كانت المطالبة برحيل رأس النظام المستبد عنواناً للربيع العربي في تونس ومصر واليمن كما في ليبيا وسوريا، وهي دول جمهورية تحول الحكم فيها إلى النمط الاستبدادي، الذي لم يخل من توريث السلطة أو العمل على توريثها على طريقة النظم الملكية. وهذا ما دفع إلى الحراك الثوري في هذه الدول قبل غيرها.
غير أن تقييم ما حدث بعد الربيع العربي يؤكد أن جذر أزمة الحكم لا يكمن فقط في الحكام أنفسهم، ذلك أن الديمقراطية التي أرادها شباب الثورة أصبحت اليوم من الماضي، وبات الهم الرئيسي أن يعود الأمن والاستقرار لهذه الدول، وأن تتعافى اقتصاديا، ولم يعد مهما إن كان الحاكم العربي مستبدا أو ديمقراطيا.
وبالعودة إلى ما قبل الربيع العربي، فقد شهدت المنطقة حراكا مدنيا بعيد الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003، وتحت يافطة نشر الديمقراطية، ظهرت مشاريع الإصلاح السياسي المستندة إلى مبادرات دولية أمريكية وأوروبية تحت عنوان “الشرق الأوسط الكبير”.
وكانت الدول الصناعية الثمان، قد أعلنت في يوليو 2004 عن بيان تاريخي بعنوان ” شراكة من أجل التقدم والمستقبل المشترك مع الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا ” بحضور عدد من رؤساء دول المنطقة. وأثار المشروع حينها ردود فعل سريعة من قبل الأنظمة العربية التي صرح بعض زعماؤها بأن الإصلاح لا يأتي من الخارج، مستنكرين في ذات الوقت إغفال القضية الفلسطينية والصراع العربي / الإسرائيلي في المشروع.
الإدارة الأمريكية من جهتها قسمت النظم العربية المتجاوبة مع الإصلاحات إلى أربع مجموعات([1]):
- مجموعة النظم المطالبة بأن تجري الإصلاحات الديمقراطية والتغيير في مجتمعاتها بنفسها (مصر والسعودية).
- مجموعة النظم التي يتم فيها فرض الإصلاحات بالقوة العسكرية إن لزم الأمر (ليبيا وسوريا).
- مجموعة النظم التي سيكتفى فيها بخبراء ومستشارين أمريكيين لدعم عملية التغيير (البحرين، الكويت، والمغرب).
- مجموعة النظم التي في حالة شراكة مع الولايات المتحدة وتقبل ببرامج أمريكية محددة (قطر، الأردن واليمن).
غير أن الممانعة التي أظهرتها نخب سياسية ومثقفة بخصوص الضغوط الخارجية، والتفهم الذي أبدته دول الثمان حيال هذه التحفظات، قد فتح المجال واسعاً أمام المبادرات المحلية التي احتوت مطالبها الإصلاحية تفاصيل مهمة ارتكزت أساساً على:
- تثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة، بانتخاب رئيس الجمهورية وتحجيم صلاحياته الدستورية.
- استكمال مقومات النظام البرلماني في النظم الجمهورية، ومقومات الملكية الدستورية في النظم الملكية.
- تعزيز الديمقراطية والحريات العامة، وحقوق الإنسان.
نجد هذا التركيز في مبادرة الإخوان المسلمين بمصر (القاهرة – مارس 2004)، وفي إعلان الدوحة للديمقراطية والإصلاح (يونيو- 2004)، كما في مؤتمر أوليات وآليات الإصلاح في العالم العربي (القاهرة – يوليو 2004)، ونلحظه بوضوح في مشروع اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني (صنعاء – نوفمبر 2005).
كانت المؤشرات تشي أن المنطقة على عتبة تحول ديمقراطي وإصلاحات سياسية تدرجية، تستجيب للضغوطات الخارجية وتلبي طموحات الداخل، ولهذا كانت الآمال مرتفعة وعريضة مع ثورات الربيع العربي 2011. ثم سرعان ما ارتدت الأوضاع على النحو المعروف.
المشكلة الثقافية بين خليفة الله وخليفة رسوله
تركيز المشاريع الإصلاحية على تقليص صلاحيات الحاكم يعكس جوهر المشكلة السياسية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، والتي يمكن عنونتها بالاستبداد، ومن علامات الاستبداد – كما يشرح عز الدين العلام –أن السلطان في الأدب السلطاني ” من طبقة خاصة يختلف عن سائر الناس لا يدين لشخصه أو ملكه لأحد ” ([2]). ولذا لا عجب أن تشترك النظم الجمهورية والملكية في رفض كل ما من شأنه تقييد صلاحيات الحاكم، الذي له ” الحق أن يتفرد بكل الصلاحيات، وإن أمكنه التفرد بالماء والهواء ألا يشرك فيهما أحدا، فإن البهاء والعز والأبهة في التفرد” ([3]).
من هذا المنطلق يرى دعاة الإصلاح السياسي في العالم العربي، أن النظام البرلماني هو أصلح نظم الحكم لدول المنطقة لأنه ” يكفل إعادة توزيع الاختصاص داخل السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، شرط أن يكون لرئيس مجلس الوزراء المسؤول أمام السلطة التشريعية سلطات حقيقية تقابل هذه المسؤولية ” ([4]).
وبشيء من التفصيل يطالب الإصلاحيون العرب أنظمة الحكم العربية التي توجد بها دساتير بضرورة تغييرها أو تعديل موادها ونصوصها بحيث تتحول الأنظمة الملكية إلى ملكيات دستورية يتم الفصل فيها بين ” الملك الو راثي ” و ” السلطة التنفيذية ” فالأول هو رمز الدولة وعنوان الشرعية والاستمرارية، أما الثاني فهو رئيس حكومة منتخب والذي يختاره الشعب دورياَ ويتم تغييره هو وحزبه سلمياً من خلال الاقتراع الشعبي المباشر أو بواسطة الأغلبية البرلمانية ، كما يطالبوا أنظمة الحكم الجمهورية التي توجد بها دساتير أن تعدل المواد الخاصة باختيار رئيس الجمهورية، بحيث يكون الوصول إلى رأس هرم السلطة من خلال انتخابات تنافسية مباشرة، بالإضافة إلى تقليص صلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية واستحداث مواد تنص صراحة على آليات لمراقبة ومحاسبة رئيس الجمهورية، وسحب الثقة منه أو أي من نوابه ومعاونيه ([5]).
وبالنظر في التاريخ الإسلامي، نجد أن الحكم والاستبداد صنوان منذ أفول الخلافة الراشدة وبدء الملك العضوض، وقياساً بفترة الحكم الرشيد كان الزمن الطويل للاستبداد في حياة المسلمين سبباً في تشويه صورة الإسلام ذاته، إذ تعذر في كثير من الحالات الفصل بين الحكم القائم، وبين التعاليم التي جاء بها الإسلام.
ولعل من أسباب هذا الخلط أن حكام المسلمين أبدوا حرصاً فائقاً على تسويق سياساتهم باسم الدين إلى درجة أن غالبيتهم ربطت هذه السياسات بقضاء الله وقدره. وفي ذلك يقول الشيخ علي عبد الرازق: ” وأنت إذا رجعت إلى كثير مما ألف العلماء خصوصاً بعد القرن الخامس الهجري وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين رفعوه فوق وصف البشر ووضعوه غير بعيد عن مقام العزة الإلهية، فالله تعالى هو الذي يختار الخليفة، ويسوق إليه الخلافة والسلطان هو (ظله) في الأرض “([6]).
الصورة في صدر الإسلام وإبان الخلافة الراشدة كانت مختلفة جذرياً، فالخليفة الراشد أبو بكر رضي الله عنه يقول عندما يتولى أمر المسلمين: قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني (…) أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
هذا الخطاب يقرر صراحة حق المحكومين في أن ” يقوموا ” الحاكم، وأنه لا يكون له طاعة إذا خالف الدستور الذي أنتخب على أساسه، وهو طاعة الله والرسول ([7]). وقد كانت مراقبة الحاكم ومحاسبته مبدأ أساسياً في ظل الخلافة الراشدة، ولم يكن للخلفاء أية قداسة دينية، وقد سمى المسلمون أبا بكر خليفة رسول الله، ثم سموا عمر بن الخطاب خليفة خليفة رسول الله، فلما وجدوا أن في التسمية ركاكة ما، فطنوا إلى تسمية الخليفة بأمير المؤمنين، ما يعني أن تسمية الحاكم بـ ” خليفة رسول الله ” لم يقصد منها عصمة الخليفة، أو منحه صلاحيات مطلقة بل كانت هذه التسمية عبئاً عليه لأنها تتطلب منه الاقتداء الكامل بسنة رسول الله والتزام أوامر الله ونواهيه.
ومنذ تعطيل الشورى، وتوريث الحكم الذي ابتدعه معاوية بن أبي سفيان طغى مفهوم خليفة الله على مفهوم خليفة رسول الله ” وأصبح رأي الخلفاء من رأي الله، ينطقون باسم الله، ويتصرفون بالنيابة عنه، فقولهم وفعلهم هو قول الله ووفق مشيئته وعلى المحكومين أن يتلقوا المصائب السياسية والاجتماعية باستسلام وصبر، وأجرهم على الله في لوح محفوظ ” ([8]).
ونتيجة لهذا الانحراف، ظهرت الكثير من المآخذ على نظام الحكم في العهد الأموي، منها:
- تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، واحتكرت زعامة المسلمين أسر معينة.
- ضعف إحساس الأمة بأنها مصدر السلطة، وأن أميرها نائب عنها أو أجير لديها، وأصبح الحاكم الفرد هو السيد المطلق النفوذ والناس رهن إشارته.
- ابتذلت حقوق الأفراد وحرياتهم على أيدي الولاة المناصرين للملك العضوض، فاسترخص القتل والسجن ([9]).
وعلى مر العصور كان لحكام المسلمين وسلاطينهم فقهاء وعلماء يضعون على سياساتهم المسوح الدينية ويطلقون لهم عنان الصلاحيات التي كانت ولا تزال أس المعضلة على نحو ما أسلفنا.
ولم يقتصر الخطأ على ما منحه فقهاء السلطة للخلفاء –القياصرة من شرعية دينية، بل فيما منحه فقهاء معارضة السلطة من صلاحيات لأئمة العدل المجتهدين الأبرار، ذلك أن الصلاحيات الدينية المطلقة بغض النظر عمن أعطيت له وممن أعطيت هي أساس البلوى ([10]).
مستقبل التغـيير
يتضح مما سبق أن الاستبداد السياسي يأخذ بعداً تاريخياً تراثياً، وهو فوق ذلك غير منفصل عن الواقع العربي المعاش، حيث تتجلى مظاهر الأزمة السياسية الراهنة في ” غياب دولة القانون والمؤسسات، وانعدام المساواة أمام القانون، وتركيز السلطة في يد الحاكم بدون توفر الحد الأدنى من التكافؤ بين الصلاحيات والمسؤوليات، فلا محاسبة ولا مساءلة في ظل وجود سلطتين تشريعية وقضائية غير مستقلتين ومسيطر عليها، وجهاز حكومي ضعيف وعاجز وتحويل العملية السياسية برمتها إلى مظاهر شكلية، تعيد إنتاج الأوضاع القائمة وتعثر عملية التحول الديمقراطي، وصيرورته إلى أداة لتكريس الحكم الفردي “([11]).
هذا التشخيص الذي يجمع عليه الإصلاحيون العرب، يمنح الدعوة إلى تقييد صلاحيات الحاكم العربي سنداً موضوعياً، فالإصلاح السياسي هو مقدمة الإصلاحات الشاملة، ولا معنى للإصلاح السياسي إذا كان الحاكم مطلق الصلاحيات، وخارج نطاق المساءلة. وإذا كانت هذه المطالب قد تعرضت لانتكاسة كبيرة بعد فشل الربيع العربي، فهذا لا يبرر السكوت إزاء سياسة الاستبداد بكل صوره وأشكاله، في النظم الجمهورية أو الملكية، وإذا كان هناك من درس مستفاد، فهو في آلية التغيير التي جاء بها الربيع العربي، فما لا يدرك كله (بالثورة)، لا يجب أن يترك جله (بالإصلاح التدريجي). وإذا كانت النخبة السياسية العربية قد تشوهت إلى حد كبير، فإن على النخب المثقفة أن تتدارك الموقف، وترفع لواء التغيير من جديد.
هوامـــش:
[1] – ثناء فؤاد عبدالله: الإصلاح السياسي خبرات عربية، مصر دراسة حالة، المجلة العربية للعلوم السياسية، بيروت، العدد 12 خريف 2006، ص 18.
[2]– عز الدين العلام: الآداب السلطانية.. دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، فبراير 2006، ص 123.
[3]– المصدر نفسه، ص 123.
[4]– انظر مسودة البيان الختامي لمؤتمر أوليات وآليات الإصلاح في العالم العربي، القاهرة، يونيو 2004.
[5]– انظر مسودة إعلان الدوحة للديمقراطية والإصلاح 2004.
[6]– الآداب السلطانية، مصدر سابق، ص 135.
[7]– جمال البنا: الإسلام دين وأمة وليس ديناً ودولة، دار الفكر الإسلامي، القاهرة 2003، ص 53.
[8]– زيد بن علي الوزير: الفردية.. بحث في أزمة الفقه الفردي السياسي عند المسلمين، مركز التراث والبحوث اليمني، ط1: 2000، ص 298.
[9]– محمد الغزالي: الإسلام والاستبداد السياسي، دار ريحانة، الجزائر ط1 :1999، ص218
[10]– الفردية، مصدر سابق، ص13.
[11]– انظر مسودة مشروع اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني، صنعاء، نوفمبر 2005.

