فيلم (أناشيد آدم) تساؤلات عن مأزق الزمن.. والموت.. ؟

فيلم (أناشيد آدم) تساؤلات عن مأزق الزمن.. والموت.. ؟
رُبَّما يُشكّلُ إنتاج وإخراج فيلم(أناشيد آدم)لمؤلفه ومخرجه:عدي رشيد علامةً فارقةً في قائمة وعناوين الإنتاج السينمائي للسينما العراقية المستقلة الباحثة عن نفسها والتي تحاول أنْ تشقَّ طريقها الفني بعيداً عن الإنتاج الرسمي ومؤسساته ...

رُبَّما يُشكّلُ إنتاج وإخراج فيلم(أناشيد آدم)لمؤلفه ومخرجه:عدي رشيد علامةً فارقةً في قائمة وعناوين الإنتاج السينمائي للسينما العراقية المستقلة الباحثة عن نفسها والتي تحاول أنْ تشقَّ طريقها الفني بعيداً عن الإنتاج الرسمي ومؤسساته الحكومية،وكانت عدة جهات إنتاجية قد اشتركتْ في تمويل هذا الفيلم وَدَفَعتْ به كذلك للدخول والإشتراك في المحافل والمهرجانات السينمائية واستطاع الفيلم أنْ يحصل على بعض الجوائز في المهرجانات الخليجية الجديدة،وذلك قبل أنْ يُطلق للعرض التجاري في دور السينما لدينا بالتزامن مع عرض بعض الأفلام السينمائية الأخرى والتي شكّلتْ بحضورها ملمحاً جديداً من ملامح السينما العراقية الجديدة والمستقلة منها على نحو خاص.

يُهدي المخرج عدي رشيد فيلمه إلى المخرج السينمائي الإيراني الراحل:عباس كيارستمي(1940- 2016)وهذا الإهداء لا يحيلنا إلى المخرج المذكور حصراً وإنما يحيلنا إلى بعض عوالم وأجواء  الطفولة التي طالما عُرِفَتْ بها السينما الإيرانية وَنَجَحتْ في الغوص في أعماقها ووظفتْ براءتها من أجل  الخوض في مواضيع إجتماعية عامة ذات أفكار عميقة وحساسة وقدَّمتْ بواسطتها أفلاماً سينمائية حققتْ حضورها السينمائي العالمي.

واقترب فيلمنا(أناشيد آدم)من تلك الأجواء والعوالم الطفولية باختياره للصبي اليافع(آدم)(عزام أحمد)ليشير إلى حكايته في اللقطات التمهيدية بالجملة الحكائية الشعبية المعروفة ب(كان ياما كان)إيماناً بالمقولة التي تذهب الى أن الحكاية هي رأسمال السينما،لكن المبنى الحكائي الذي اعتمدَهُ الفيلم يقوم أساساً على ما باتَ يعرف بانه(النوع السينمائي)الحافل بموضوعات الخيال والفنتازيا وسيشكل العنصرين الأخيرين الدعامة الرئيسة للفيلم من خلال قرار(آدم)بايقاف نبض قلبه وإيقاف نموّه البايولوجي رغم مرور السنوات الطوال التي ستبدأ بمفتتح جنائزي داخل الزمن الدرامي للفيلم الذي يبدأ في العام 1946الذي شهد وفاة جده فيه وينتهي سردياً في العام 2014 رغم أنَّ الزمن بالنسبة ل(آدم)يبقى زمناً مطلقاً مفتوحاً إلى ما لا نهاية.

  فرضية درامية

لمْ يقفْ الفيلم عند هذا الموت الطبيعي للجد وكذلك الحال مع موت الأب(حجي سليمان)(علي الكرخي)ولمْ يثرْ حولَهُ أية أسئلة إجتماعية أو دينية أو فلسفية تحفّز أو تثير عقلية ذلك الصبي لإتخاذ قراره الوجودي القاضي بايقاف الزمن الفيزيائي لديه،رغم أنَّ هذه الفكرة -الموقف جاءت وسط  بيئة قروية في إحدى المحافظات الغربية تعيش ضمن أجواء وعلاقات إجتماعية واقعية  لا تدلُّ على شيء غريب أو خيالي أو يشير إلى تلك الفكرة،ومن دلائل وإشارات تلك الواقعية والطبيعية التي ظلتْ البئية محافظة عليها هو الزمن والتعامل معه والتأكيد على مروره حيث تأتي الإشارة الثانية إلى العام 1952 داخل ذلك الزمن السردي.

إنَّ هذه الفرضية الدرامية التي ابتكرها الفيلم تفترق تماماً عن الواقع اليومي والزمن الطبيعي لتلامس وضع ذلك الصبي(البطل)وقلقه الوجودي والخوف من المصير الحتمي للإنسان وهو الموت.

وإذ يقدّم الفيلم الموت الطبيعي الناجم عن التقدم في العمر(الزمن)بالنسبة للجد والأب فأن(آدم)يُقرّر بأنْ لا يكبر ويبقى داخل زمنه الداخلي الخاص به والمتوقف عن لحظة الوعي والإدراك لحقيقة الموت في حين تبقى الشخصيات الأخرى القريبة منه أو التي تعيش معه مثل شخصية الأخ(علاوي)التي أدّى أدوارها المتعددة مجموعة من الممثلين منهم (بسام كاظم وأوس صلاح )وغيرهما،وكذلك الحال مع صديق عمره(أنكي)الذي مرَّ في عدة مراحل عمرية (زمنية) متباعدة وجسَّدها عدة ممثلين منهم( تحسين داحس وعبد الجبار حسن)وغيرهما…تبقى هذه الشخصيات تنمو .. وتكبر .. وتشيخ .. وتموت !

ولم يتم تعميق هذه الفكرة الواعية – المغايرة للواقع داخل منظومة السرد السينمائي باسئلة فلسفية أو وجودية أو حتى إجتماعية لدى هذا الصبي(آدم)وهو يواجه الموت ويتعلق بالحياة بشكل غامض،ولا يتوضح لنا كذلك من خلال الإنتقالات الزمنية المتعددة والمتعاقبة ومنها الإشارات إلى الأعوام 1964وبعدها 1981 .. حيث بقي الصبي الغامض والواجم الذي لايفصح عن ذاته ولا عن حقيقة مشاعره وأفكاره إزاء هذا الواقع المتبدل في حقب تاريخية شكّلتْ منعطفات سياسية مهمة في تأريخ المجتمع العراقي.

لوثة الوعي

لمْ يشغلْ الفيلم نفسه بالكشف عن تأملات هذه الشخصية سواء عن طريق الحوار الداخلي أو الحوار الخارجي مع الشخصيات الأخرى التي رافقتْهُ طوال تلك الحقب المتعاقبة،ولا يكشف الفيلم كذلك عن إنشغالات ذلك الوعي وبواكيره الأولى وما هو منظور(آدم)لتلك الشخصيات والحياة والواقع والموت والزمن،في حين أنَّ الفيلم نفسه قد طرح(آدم)وهو مصاب ب(لوثة الوعي)التي توصله إلى القرار الوجودي الذي إتّخذهُ بإيقاف الزمن الفيزائي الخارجي والإبقاء على زمنه الداخلي الخاص ، ويستمر هذا الإضطراب الزمني لدى(آدم) بين التعامل مع الزمن الجامد أو المتوقف لديه والزمن المتحرك والمتغير لدى الآخرين،وقد بدتْ هذه الشخصية هنا وكأنها آثرتْ الصمت والسكوت وأصابها الخرس الدرامي وعدم البوح بأفكارها ومخاوفها إزاء الزمن الذي سيؤول إلى الموت ولذا فقد ظهرتْ الشخصية وكأنها تائهة لا تلوي على شيء مُحدّد فبقيتْ مُصابةً بالذهول والجمود العاطفي، بمعنى أنَّ هناك مسكوت عنه من حيث الأفكار والأفعال في هذه الشخصية،ونتيجةً لهذا السكوت أو الخرس الدرامي فقد أُلغيَ الحوار الداخلي والخارجي ولمْ تفصحْ عمَّا تريد على نحو واضح وصريح وبما يتناسب أو يتلاءم مع عمق الفكرة التي طرحها الفيلم مُتمثلةً بايقاف الزمن الداخلي الخاص وتجميد الحياة وذلك في حيلة بايولوجية ابتكرها هذا الصبي المختلف بعد أنْ أيقن أنَّ الموت هو المصير المحتوم فأثارت لديه تلك المخاوف السايكولوجية.

ولذا بقيَتْ هذه الشخصية تعيش في الزمن الإفتراضي الذي ابتكرتْهُ لنفسها ولمْ يُشكّلْ لها هذا الإفتراق الوجودي أيّة مشكلة أو معاناة أو أيّ سلوك غريب أو أي إضطراب إنفعالي في حياته ولمْ ينبئْ كذلك عن بوادر لصراع سايكولوجي داخلي فقد إنتصر هو على الزمن وأمسك بتلابيب الحياة في ذلك المأزق الوجودي العالق بين الحياة والموت.

وبعد نهاية الفيلم الباهتة وفي العودة إلى الفرضية الدرامية التي قدَّمها لنا نجد أنفسنا حيارى بين أمر القبول بهذا الإفتراض والإنسياق مع مجرياته وبين عدم استساغة فكرته الغرائبية وعدم التعاطف معها،وانتهاءً بالتساؤل عن ماهيّة الحصيلة الأخيرة التي انتهى إليها وأراد إيصالها إلى المتلقي.

أدوات فنية

من الأدوات الفنية البارزة التي استعان بها المخرج في معالجته الإخراجية هو المزج بين أداء الممثلين المحترفين المعروفين وبين مجموعة من الممثلين الهواة أو المبتدئين وبعض الناس العاديين ولا سيِّما الأطفال منهم،لكنَّ الأداء الطفولي لشخصية(آدم) والتي جسَّدها الصبي(عزام أحمد)لمْ يكنْ يتسم بحدة وقوة مأزق الموت والتعبير عنها ولا  ينسجم مع هذا التحوّل الدرامي الكبير الذي شهدتْهُ الشخصية طوال الحقب الزمنية المتعاقبة التي مرَّ بها ولا يتناسب مع حضوره الدائم على الشاشة طوال الفيلم وبقائه حتى اللقطة الأخيرة.. حيث بقي وجهه ساهماً،ضائعاً وبنظرات شائهة وبصوت واهن مخنوق وحوار هامس لا قوة فيه من ناحية التعبير.

ورغم أنَّ الإيقاع البطيء والمتمهل للفيلم  يتناسب تماماً مع الطبيعة التأملية له وأجوائه العامة إلاّ أننا افتقدنا داخل هذا الإيقاع عنصر الموسيقى التصويرية المُعبّرة عن الخصوصية الدرامية والبيئية حيث لم نجد لها ذلك الحضور التعبيري الواضح،وكان بالإمكان توظيف عنصر الأغاني الفولكلورية المرتبطة بالبئية المكانية والشخصيات واستخدامها على نحو أكثر فاعلية وتعبيراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *