نقابة المبرمجين العراقيين بين الاعتراف الأكاديمي والاعتراف المهني… تفنيد لإشكالية العضوية وحلول مقترحة

نقابة المبرمجين العراقيين بين الاعتراف الأكاديمي والاعتراف المهني... تفنيد لإشكالية العضوية وحلول مقترحة
نقابة المبرمجين يجب أن تمثّل جميع الممارسين للمهنة لا فقط خريجي الحاسوب، عبر اعتماد معايير الكفاءة والإنتاج، لا الشهادة الأكاديمية فقط. التعديل القانوني أو التنظيمي ضروري لضمان التمثيل العادل والواقعي لمجتمع البرمجة العراقي....

منذ يوم أمس وحتى لحظة كتابة هذه السطور، امتلأ صندوق الرسائل بالأسئلة والاستفسارات حول عضوية نقابة المبرمجين العراقيين التي أقرّ مجلس النواب قانون تأسيسها مؤخرًا. وأود أن أوضح بداية أنني لست جزءًا من الفريق التأسيسي أو من العاملين الرئيسيين على إطلاق النقابة، لكنني أتابع الجهود المبذولة بكل اهتمام وأقدّم دعمي المهني والمعنوي، إيمانًا مني بأهمية هذه الخطوة التي طال انتظارها، والتي تمثّل استحقاقًا لمجتمع مهني ناشئ وفاعل في العراق.

الغالبية العظمى من الرسائل تدور حول سؤال واحد بصيغ متعددة: من يحق له الانضمام إلى النقابة؟ وما هي شروط العضوية؟ وما بين الحماس الشعبي والرغبة في الانخراط، برزت إشكالية قانونية وتنظيمية معًا، تعيدنا إلى جوهر النقابة نفسها: هل هي كيان يمثل ممارسي مهنة البرمجة بمختلف مساراتهم، أم أنها تمثل حصريًا خريجي أقسام علوم الحاسبات وهندسة البرمجيات ونظم المعلومات وما شابه؟

إشكالية العضوية: شهادة أم ممارسة؟

منذ يوم أمس وحتى لحظة كتابة هذه السطور، امتلأ صندوق الرسائل بالأسئلة والاستفسارات حول عضوية نقابة المبرمجين العراقيين التي أقر مجلس النواب قانون تأسيسها مؤخرا.

وأود أن أوضح بداية أنني لست جزء من الفريق التأسيسي أو من العاملين الرئيسيين على إطلاق النقابة، لكنني أتابع الجهود المبذولة بكل اهتمام وأقدم دعمي المهني والمعنوي، إيمان مني بأهمية هذه الخطوة التي طال انتظارها، والتي تمثل استحقاق لمجتمع مهني ناشئ وفاعل في العراق.وانصح لبيان الاجابة على اسئلتكم ان توجهوها الى الفريق التأسيسي الذي ساهم في تحقيق هذا المنجز وهو الحريص على ديمومته ومستقبله.

الغالبية العظمى من الرسائل تدور حول سؤال واحد بصيغ مختلفة:

من يحق له الانضمام إلى النقابة؟ وما هي شروط العضوية؟

وما بين الحماس والرغبة في الانخراط، تبرز إشكالية جوهرية لا يمكن تجاوزها:

هل يختصر الانتماء إلى النقابة بحيازة شهادة أكاديمية في علوم الحاسوب أو ما شابه؟ أم أن ممارسة البرمجة كمهنة، بغض النظر عن الخلفية التعليمية، هي الأساس؟

ومن أبرز تلك التحديات، الالتباس حول طبيعة النقابة ذاتها، هل هي نقابة تمثل خريجي تخصصات محددة كعلوم الحاسوب وهندسة البرمجيات ونظم المعلومات؟ أم أنها نقابة تمثل المهنة بممارسيها على اختلاف مساراتهم التعليمية؟ والإجابة الحاسمة، من وجهة نظري، يجب أن تكون واضحة:

بحسب نص القانون الذي تم التصويت عليه، يبدو أن عضوية النقابة قد قيدت منذ البداية لتقتصر على خريجي الحاسبات أو الأقسام المشابهة، دون أن تتوسع لتشمل أولئك الذين يمارسون البرمجة فعليا دون أن يحملوا شهادات أكاديمية في هذا الحقل، وهو ما يشكل، في تقديري، اختزال ضيق لمفهوم المهنة، وتقييد غير مبرر لمجتمع البرمجة المتعدد والمسارات.

إننا هنا لا نتحدث عن مسألة شكلية، بل عن جوهر الفهم المهني ،النقابة ليست مؤسسة تعليمية تمنح الشهادات أو تتحقق من المناهج، بل هي هيئة مهنية تمثل فئة من العاملين الذين يجمعهم نشاط مشترك، وتمنح صفة العضوية فيها بناء على الكفاءة والممارسة، لا فقط على أساس التحصيل العلمي. البرمجة ليست علم جامعي فقط، بل حرفة رقمية حية، يتقنها الآلاف من غير خريجي الحاسوب، سواء من خلفيات أكاديمية مجاورة (رياضيات، إحصاء، فيزياء، هندسة)، أو من مسارات ذاتية، أثبتت جدارتها بمشاريع عملية وشهادات مهنية وخبرة متراكمة.

تحديات النقابة الحالية وآفاق التوسع المهني

إذا بقي النص القانوني على ما هو عليه، فإننا أمام نقابة أقرب إلى (اتحاد أكاديمي لخريجي الحاسوب)، لا نقابة مهنية للمبرمجين. وهو أمر سيفرغ النقابة من بعدها التمثيلي الأوسع، ويمنعها من أداء دورها الفعلي في تنظيم سوق البرمجة، والدفاع عن حقوق العاملين فيه، وتطوير قدراتهم، خاصة في بلد مثل العراق، حيث البيئة التعليمية لا تواكب دائما واقع السوق والمهارات الرقمية المطلوبة.

لهذا أرى أن هذه اللحظة التأسيسية تقتضي مراجعة سريعة وشجاعة لهذا القيد، عبر تعديل قانوني لاحق يوسع باب العضوية ليشمل المبرمجين الفعليين، مهما كانت خلفياتهم الأكاديمية. ويمكن في هذه الأثناء، وضمن حدود النظام الداخلي، استحداث مسارات عضوية متعددة تمهد لهذا التحول: عضوية أساسية للخريجين، وعضوية مهنية لمن يثبت ممارسته البرمجة عبر مشاريع ووثائق، وعضوية منتسبة أو انتقالية، لمن هم في طور بناء الكفاءة.

هذا التنوع لا يربك النقابة، بل يمنحها قوة واقعية وشرعية تمثيلية، ويمكّنها من أن تصبح كيان حي يعكس الواقع لا يفرض عليه قوالب جامدة. والمبرمج العراقي اليوم ليس رقم في سجل الجامعة، بل مساهم فعلي في الاقتصاد الرقمي، في القطاع الخاص والعام، وفي الشركات الناشئة والمؤسسات الحكومية، داخل العراق وخارجه. فكيف لنا أن نبني نقابة تستبعد هذا الفاعل لمجرد أنه لا يملك شهادة مطابقة؟

البديل عن الإقصاء هو بناء معايير واضحة للعضوية المهنية، تستند إلى الإنتاج والخبرة والسجل المهني، وهذا ما تقوم عليه أغلب النقابات التقنية حول العالم، من كندا إلى ألمانيا، ومن الهند إلى المغرب. إن الشهادة قد تكون دليل على المؤهل، لكنها ليست دائما دليل على الكفاءة. والنقابة، بوصفها كيان مهني، يفترض أن تكون معنية بالثاني، لا مقيدة بالأول.

ما زال الوقت مبكر، وما زال المجال مفتوح لتصحيح هذه الثغرة، سواء عبر تفسير موسع للقانون، أو عبر تعديل تشريعي لاحق يضمن شمولية عادلة وعملية. أما إذا تم تثبيت هذا الحصر، فإن النقابة مهددة بأن تولد ضيقة الأفق، عاجزة عن احتواء من تدعي تمثيلهم.ش

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في من يقبل أو يرفض، بل في قدرة النقابة على أن تعيد تعريف المبرمج لا بالشهادة فقط، بل بالإنتاج، والمساهمة، والتراكم المهني. وهذه، في تقديري، مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الفريق التأسيسي، وكل داعم لهذا المشروع المهني الوطني الواعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *