى يتم تجميعه من الرموز والإيحاءات ، عليه يجب أن تكون قراءتنا لمجموعة ” كما لو أننا نولد للتو ” من هذا المنطلق لإنتاج المعنى والدلالات . هذا سوف يمنحنا رؤية واضحة لأشتغالهن في المزابل صباحاً ، وفي المساء كل مساء تهل رائحة العطور النادرة من ارجاء المنزل العتيق ، وخلطات البخور ، ثم يذهبن الى طقوسهن المسائية في تطريز احلامهن بمتعة ولذة فوق رمالهن المتحركة ، لكن تبقى قماشة كل واحدة منهن ، بيضاء كأن لم يمسسها أحد ! كأن لم تتطرز بأشكال الحياة المتنوعة والجميلة من تغريد البلابل وهديل الحمائم واريج الزهور .. ، صور تتسم بالعبثية واللا مجدية .

يفتتح السارد نص ” الزورق ” بالجمل التالية : ” فيما السماء ، على الضفة الأخرى من النهر ، تقيم وسائد وردية وأراجيح وأسرة فارهة من نتف غيوم بيض ، كان جان دمو ، وقبالته قماشة سوداء مثبتة على حامل للرسم ، منهمكاً في تحويلها لبانوراما ، تتخللها توابيت مكسوة برايات وطنية تنشب في أطرافها نيران ، تصاعد ألسنتها لتعبر الحافات العليا للقماشة ، فيما تقطر حافاتها السفلى ، قطرات حمر قانية ، ذاهبة نحو النهر – ص 9 ” ، فعندما يقرأ المتلقي هذه الجمل ، يحس بأنه هنالك تضامناً وتداخلاً بين الرمز اللغوي والتأويل  ” ولا أعتقد أن الفصل بينهما هنا يمكن أن يكون أمراً مرغوباً به أو حتى ممكناً .

فالنص أو الخطاب يصبح رمزياً ابتداءً من اللحظة التي نكتشف له فيها ، بفضل جهد تفسيري ، معنى غير مباشر ” 9 ، هذا يجعلنا نتسأل : لماذا السماء متواجد على الضفة الأخرى ،ولا توجد سماء في هذه الضفة ؟ هل يعني أن الالهة يقيمون هناك في القصور الرئاسية التي تسمى حاليا المنطقة الخضراء ، فقط ؟ ولماذا جان دمو الشاعر السليط اللسان الشتام يصبح رساماً وهو المخمور الابدي ؟ ولماذا قماشة الرسم سوداء مكتظة بالتوابيت المغلفة بالأعلام والتي تقطر منها الدماء الملقاة  في ماء النهر ؟ اتمثل ايامنا وحياتنا التي اصبحت سوداء نتيجة الحروب الدموية العبثية ؟ أي الفترة السوداء ، ولكن قد كثرت الفترات السود فينا ، فأي حرب يقصد ؟ والذكريات هذه لا تكون مهمة كما يقول ريلكه  ” إلا اذا تحولت الى دم فينا – ص 8 ” . ثم كيف نعبر الى الضفة الثانية وبماذا ؟ ، لنتمعن في الصور المرسومة أكثر ، صور مخيفة جداً ، غير منطقية ، غير إنسانية ، قاتمة :

“صاح بي : ها … ، أجبته مستفهما : ها ؟ .. ، أشار بسبابته الى البانوراما : هذه ضفة ، ثم وهو يرفع ذراعه الى الأمام باستقامة نظره ، ويضيف وتلك ضفة ..

بلهفة وظمأ مضاعفين سألته : وكيف العبور ؟!

ما لبث أن مد ذراعه في عبه ، ليخرج قنينة عرق ملأى ، ثم ليرفع عاليا ويهتف مقهقاً : هذا هو الزورق  – ص 10 ” .

اذا كم هو مأساوي وبائس هذا الواقع ، وكم هو مخيف ، عندما يكون العبور الوهمي الى  اولياء الأمر حلما مؤجلا ،  لتصبح قنينة العرق هي الزورق والمنقذ والمُخْلصّ ، بعد أن صارت الضفة التي بلا سماء مشلولة تماما بانعدام جميع خدمات البنية التحتية ، كل ذلك يحدث والمواطن راضياً عن قناعة بوضعه وبما يحصل ، صور مجازية تحمل من الاستهزاء الكثير والسخرية السوداء الكثيفة لتكون كوميدية سوداء ، ففي هكذا نمط خطاب يجب أن يتحقق التقاء الاستراتيجية القرائية مع الاستراتيجية التأويلية ، من اجل عملية فهم تكون سليمة وفي المسار الصحيح لإعادة إنتاج المعنى المجازي / المخفي في الخطاب  .

في نص ” تحرير” ، الذي اعتبره مكملاً لما جاء في نص ” الزورق” ، من حيث الطرح والرؤية ، موضحا بان الخلاص ليس بقنينة العرق ، ولا بانتظار السوبرمان بل بالوعي والاتحاد ، تحت عنوان ” ميدان – حرية ” ، كل ذلك يتم عن طريق الغرائبي ، والمعنى المختفي ، لا يتم التوصل اليه الا عن طريقة الانكشاف للأشياء ، لأنها هي القوة المرجعية للنص و” ليس قصد المؤلف ، الذي يفترض أنه يتخفى وراء النص ، ليس السياق التاريخي المشترك بين المؤلف وقرائه الأصلاء ، ولا حتى فهمهم هم أنفسهم من حيث هم ظواهر تاريخية وثقافية . ما ينبغي تملكه هو معنى النص نفسه “10 ، المفارقة في النصين ، هو وجود جان دمو فيهما ، ففي الاول يكون سكيراً وفي الثاني ثورياً يقود الجموع ” مشرعاً ذراعيه تتبعه طائرة أسراب الحافلات – ص 12 ” .

كذلك في نص ” الأمر يستحق العناء ” ، يستخدم كاظم جماسي الأسلوب الغرائبي في معالجة ظاهرة الرشوة في الدوائر ، لكن في هذا النص يكون مدير الدائرة هو من يفرض الاتاوة وهي نصف الراتب من كل موظف للاسهام بدفع تكاليف العملية لفتح أمعاء مديرهم الغليظة ، لكن سوء الحظ يتلازم مع يوم الراتب ، وذلك بسقوط المحافظة في بالوعة مكشوفة للمياه الثقيلة ، وبعد نزوله لجلبها ، كلما يحاول ان يمسكها تبتعد حيث ” جرب القفز عليها ليمسك بها بيديه كلتيهما ، ولكن لم يجن سوى أوحال لطخت جبهته ، وسوائل ثخينة راحت تسيل ببطء خلل طيات شعره – ص 23″ ، ومن اجل اعطاء صورة أعمق في وضوحها وأكثر في تأكيدها ، وضعنا السارد امام أنه كلما تكون هنالك بالوعة مكشوفة ، نسمع  أحد الموظفين صارخاً : محفظتي .. محفظتي .

بقية السرود لا تخرج عما  حللنه من سرود ، ولكن يجب أن أبين ما تحمله هذه السرود من الألآم دفينة ، اتت عن طريقين اثنين ، هما : ما يمر به البلد ، وما مر به المؤلف ، ففي عام 2014 اصيب بمرض سرطان البنكرياس ، ووصلت حالته النفسية المتوترة المقلقة الى اقسى درجاتها بحيث قام بنعي نفسه في اجهزة التواصل الاجتماعي وفي الصحف العراقية والعربية ، كل ذلك انعكس على هذه السرود من حيث اجوائها وموضوعتها وثيماتها ، لنقرأ  بعض ما جاء في رسالة نعيه لنفسه :  ” الصديقات .. الاصدقاء .. وداعاً أيام ليس الا ، سأكون هناك ، ، عبرت عشرات الميتات ولم يبق لي سوى أيام معدودات ، وأنا اليوم ألعب في المستقطع لـ الوقت الضائع ” .

الهوامش والاحالات

  • كاظم جماسي – كما لو أننا نولد للتو ” سرود ” ، منشورات اتحاد الأدباء ، بغداد / العراق ، 2021 .

1- حسين علام – العجائبي في الأدب :من منظور شِعْريّة السرد ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت / لبنان ، منشورات الاختلاف ، الجزائر العاصمة /الجزائر ،2009م ،ص 222 .

2- عثماني الميلود – شِعْريّة تودوروف ، منشورات عيون المقالات ، الدار البيضاء / المغرب ، 1900 م ، ص 5 .

3- حسين علام – العجائبي في الأدب :من منظور شِعْريّة السرد  ، ص 14 – 15 .

4- بول ريكور – في التفسير : محاولة في فرويد ، ترجمة : وجيه أسعد ، أطلس للنشر والتوزيع ، دمشق / سوريا ، 2003م  ، ص 243 .

5- تزفيتان تودوروف – الرمزيَة والتَأويل ، ترجمة وتقديم : د . اسماعيل الكفري ، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق / سوريا ، 2017م ، ص 44 .

6- ج . هيو سلفرمان – نصيات : بين الهرمينوطيقا و التفكيكية ، ترجمة : حسن ناظم  و علي حاكم صالح ، المركز الثقافي العربي ، بيروت / لبنان ، الدار البيضاء / المغرب ، 2002م ، ص 54 .

7- بول ريكور- نظرية التأويل : الخطاب وفائض المعنى ، ترجمة : سعيد الغانمي ، بيروت / لبنان ، الدار البيضاء / المغرب ، 2003م ، ص 86 .

8- أسامة غانم – جدل التأويلية : الكتابة / النص – القراءة / الفهم ، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة / مصر ، 2022م ، ص 58 .

9- تزفيتان تودوروف – الرمزية والتأويل ، ص 43 .

10- بول ريكور – نظرية التأويل : الخطاب وفائض المعنى ، ص 145 .

*نشرت في جريدة الحقيقة البغدادية العدد 2154 في 3-3-2022 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *