المستنقع السوري… مقبرة، لأوهام اردوغان التوسعية
منذ عقد ونصف، كانت ولا تزال سوريا، بؤرة الصراع الأكثر دموية واشتعالا في الشرق الأوسط، ومسرحا لتدخلات دولية وإقليمية متشابكة، ولم يكن سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024 بطريقة دراماتيكية، الا واحد من أخطر فصول هذا النزاع، فقد بدأت، تظهر ملامح وجه المنطقة الجديد، وسط هذا المشهد الملتبس، الذي تتصدره تركيا وإسرائيل!، ويتقاطع مع مصالح أمريكية وخليجية، ويهدف لإعادة تعريف الجغرافيا السياسية للمقاومة والهوية التاريخية للمنطقة.
• التحول التركي بعد 2023: انسحاب أم إعادة تموضع؟
الانتخابات التركية عام 2023، لم تأت بتغيير كبير في السلطة، لكنها فرضت على أنقرة مراجعات استراتيجية دقيقة، خصوصا في الملف السوري، اذ بدا أن المشروع العثماني، بنسخته الأردوغانية، لم ينجح في بناء عمق استراتيجي دائم، ولا في تصدير الإسلام السياسي (المعتدل!) الذي يتبناه حزب “العدالة والتنمية” كنموذج قابل للتكرار.
عوضا عن ذلك، توجهت تركيا نحو “إعادة التموضع”، لتخرج من صفة الطرف المنخرط في الحرب السورية، لتلبس ثوب الوسيط “المقبول” لدى روسيا، وإيران، والمعارضة، وحتى إسرائيل.
• سقوط الأسد بلا قتال… تنسيق تركي ورعاية متعددة:
لم تسقط دمشق بفعل معركة كبرى أو حملة عسكرية، بل بــ “تنسيق تركي”، وتمويل خليجي، وخيانة من داخل النظام، عبر شبكات من المصالح الاقتصادية والعسكرية، وبضوء أخضر من جهات غربية، وسكوت روسي مريب.
الأسد غاب عن المشهد، وأُعلن عن “مرحلة انتقالية وطنية!” بغطاء دستوري جديد، وتحت إدارة قوى ارهابية مدعومة من أنقرة، قطر، وتل أبيب، وبتواطؤ خليجي ومن بعض رموز النظام ذاته.
• صعود الجولاني، وجبهة النصرة بحلّة وظيفية:
ما يُعرف اليوم بـ “هيئة تحرير الشام”، بقيادة أبو محمد الجولاني، خرجت من عباءة القاعدة، لكنها لم تخرج من مشروعها الطائفي التكفيري، الذي بني على عداء محور المقاومة في المنطقة بشكل عام.
الجولاني عاد هذه المرة كـ “رجل المرحلة”، بلباس مدني، وبدعم تركي استخباراتي، وأدوار إعلامية سمجة من إخراج قناة “الجزيرة القطرية” لتصنع منه وجها معتدلا! يخدم سوريا الجديدة!
وفي هذا السياق، ظهر التفاهم التركي، الإسرائيلي واضحا وجليا، في تسويق جبهة النصرة، وتقديمها كقوة محلية بديلة، ستضمن الأمن الصهيوني، عبر الابتعاد عن إيران وحزب الله والمحور.
• التحالف التركي، الإسرائيلي، الخطر المتجدد:
التحالف التركي، الإسرائيلي ليس جديدا، لكنه دخل طورا أكثر وضوحا وخطورة، خصوصا في سوريا ما بعد النظام.
فمن خلال أدوات ناعمة وخشنة، بات الطرفان يديران البلاد من ادلب شمالا وحتى السويداء جنوبا، بتفاهمات عسكرية وأمنية علنية أحيانا، وسرية غالبا.
والهدف هو إخراج إيران ومحور المقاومة نهائيا من الشام، وإعادة إنتاج هوية جديدة للمنطقة تخدم التحالفات التطبيعية الجديدة.
• المشروع التركي، عثمانية خائبة، وتطبيع مخزي:
المشروع العثماني الحديث الذي روّج له أردوغان، سقط أخلاقيا وشعبيا، وتحوّل إلى مجرد ورقة مساومة سياسية وأمنية تركية مع الغرب.
انقرة التي زعمت أنها تقف مع الشعوب، تحالفت الآن مع الكيان الصهيوني وأدواته، وغضت الطرف عن جرائم إبادة الأطفال والنساء في غزة، مقابل مكاسب واطماع تاريخية، في دمشق.
هذه السياسة التي تجمع بين النفاق الأيديولوجي والنهج الميكافيلي لأردوغان، بات مفضوحا حتى لدى اغلب النخب التركية المعارضة، فضلا عن الشعوب الإسلامية في المنطقة.
• التداعيات الإقليمية، موجات ارتداد نحو العراق ولبنان وإيران:
ان سقوط دمشق بهذا الشكل الغريب، لن يبقى محصورا في حدود سوريا، لان الفراغ الذي خلفه الانسحاب السريع لمحور المقاومة من اغلب المناطق، ستعمل على ملأه، قوات معادية للمحور ومدعومة، من تركيا وإسرائيل، والخليج، وستسعى جاهدة لفتح جبهات مع حزب الله في لبنان، وشيعة العراق، والضغط على الجمهورية الإسلامية لتصفية حساباتها القديمة.
• المقاومة والرد القادم، بين المراجعة وإعادة التمركز:
محور المقاومة لم يفاجأ بالسقوط، بل تعامل معه كإحدى محطات الصراع، لا نهايته، وكان السيد الخامنئي، هو أبرز من عبر، عن هذا التقدير الدقيق للموقف، وطبيعة المرحلة، من قبل قادة المحور عندما قال: “من يعتبر أن دمشق انتهت، لا يعرف الشام… أهلها هم من قاتلوا الصليبيين والتتار، وسيردّون الصهاينة وأعوانهم خاسرين بإذن الله.”
لهذا فأن محور المقاومة اليوم، سيعيد رسم استراتيجيته بهدوء، وسيبتعد عن الردود الانفعالية، وسيعمل على إعداد بعيد الأمد، بنفس طويل، لتهيئة مرحلة قلب الطاولة على جميع من تعاون، مع الكيان الصهيوني، في هذه المؤامرة الكونية.
• سيناريوهات مستقبلية: تصعيد مؤجل أم صدام قريب؟
ما يجري اليوم ليس نهاية المطاف، وكل الاحتمالات موضوعة على الطاولة:
– هجمات استنزاف للمحور التركي، الإسرائيلي، عبر أطراف محلية.
– إعادة بناء شبكة مقاومة داخل سوريا، بوجوه جديدة وقادة ميدانيين بعيدين عن الأضواء.
– تفعيل الجبهات البديلة (لبنان، العراق، اليمن) للضغط على الفضاء السياسي التركي، والسلطة الإرهابية في دمشق، في منطقة الشرق الوسط.
– فشل متوقع لمشروع التطبيع التركي، الإسرائيلي، في إدارة سوريا بسبب تباين المصالح والاحتقان الشعبي، وهو السيناريو المرجح.
• أخيرا:
إن ما حصل في سوريا، هو أحد أخطر فصول حرب المحور مع إسرائيل!، وسقوط الأسد، لن يعني ابدا سقوط الشام، كما ان الانتصار التركي، الإسرائيلي التكتيكي، في هذه المرحلة، لا يعني نهاية المعركة وهزيمة محور المقاومة.
بل ربما يكون هذا التحول مقدمة لولادة مقاومة جديدة أكثر تجذرا، وأقل انكشافا، وأشد فتكا.
والأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت تركيا ربحت سوريا، أم انها وقعت على شهادة دخولها في مستنقع لن تخرج منه سليمة.


