الغطرسة الامريكية لم تكن يوما مجرد اسلوب في الخطاب، بل هي نمط ثابت في التفكير الاستراتيجي، يقوم على افتراض ان التفوق العسكري والاقتصادي قادر وحده على اعادة تشكيل الدول والمجتمعات وفق للارادة الامريكية. هذا المنطق نفسه هو الذي دفع واشنطن الى انتهاك سيادة فنزويلا، ومحاولة خنقها اقتصاديا، وخلق سلطة بديلة من خارج الدولة، وكأنه يمكن اختصار تاريخ شعب، وبنية دولة، وهوية وطنية، بقرار من وزارة الخزانة او ببيان من البيت الابيض. غير ان هذه الغطرسة، التي قد تنجح في دول هشة او انظمة معزولة عن مجتمعاتها، تصطدم في حالة ايران بجدار مختلف تماما، جدار الدولة الحضارية المتجذرة، والامة السياسية المتماسكة، والنظام الذي تشكل في سياق صراع طويل مع الهيمنة الخارجية.
ايران ليست فنزويلا، لا من حيث التاريخ ولا من حيث بنية الدولة ولا من حيث موقعها في الجغرافيا السياسية. فنزويلا، رغم ثروتها النفطية، دولة محاصرة في اطار اقليمي يخضع تقريبا بالكامل للنفوذ الامريكي، ومؤسساتها العسكرية والاقتصادية تم اختراقها لعقود. اما ايران فهي دولة صاعدة تشكل منذ اكثر من اربعة عقود عقدة استراتيجية في قلب اوراسيا، تربط الخليج بآسيا الوسطى وبالقوقاز وبالشرق الاوسط، وتملك شبكة تحالفات ممتدة من العراق الى سوريا ولبنان واليمن، وتملك قبل ذلك كله جهاز دولة متشرب بعقيدة الصمود في وجه الضغط الخارجي.
الرهان الامريكي على اسقاط النظام الايراني بالقوة يشبه الرهان على اعادة انتاج سيناريو صدام حسين، لكنه يتجاهل فروق جوهرية. العراق في 2003 كان دولة منهكة بحصار مدمر دام اكثر من عقد، وجيشه مفكك، ونظامه معزول على المستوى الشعبي والاقليمي. اما ايران، رغم العقوبات، فقد بنت اقتصاد مقاومة، وراكمت خبرات في الالتفاف على الحصار، وطورت صناعات عسكرية وصاروخية ونووية تحت الضغط، لا في ظروف الرفاه. هنا تكمن المفارقة.. العقوبات التي كان يفترض ان تكسر ايران، هي التي حولتها الى دولة مكتفية ذاتيا في قطاعات استراتيجية، والى فاعل اقليمي يعرف كيف يحارب وهو محاصر.
نعم، تستطيع الولايات المتحدة ان تضرب ايران، ولا احد يشك في قدرتها على ايقاع دمار واسع في البنى التحتية، وفي المنشآت النووية، وفي مراكز القيادة. لكن التاريخ الحديث يعلمنا ان القدرة على التدمير لا تعني القدرة على تحقيق الهدف السياسي. تدمير المفاعل لا يعني تدمير المعرفة، وقصف المنشآت لا يلغي شبكة العلماء والمهندسين والمؤسسات التي انتجتها. البرنامج النووي الايراني ليس مباني اسمنتية، بل هو منظومة بشرية وعلمية وايديولوجية، وهذه لا يمكن قصفها من الجو.
الاهم من ذلك ان النظام الايراني، بخلاف انظمة كثيرة اسقطتها واشنطن، ليس مجرد نخبة حاكمة مفصولة عن مجتمعها، بل هو تعبير عن ثورة وهوية وطنية وسيادية تشكلت ضد التدخل الامريكي نفسه منذ 1953. اي ضربة اميركية واسعة ستفعل في الداخل الايراني ما فعلته الحرب مع العراق… ستعيد انتاج الوحدة الوطنية حول الدولة، حتى لدى معارضيها، لان التهديد الخارجي يعيد تعريف الصراع من صراع سياسي داخلي الى صراع وجودي.
ضمن هذا الوهم الأميركي، يجري اليوم تسويق نجل شاه إيران السابق بوصفه البديل الشرعي، وكأن التاريخ يمكن إعادته بصيغة هوليوودية، حيث يصل المنقذ إلى طهران على متن طائرة كما وصل الخميني عام 1979. هذا تصور طوباوي لا علاقة له بالواقع الاجتماعي والسياسي الإيراني. فإيران التي أسقطت الشاه ليست إيران التي يمكن أن تستعيده عبر نسخة وراثية مدعومة من الخارج. النظام الملكي في الوعي الجمعي الإيراني ليس مجرد نظام سابق، بل رمز للتبعية والارتهان، وأي محاولة لإحيائه لا توحد الإيرانيين ضد النظام الحالي بل توحدهم ضده. واشنطن هنا لا تفشل فقط في فهم الدولة الإيرانية، بل تفشل حتى في فهم ذاكرة الشعب الإيراني.
الولايات المتحدة قد تراهن على انهيار داخلي، لكن هذه المقامرة اكثر خطورة مما تبدو. ايران ليست كيان مفكك طائفي او قبلي يمكن تفكيكه بضغطة زر. هي دولة مركزية قوية، لها جهاز امني متغلغل، ومؤسسات دينية وسياسية مترابطة، وقبل ذلك مجتمع تشكل عبر قرون من مقاومة الغزو والاحتواء. اسقاط مثل هذا النظام لا يتم بالقنابل بل بانهيار اجتماعي طويل، وهو ما لم تنجح العقوبات ولا الاغتيالات ولا الحرب السيبرانية في تحقيقه حتى الان.
في المقابل، الضربة الامريكية، اذا وقعت، لن تبقى محصورة داخل ايران. هذه ليست ساحة معزولة، بل عقدة شبكة اقليمية كاملة. الرد الايراني لن يكون بالضرورة صاروخ على قاعدة، بل زلزال استراتيجي يمتد من مضيق هرمز الى شمال اسرائيل، ومن البحر الاحمر الى العراق وسوريا. خطوط الطاقة العالمية، اسواق النفط، الامن البحري، توازن الردع في الشرق الاوسط، كلها ستدخل في دوامة اضطراب. وهذا ما يجعل اسقاط النظام الايراني هدف شبه مستحيل.. كلفته العالمية تفوق بكثير اي مكسب متوهم.
الغطرسة الامريكية، التي تعتقد ان التاريخ يعاد بنسخة واحدة، لا ترى ان ايران ليست نظام عارض يمكن استبداله، بل دولة مشروع، دولة ترى نفسها طرف في صراع حضاري طويل على السيادة في وجه الغرب. قد تضعف ايران، قد تتضرر مشاريعها، قد تتأخر برامجها، لكنها لن تتحول الى فنزويلا جديدة ولا الى عراق جديد. من يراهن على ذلك يخلط بين التفوق العسكري والسيطرة على مصير الامم، وهذا هو الخطأ الذي كررته الامبراطورية في كل حروبها الكبرى.
اذا وقعت الضربة، سيكون الشرق الاوسط كله هو مسرحها الحقيقي، وليس ايران وحدها. وحينها سيكتشف العالم ان الغطرسة الامريكية تستطيع اشعال الحرائق، لكنها عاجزة عن هندسة نهاياتها.


