طقوس الولاء للصهيونية في السياسة الأمريكية: الجذور، الآليات والنتائج

طقوس الولاء للصهيونية في السياسة الأمريكية: الجذور، الآليات والنتائج
تتجسد العلاقة الأمريكية الإسرائيلية في بنية أيديولوجية–اقتصادية متشابكة، تدعمها اللوبيات الصهيونية والمجمّع الصناعي–العسكري، وتُبقي النزاعات قائمة لضمان مصالح محدودة، رغم اتساع الفجوة بين الرأي العام والنخب السياسية وتزايد المخاطر الأمنية والقانونية....

المقدّمة

إنّ دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، منذ تأسيس هذا الكيان وحتى اليوم، يُعدّ أحد أكثر ثوابت السياسة الخارجية لواشنطن رسوخًا. غير أنّ هذا الدعم، خلال العقود الأخيرة، تجاوز مستوى التحالف الاستراتيجي التقليدي ليغدو بمثابة «طقس أيديولوجي» متجذّر في البنية السياسية والأمنية الأمريكية؛ طقس لم يقتصر أثره على صنع القرار في السياسة الخارجية، بل امتد ليترسّخ في العلاقات الاقتصادية والعسكرية، بل وحتى في العملية الانتخابية للولايات المتحدة.

وقد أفضى هذا المسار إلى أن تكتسب العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية طابعًا يتجاوز حدود التحالفات المألوفة، لتتحوّل إلى آلية ذاتية تتداخل فيها مصالح اللوبيات الصهيونية، والمجمّع الصناعي–العسكري الأمريكي، والحسابات الانتخابية في منظومة واحدة مترابطة.

الأبعاد المالية والعسكرية للدعم الأمريكي لاسرائيل

وفقًا لتقرير دائرة أبحاث الكونغرس، قدّمت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن ما يزيد على 260 مليار دولار من المساعدات لاسرائيل، أغلبها في المجال العسكري. وتمنح واشنطن حاليًا مساعدات سنوية بقيمة 3.8 مليارات دولار، بموجب مذكرة تفاهم لعشر سنوات وُقّعت خلال إدارة أوباما (2019–2028).

وتشترط الاتفاقية أن يُنفق نحو 80% من هذه المساعدات العسكرية على شراء منتجات دفاعية أمريكية الصنع، الأمر الذي يجعل من إسرائيل زبونًا دائمًا للصناعات العسكرية الأمريكية، ويحوّل تلك المساعدات فعليًا إلى إعانات غير مباشرة للمجمّع الصناعي–العسكري في الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، أصبحت إسرائيل عمليًا ميدانًا  لاختبار التقنيات العسكرية الأمريكية.

ومن أبرز الأمثلة على هذا النمط، منظومة الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية»؛ إذ موّلت الولايات المتحدة بين عامي 2011 و2021 نحو 1.6 مليار دولار لتطويرها، وأقرّ الكونغرس في عام 2022 مليار دولار إضافية. والمستفيد الأكبر من هذا التمويل كانت الشركات الأمريكية المنتجة لمكوّنات هذه المنظومة وبُناها البرمجية، ما يعكس شبكة معقّدة من المصالح الاقتصادية المترابطة. وبعبارة أخرى، فإن مصالح المجمّعات العسكرية–الصناعية باتت متشابكة مع هذا الطقس الأيديولوجي في خدمة الأهداف الإسرائيلية.

ترابط المصالح الاقتصادية وبنية اتخاذ القرار

إن دورة «المساعدة–الشراء» هذه تمثّل نموذجًا لما يمكن تسميته بـ «بنية الصراع المرتبط بالربح»؛ وهي بنية يولّد فيها استمرار النزاعات حافزًا اقتصاديًا متجددًا. فكلما تصاعدت التوترات في الشرق الأوسط، ازداد بيع الأسلحة وتوسّعت فرص اختبار المنتجات الدفاعية في ظروف حرب حقيقية.

وقد أفضت هذه المنطق الاقتصادي إلى ترسيخ الولاء غير المشروط لاسرائيل داخل البيروقراطية الأمنية الأمريكية. ويسهم في تعزيز هذا الترسّخ ظاهرة «الباب الدوّار» — أي انتقال المسؤولين الأمنيين والعسكريين المتقاعدين إلى مناصب استشارية أو إدارية في شركات الدفاع ومراكز الأبحاث المؤيدة لاسرائيل — في إعادة إنتاج هذا النهج وضمان استمراريته.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك، شخصيات مثل جيمس وولسي، المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية، وليون بانيتا، وزير الدفاع الأسبق، اللذان واصلا نشاطهما كمدافعين متشدّدين عن إسرائيل في المحافل العامة والخاصة حتى بعد مغادرتهما المناصب الرسمية، وغالبًا ضمن هياكل مرتبطة بالصناعة الدفاعية.

نفوذ اللوبيات الصهيونية

تلعب اللوبيات الصهيونية، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية–الإسرائيلية (AIPAC)، دورًا محوريًا في صيانة هذه العلاقة. ففي انتخابات الرئاسة لعام 2024، قدّمت «أيباك» أكثر من 53 مليون دولار كمساعدات مباشرة، وبإجمالي يتجاوز 70 مليون دولار لمرشحين مختلفين. ومن بين 365 مرشحًا مدعومًا من هذه اللجنة، فاز 361 مرشحًا، وهو ما يعكس عمق التأثير الذي تمارسه هذه الشبكة داخل البنية السياسية الأمريكية.

وتؤدي هذه المساهمات المالية إلى تقليص مساحة التنوّع في الرؤى بشأن السياسة الخارجية، وتهميش أي نقد جوهري لسياسات تل أبيب. فالنواب الذين يوجّهون انتقادات لاسرائيل، مثل إلهان عمر، يواجهون ردود فعل سياسية وهيكلية صارمة، تصل إلى إقصائهم من لجان محورية في الكونغرس.

الفجوة بين الرأي العام والنخب السياسية

على الرغم من استمرار الدعم غير المشروط من الحكومة والكونغرس لاسرائيل، تشير بيانات مركز «بيو» للأبحاث إلى أن 53% من البالغين الأمريكيين في عام 2025 يحملون آراء سلبية تجاه إسرائيل، ارتفاعًا من 42% في مارس/آذار 2022. وهذا الاتجاه يعكس اتساع الفجوة بين مواقف الرأي العام وخيارات النخب السياسية حيال إسرائيل.

ومع ذلك، لا تزال معارضة إسرائيل في أوساط النخب السياسية تُعد بمثابة «انتحار سياسي». ففي سباق الرئاسة لعام 2024، سعى المرشحان الرئيسيان — كامالا هاريس ودونالد ترامب — إلى إظهار دعم مطلق لاسرائيل؛ حيث دافعت هاريس عن حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 14.3 مليار دولار خلال ذروة سقوط الضحايا المدنيين في غزة، فيما وعد ترامب بأنه «سيلبّي جميع مطالب إسرائيل» في حال فوزه.

التداعيات الأمنية والقانونية

إن استمرار هذه السياسة يحمل تداعيات تتجاوز الجانبَين الاقتصادي والسياسي. ففي أحيان، أقدمت إسرائيل على تنفيذ عمليات عسكرية ضد دول في المنطقة دون تنسيق مسبق مع واشنطن، ما يجعلها — وفق توصيف بعض المحللين — «عامل خطر خارج السيطرة» على الأمن الأمريكي.

كما أن الهجمات الاسرائيلية الأخيرة على الأراضي الإيرانية لم تُعرّض الأصول الأمريكية في الشرق الأوسط للخطر فحسب، بل وجّهت ضربة قوية لصورة واشنطن الدولية كفاعل مسؤول. وقد حذّرت لجنة المحامين الدولية في تقريرها لعام 2023 من أن استمرار الدعم المالي والعسكري الأمريكي لممارسات  إسرائيل قد يعرّض الولايات المتحدة لمسؤولية قانونية بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم حرب.

بنية العنف الهيكلي

تُظهر حصيلة هذه التطورات نشوء حلقة مفرغة من العنف الهيكلي، حيث تُدفع السياسة الخارجية الأمريكية، بفعل تداخل المصالح الاقتصادية ونفوذ اللوبيات والحسابات الانتخابية، إلى الحفاظ على النزاعات وتعميق الدعم غير المشروط للنظام الصهيوني.

وتتجلّى آثار هذه الحلقة في ثلاث مستويات رئيسية:

  1. تعزيز المجمّع الصناعي–العسكري الأمريكي عبر ضمان بيع الأسلحة واختبار المعدات ميدانيًا؛
  2. إسكات الأصوات المعارضة داخليًا بواسطة الضغوط السياسية والمالية؛
  3. زيادة عدم الاستقرار الاقليمي بما يرفع الكلفة الأمنية والسياسية على الولايات المتحدة نفسها.

الخاتمة واستفسار استراتيجي

لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مجرّد تحالف استراتيجي، بل تحوّلت إلى بنية مؤسساتية متشابكة الروابط اقتصاديًا وسياسيًا وأيديولوجيًا. وهذه البنية تدفع واشنطن إلى التضحية بمصالحها الوطنية لصالح مصالح محدودة لمجموعة من النخب اللوبيّة والشركات الدفاعية.

ويُطرح هنا سؤال محوري أمام المجتمعين السياسي والمدني في الولايات المتحدة: من هو المستفيد الحقيقي من هذا التحالف؟ هل هم الشعب الأمريكي وأمنه القومي، أم شبكة من المصالح الاقتصادية واللوبيات المنظمة؟

إن الإجابة الصريحة عن هذا السؤال، وإعادة النظر بشجاعة في السياسة الخارجية، شرط أساسي لابتعاد الولايات المتحدة عن دورها الراهن كمزوّد للصراعات في الشرق الأوسط، وتحوّلها إلى فاعل يسهم في استقرار المنطقة. وإلا، فإن استمرار هذا النهج لن يضعف فقط المصداقية الدولية لواشنطن، بل سيجعلها عرضة لمخاطر أمنية وقانونية متزايدة.

وقد حذّر الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور، في خطابه الوداعي بعد انتهاء ولايته، من خطر المجمّع الصناعي–العسكري على الديمقراطية والحريات الأساسية في الولايات المتحدة. وربما لو كان حاضرًا في عصرنا الحالي، وشاهد ارتهان السياسة الخارجية الأمريكية والارتباط الاستراتيجي بين مجمّعاتها الصناعية–العسكرية وإسرائيل، لاعتبر النظام الصهيوني أحد العوامل الرئيسة لانحدار الهيمنة الأمريكية على الساحة العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *