أفول قناة “الحرّة” واعادة النظر في استراتيجيات الإعلام الأمريكية في الشرق الأوسط

أفول قناة "الحرّة" واعادة النظر في استراتيجيات الإعلام الأمريكية في الشرق الأوسط
تُبرز دراسة تراجع قناة "الحرّة" فشل الإعلام الأمريكي في التأثير على الرأي العام بالشرق الأوسط، حيث أدّى صعود الإعلام المحلي ومنصّات التواصل الاجتماعي إلى نهاية الحقبة الدعائية التقليدية وبداية عصر الحروب الإعلامية الرقمية...

المقدمة

بموافقة القوات الأمريكية على انسحابها من العراق بحلول عام 2026 بموجب الاتفاق مع حكومة محمد شياع السوداني، تواجه قناة “الحرّة” الأمريكية، بعد عقدين من النشاط، تحديات تتمثل في تقليص عدد العاملين وتخفيض الميزانية. القناة التي أُنشئت بهدف التأثير على الرأي العام في الشرق الأوسط، الآن تعاني من نقص الدعم المالي واعادة تقييم استراتيجيات الاعلام الأمريكية. تعكس هذه التغيرات التحولات الكبيرة في سياسات الإعلام الأمريكية في المنطقة وتبرز اخفاق وسائل الاعلام الغربية في تغيير توجهات الشعب العراقي وشعوب الشرق الأوسط الأخرى.

نشأة وأهداف قناة “الحرّة

تأسست قنوات “الحرّة” و”الحرّة العراق” في فبراير 2004 كجزء من جهود الاعلام الأمريكي للتأثير على الرأي العام في الشرق الأوسط بعد غزو العراق. كانت القنوات تهدف إلى تقديم صورة إيجابية عن الولايات المتحدة وسياساتها وتعزيز القيم الديمقراطية في المنطقة. يقع المقر الرئيسي لهذه القنوات في ولاية فرجينيا، وقد صُمم محتواها لتأثير على توجهات شعوب الشرق الأوسط، وخاصة العراق. مع ذلك، واجهت قناة “الحرّة” صعوبات كبيرة في تحقيق أهدافها. وفقًا للدراسات، يرى فقط 28% من العراقيين أن هذه القناة مصدر موثوق للأخبار، بينما يعتبرها الكثيرون أداة دعائية واستعمارية أمريكية. كان عدم التوافق مع الثقافة والقيم المحلية وفشلها في كسب ثقة الجمهور  من العوامل الرئيسية التي أدت إلى فشل القناة.

تغيير استراتيجية أمريكا وحلفائها

إن تقليص الميزانية واحتمال اغلاق قناة “الحرّة” يعكسان تغييرًا في نهج الاعلام الأمريكي. في السنوات الأخيرة، تمكنت وسائل الاعلام التابعة للدول المتحالفة مع أمريكا مثل “الحدث” و”العربية” من أداء دور أكثر فعالية في نقل رسائل واشنطن. وفقًا للتقارير، تم تخفيض ميزانية قناة “الحرّة” بنسبة 15% في عام 2022، بينما شهدت ميزانيات وسائل الاعلام المتحالفة مع أمريكا في المنطقة زيادة كبيرة. بالنسبة للمشرعين الأمريكيين، فإن استخدام وسائل الاعلام المحلية يعد خيارًا أكثر جذبًا من القنوات المباشرة مثل “الحرّة”، نظرًا لتقليل التكاليف وزيادة التأثير على الرأي العام. يشير هذا التغيير في الاستراتيجية إلى تقليص الاستثمارات الأمريكية المباشرة في وسائل الاعلام البديلة والتركيز على التعاون مع وسائل الاعلام القائمة في المنطقة.

نمو وسائل التواصل الاجتماعي وتغيير أنماط الاعلام

من العوامل المهمة التي أثرت في تقليص دور وسائل الإعلام التقليدية مثل “الحرّة” هو النمو المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الرأي العام. وفقًا للاحصاءات، يستخدم أكثر من 70% من الشباب العراقيين منصات مثل إنستغرام وتويتر وفيسبوك للوصول إلى الأخبار والمعلومات. تتيح هذه المنصات للمستخدمين التواصل مباشرة مع جمهورهم ونشر آرائهم وأفكارهم بسرعة. في العراق وسائر دول الشرق الأوسط، أصبحت هذه الشبكات أدوات قوية للتعبير عن الآراء والتأثير على الرأي العام.

لقد أدى هذا التحول إلى فقدان المنصات  التقليدية مثل “الحرّة” لقوة تأثيرها، حيث أصبحت المنصات الرقمية هي البديل. وفقًا لاستطلاع في عام 2023، يفضل حوالي 65% من مستخدمي الانترنت في الشرق الأوسط الحصول على أخبارهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من القنوات الفضائية.

خاتمة

إن تقليص الميزانية وتخفيض عدد العاملين في قناة “الحرّة” يعكس تغييرًا في نهج أمريكا وحلفائها في استخدام وسائل الاعلام البديلة للتأثير على الرأي العام في الشرق الأوسط. تأتي هذه القرارات نتيجة للاخفاقات المتكررة في كسب ثقة الجمهور وعدم القدرة على نقل الرسائل المستهدفة إلى المجتمعات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها الواسع بين الشباب قد أدى إلى تراجع جاذبية وفعالية وسائل الإعلام التقليدية مثل “الحرّة”. تعكس هذه التحولات نهاية عصر الإعلام البديل مثل “الحرّة”، وتوضح أن أمريكا تعيد تقييم استراتيجياتها الإعلامية. التركيز الجديد على وسائل التواصل الاجتماعي والأساليب الحديثة في التواصل يشير إلى بروز عصر جديد من الحروب الاعلامية، حيث تتفوق الأدوات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي على وسائل الاعلام التقليدية في تشكيل الرأي العام وتعزيز الأهداف السياسية والاستراتيجية. تظهر الاحصاءات والاتجاهات الجديدة أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط لا يزال في تزايد، ومن المتوقع أن يصل عدد مستخدمي هذه الشبكات في المنطقة إلى أكثر من 400 مليون شخص بحلول عام 2025. هذه التغيرات توضح أن مستقبل الحروب الاعلامية في الشرق الأوسط سيكون بيد المنصات الرقمية وليس الفضائيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *