(الجامعة اليائسة) رؤية نقدية وتطبيقاتها في الواقع العراقي..

(الجامعة اليائسة) رؤية نقدية وتطبيقاتها في الواقع العراقي..
تعكس «الجامعة اليائسة» تدهور دور الجامعة تحت هيمنة التسليع والفساد وتقييد الحرية الفكرية. في العراق، يتجلى ذلك بضعف المناهج، غياب البحث، والمحسوبية، ما يعمّق القطيعة بين الجامعة والمجتمع، مع بقاء أفق الإصلاح ممكنًا....

في قراءة لكتاب ( الجامعة اليائسة: العمل الفكري في نهاية نهاية التاريخ – The Hopeless University: Intellectual Work at the end of The End of History)… من تأليف ريتشارد هول ، وهو أكاديمي بريطاني معروف بأعماله في مجالات السوسيولوجيا والتعليم والفكر النقدي.

واشارته الى ( نهاية نهاية التاريخ) هي أشارة الى كتاب الأمريكي فرانسيس فوكوياما (نهاية التاريخ) والذي ناقش فيه فوكوياما أطروحته المعروفة التي تفترض أن التاريخ الإيديولوجي للبشرية قد انتهى مع انهيار الاتحاد السوفيتي وانتصار الليبرالية الغربية، ممثلة بالديمقراطية الليبرالية والاقتصاد السوقي. وأن البشرية قد وصلت إلى (نهاية التاريخ) بمعنى أن الصراع الإيديولوجي الكبير قد تم حسمه لصالح النظام الليبرالي، وبالتالي فإن هذا النظام يمثل الشكل النهائي للتطور السياسي والاجتماعي. وبحسب فوكوياما، فإن الديمقراطية الليبرالية ستكون الشكل السائد من الآن فصاعدًا في جميع أنحاء العالم، ولن يكون هناك أي بديل ناجح أو صراع إيديولوجي آخر يمكن أن يهدد هيمنتها.

في هذا الكتاب الغريب في عنوانه والواقعي في طروحاته ، يتم تطوير فكرة مفادها أن الجامعة في نهاية التاريخ أصبحت مساحة ميؤوس منها، عاجزة عن تلبية رغبات أولئك الذين يعملون داخلها من أجل حياة جيدة والمساهمة في إيجاد حلول للانقسامات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، بشكل جدلي. وهذا يمكننا من النظر في إمكانية إعادة تصور العمل الفكري كحركة من النشاط البشري الحسي في العالم، بدل من تحويله إلى سلعة (تسليع التعليم).

رؤية (الجامعة اليائسة) هي مفهوم نقدي يعكس حالة الجامعة كمؤسسة تعليمية في ظل تدهور ظروفها الأكاديمية، الإدارية، والاجتماعية. هذا المصطلح يشير إلى الجامعة التي تفقد دورها الحقيقي كمنارة للعلم والمعرفة، وتصبح مكان يغلب عليه الإهمال، الفساد، وسوء الإدارة. من أبرز ملامح هذه الرؤية،تردي المستوى الأكاديمي المتمثل في ضعف المناهج التعليمية، غياب البحث العلمي الجاد، وتراجع دور الأستاذ الجامعي الذي يصبح أداة إدارية بدل أن يكون مرشد فكري. أضافة الى هيمنة الفساد الإداري، وتجلي البيروقراطية المتفشية عبر تعيينات غير مستحقة، وترقيات مبنية على المحسوبية بدل من الكفاءة.

تعد الجامعة واحدة من أرقى المؤسسات التي تمثل المعرفة والتعليم في أي مجتمع، حيث تعتبر ركيزة أساسية لنقل العلم وتطوير الفكر النقدي، وتنمية القدرات البشرية. إلا أن الواقع يختلف في العديد من الدول، حيث تواجه الجامعات تحديات عديدة قد تقوض دورها الأساسي.

وانا اقرأ هذه الملامح عن هذه الرؤية التي يمكن وصفها بالواقعية ، خطر في بالي واقع الجامعات العراقية .

وهل يمكن تطبيق هذه الرؤية عليها؟

في العراق، تظهر العديد من الجامعات معاناة حقيقية تعكس ما يمكن أن يسمى بـ(الجامعة اليائسة). هذا المفهوم النقدي يعكس تدهور الأوضاع الأكاديمية، الإدارية، والاجتماعية في الجامعات، ويكشف عن سلسلة من المشكلات التي تهدد مستقبل التعليم العالي في البلاد.

أحد أبرز ملامح (الجامعة اليائسة) هو تردي المستوى الأكاديمي. في الجامعات التي تعاني من هذه الحالة، تصبح المناهج التعليمية في حالة من الركود، بعيد عن التطورات العالمية الحديثة. كما يلاحظ غياب البحث العلمي الجاد، وتراجع دور الأساتذة الجامعيين الذين يفترض أن يكونوا مرشدين فكريين وملهمين للطلاب. بدل من ذلك، يتحول دورهم إلى مجرد وظائف إدارية يتخذون فيها أدوار روتينية تفتقر إلى التأثير الفعلي في تطور الفكر الأكاديمي.

في العراق، تعاني الجامعات من نقص حاد في تحديث المناهج الدراسية. فغالب ما تفتقر المواد الدراسية إلى الصلة بالمستجدات العالمية أو تتجاهل التوجهات الحديثة في البحث العلمي. هذا الواقع ينعكس على مستوى الطلاب الذين لا يحصلون على تعليم يعكس احتياجات السوق أو التحديات العالمية. وبالتالي، يخشى أن يصبح خريجو هذه الجامعات غير مؤهلين بشكل كافي لمواجهة تحديات العمل في بيئة تتسم بالتغير السريع والتطور التكنولوجي.

الفساد الإداري يعد من العوامل الرئيسية التي تساهم في انهيار دور الجامعات في المجتمع. في (الجامعة اليائسة)، ينتشر الفساد بشكل واسع في هيكلية الإدارة الجامعية، حيث تصبح التعيينات والترقيات مبنية على المحسوبية والولاءات السياسية بدل من الكفاءة الأكاديمية والجدارة. هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى تدهور المستوى الأكاديمي، بل تزيد من الفجوة بين القيادات الجامعية والطلاب، مما يقلل من ثقة الطلاب والمجتمع في مصداقية المؤسسة التعليمية.

في العراق، يعاني النظام الجامعي من هذه الظواهر بشكل واضح. حيث تسيطر البيروقراطية على التعيينات في المناصب الأكاديمية، ويشغل البعض مناصبهم بناء على انتماءاتهم السياسية أو العائلية، مما يضعف النظام الأكاديمي بأكمله. الأساتذة غير المؤهلين أحيانًا يصبحون في مواقع قيادة، ويسهمون في تدهور البيئة التعليمية.

العدالة الأكاديمية هي أحد المبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم الجامعات، لكن في (الجامعة اليائسة)، يتم تجاهل هذا المبدأ بشكل متكرر. تصبح الجامعة مكان يسيطر عليه التمييز والمحاباة، حيث يمنح البعض فرص أفضل بناء على العلاقات الشخصية أو الانتماء السياسي، مما يؤدي إلى استبعاد أصحاب الكفاءات الحقيقية. هذا يؤدي إلى بيئة أكاديمية غير صحية، حيث يشعر الطلاب المتفوقون بالإحباط، بينما يحفز آخرون على الاستمرار في التقدم بناء على علاقاتهم أو علاقات أسرهم.

في العراق، يساهم غياب العدالة الأكاديمية في فشل النظام التعليمي. الطلاب المتفوقون يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان غير قادرين على التقدم أو الحصول على فرص عادلة في التوظيف أو الترقيات الأكاديمية بسبب المحسوبية. هذا الوضع ينعكس على الثقة في النظام التعليمي ويؤثر على السمعة الأكاديمية للجامعات العراقية.

الحرية الفكرية هي حجر الزاوية لأي نظام أكاديمي ناجح. في (الجامعة اليائسة)، تختنق هذه الحرية، ويمنع النقاش الفكري والنقد البناء. بدل من أن تكون الجامعات مكان للتنوع الفكري، يتحولون إلى مؤسسات تسعى فقط للحفاظ على الوضع القائم، مما يحرم الطلاب من فرص النمو الفكري والتطوير الشخصي.

في العراق، يلاحظ تراجع واضح في مساحة الحرية الفكرية داخل الجامعات. ففي بعض الحالات، يمنع الطلاب والأساتذة من التعبير عن آرائهم بحرية في الأمور السياسية والاجتماعية. في بعض الجامعات، يعاقب الطلاب الذين يشاركون في الأنشطة السياسية أو يطرحون أفكار قد تكون مخالفة للمألوف. هذا الواقع لا يساهم فقط في تقييد الفكر النقدي، بل يمنع ظهور الحلول الجديدة للمشكلات المجتمعية.

الجامعات هي مؤسسات من المفترض أن تكون في قلب المجتمع، تلعب دور رئيسي في تنمية الأفراد وحل المشكلات المجتمعية. لكن في (الجامعة اليائسة)، تصبح الجامعات معزولة عن احتياجات المجتمع، ولا تسهم في تقديم حلول عملية لمشكلات البلاد. بدل من أن تكون مصدر للإبداع والحلول، تصبح الجامعات مجرد هياكل تعليمية غير قادرة على الاستجابة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية.

في العراق، تعاني الجامعات من انقطاع شبه كامل عن واقع المجتمع المحلي. بدل من المساهمة في إيجاد حلول لمشكلات مثل البطالة، الفقر، أو تدهور الخدمات العامة، تظل الجامعات بعيدة عن هذه التحديات، ولا تتفاعل مع احتياجات سوق العمل أو تطور الاقتصاد الوطني. خريجو الجامعات يعانون من صعوبة في إيجاد فرص عمل بسبب التفاوت الكبير بين ما يتعلمونه في الجامعات وما يتطلبه السوق.

إن (الجامعة اليائسة) تمثل صورة قاتمة للواقع الأكاديمي في العديد من الدول، ومنها العراق. على الرغم من التحديات العديدة، لا يزال هناك أمل في أن تتحقق إصلاحات جذرية قد تساهم في تحسين وضع الجامعات في العراق. يجب أن تبدأ هذه الإصلاحات من تحديث المناهج الدراسية، تحسين بيئة العمل الأكاديمي، وتعزيز الحريات الفكرية داخل الجامعات. كما يجب أن يكون هناك تركيز على محاربة الفساد الإداري وتطبيق العدالة الأكاديمية، لضمان أن تتحول الجامعات إلى مؤسسات تعليمية حقيقية، قادرة على تلبية احتياجات المجتمع والمساهمة في بناء مستقبل أفضل للعراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *