إيران بعد رحيل السيد علي الخامنائي وحسابات الغرب الخاسرة

إيران بعد الخامنئي وحسابات الغرب الخاسرة
قراءة في إيران بعد الخامنئي، وفشل رهانات الغرب على إسقاط الداخل الإيراني، وتصاعد أوراق القوة العسكرية والاقتصادية والإقليمية...

إيران بعد الخامنئي وحسابات الغرب الخاسرة

لقد خططت الدوائر الاستخباراتية في أمريكا والكيان الصهيوني لأن تكون الساعات الأولى من حرب الاثني عشر يوماً بداية التحول في إيران. فقد أرادت إسقاط النظام السياسي فيها من خلال تصفية قادة الصف الأول من القيادة السياسية والعسكرية.

وكان الرهان بعد ذلك على دفع الشعب إلى الانقلاب ضد النظام، ضمن فوضى خلاقة تديرها تلك الدوائر. كما استغلت هذه الدوائر الحالة الاقتصادية الصعبة لعموم الشعب الإيراني، بمختلف قومياته ومذاهبه وطوائفه الدينية، وهي حالة أنهكتها الحصارات الطويلة المفروضة على البلاد منذ أمد بعيد.

استيعاب الضربة والتحول إلى الهجوم

ورغم تحقق المرحلة الأولى من هذا السيناريو، والمتمثلة في اغتيال عدد من خيرة قادة إيران، فإن القيادة الإيرانية استطاعت أن تستوعب هذه الضربة القاسية والموجعة، رغم هول الفاجعة.

كما تمكنت خلال ساعات من التحول من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم، بعد إجراء ترتيبات سريعة في إعادة توزيع المهام وتحديد الأهداف. ولذلك، ردت بضربات مؤثرة وموجعة على العديد من القواعد الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى ضربات أخرى لكيان الشر المغتصب لفلسطين.

إيران بعد الخامنئي وولادة مرحلة جديدة

في غمرة عودة هذه المواجهة من جديد، راهنت أمريكا وحليفتها على اغتيال سماحة السيد علي الخامنئي، باعتباره ركيزة النظام الأساسية. فقد أرادت، من وجهة نظرها، أن تصبح إيران أشبه بجسد بلا رأس.

وقد تحقق ذلك برحيله شهيداً في خضم المعركة، ليقدم دروساً بليغة للجميع. وأهم هذه الدروس أن القائد، عندما يشتد وطيس المعركة ويحتاج الشعب إلى تضحية، عليه أن يتقدم الصفوف في موكب الشهادة.

لكن برحيل السيد الخامنئي، وُلدت إيران جديدة؛ إيران الموحدة والملتفة حول قيادتها السياسية والعسكرية. ومن هنا، تحولت حسابات الغرب الخاسرة إلى نتيجة معاكسة، إذ لم يؤد الرحيل إلى تفكك الدولة، بل إلى مزيد من الالتفاف الداخلي.

حرب الاستنزاف ومضيق هرمز

حينها، راح الأعداء يبحثون عن وسائل ضغط أخرى لتركيع إيران. ومن بين هذه الوسائل حرب الاستنزاف طويلة الأمد، مترافقة مع حصار بري وجوي وبحري خانق.

إلا أن هذا السحر انقلب على الساحر. فقد شهد العالم أزمة طاقة خانقة بعد نفاد المخزون العالمي، ومنه الأمريكي. وفي الجانب الآخر، استطاع الجانب الإيراني تفعيل عدد من الأوراق الضاغطة على العالم.

وفي مقدمة هذه الأوراق جاء مضيق هرمز، شريان الاقتصاد العالمي. كما برز التهديد بقطع الكابلات الضوئية البحرية، التي سيكلف انقطاعها خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات. ومع ذلك، لا تزال هناك أوراق بيد إيران لم تستخدمها حتى هذه اللحظة، ومنها مضيق باب المندب في البحر الأحمر، وبعض الأسلحة المتطورة وذات التأثير الكبير.

ضربات القاعدة الجوية ورسائل الردع

أما في جبهة الكيان الصهيوني، فقد كانت آخر الضربات ضربة القاعدة الجوية في شمال فلسطين المحتلة. فقد أدى ذلك إلى تدمير سرب طائرات كامل، في رسالة قوية فهمها الكيان واقعياً.

وجاءت هذه الضربة عبر صواريخ «خيبر شكن» الباليستية العملاقة، التي أحالت أجزاء واسعة من تلك القاعدة إلى ركام. وهكذا، لم تكن الضربة مجرد فعل عسكري، بل رسالة ردع ضمن سياق المواجهة الواسعة.

التشييع المليوني وذهول واشنطن

بعد كل هذه التكتيكات العسكرية المتقابلة، وقف الرئيس الأمريكي مذهولاً. وما زاد من هذا الذهول والحيرة هو التشييع المليوني المهيب لسماحة السيد الخامنئي في مدن إيران والعراق.

فقد ضرب هذا التشييع أمثلة رائعة في وحدة الأمة، والتفافها الحتمي وراء كل من يملك شجاعة التحدي لمواجهة قوى الاستكبار العالمي. ولذلك، أصبح تشييع السيد أكبر وأضخم تشييع جماهيري يشهده العصر الحديث.

ومن هنا، لم تعد إيران بعد الخامنئي كما أراد خصومها. فقد تحول مشهد التشييع إلى إعلان سياسي وشعبي واسع، أظهر أن رهان إسقاط الداخل الإيراني لم يكن سوى قراءة خاطئة لطبيعة المجتمع والقيادة والرمزية الدينية والسياسية.

واشنطن تبحث عن مخرج آمن

أمام هذا الواقع، باتت أمريكا، بكل عنجهيتها وجبروتها العسكري، تحاول مد جسور التواصل مع إيران لوقف الحرب عبر وسطاء في الشرق الأوسط. فهي تسعى إلى الخروج الآمن من هذا المستنقع الذي دبره الكيان الصهيوني.

لقد احترقت مليارات الدولارات في هذه الحرب الخاسرة دون تحقيق هدف واحد من الأهداف المعلنة. ولذلك، أصبحت واشنطن تبحث عن مخرج بأقل الخسائر من حرب خنقت العالم بأسره، وجعلته على شفا حفرة من عدم الاستقرار.

وقد حدث ذلك نتيجة تهديد ثلث موارد الطاقة العالمية، التي تتحكم إيران بممراتها عبر مضيق هرمز. وبذلك، لم تعد الأزمة محصورة في حدود المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة ومسارات التجارة الدولية.

كسر صورة سيدة العالم

هذا الوضع جعل دول العالم تقف موقف المتفرج، ومنها الدول الأوروبية التي شاهدت أمريكا في هذا الموقف الحرج. وبذلك، كُسر على يد إيران مفهوم «سيدة العالم»، كما كُسرت صورة عظمة القوة العسكرية الأمريكية.

فقد حاولت أمريكا سابقاً إسقاط النظام السياسي في فنزويلا عبر حصار خانق وضغوط قصوى، وأرادت تكرار السيناريو ذاته في دول أخرى. لكن إيران استطاعت مجابهة هذا الطغيان، ومرغت الأنف الأمريكي في وحل الهزيمة.

إيران بعد الخامنئي وترتيبات المنطقة الجديدة

لتبقى إيران، حتى بعد رحيل السيد الخامنئي، ذات عود أصلب وقوة لا يستهان بها. وقد بلغ الأمر درجة أن دول المنطقة باتت تحاول التقرب منها لوضع ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة.

وتأتي هذه الترتيبات بعيداً عن الاتفاقيات مع أمريكا، التي أصبحت قواعدها العسكرية وبالاً وعالة على الدول المضيفة لها. لذلك، تسعى هذه الدول اليوم إلى الانسحاب من تلك المعاهدات الخاسرة، بعد أن تيقنت أن أمنها واستقرارها يكمنان في ترتيبات إقليمية مستقلة، بعيداً عن المخططات الأمريكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *