زلزال “مكافحة الفساد” في العراق

زلزال مكافحة الفساد في العراق وصراع النفوذ
قراءة في حملة مكافحة الفساد في العراق، وانتقائية الاعتقالات، ودور الإنتربول، واحتمال إعادة ترتيب النفوذ السياسي والإقليمي...

ملاحقة حقيقية أم إعادة ترتيب لبيت النفوذ؟

شهدت العاصمة بغداد، خلال الساعات الماضية، حراكاً أمنياً وقضائياً غير مسبوق في إطار مكافحة الفساد في العراق.

وتمثل هذا الحراك في حملة اعتقالات ومداهمات طالت أسماء سياسية بارزة، ومسؤولين من الصفين الثاني والثالث، ورجال أعمال ارتبطت أسماؤهم بملفات حيوية.

وفي الوقت الذي ترفع فيه الجهات الرسمية شعار «محاربة الفساد، واسترداد أموال الدولة، وبسط القانون»، فإن القراءة المعمقة للمشهد العراقي تتجاوز العناوين الإعلامية والبيانات الفضفاضة.

فالمشهد يكشف عن أبعاد سياسية، وصراعات أجنحة، وتحولات إقليمية أعمق مما يظهر على السطح.

العاطفة الشعبية وورقة الكواليس

يلامس ما يجري اليوم في الشارع العراقي عواطف مجتمع سئم سنوات الحرمان والنهب.

ويتطلع المواطنون بشغف إلى رؤية خطوات حقيقية تحاسب المقصرين.

لكن الإشكالية تكمن في أن المجتمع، بطبيعته المندفعة نحو التغيير، يتفاعل غالباً مع مشاهد الاعتقالات الصادمة.

وقد يحدث ذلك من دون إدراك طبيعة الصفقات والمقايضات التي تدار خلف الكواليس.

استعراضات المحاسبة

يدرك من يتحكم بالمشهد السياسي هذه الحقيقة جيداً.

ويعرف أن إثارة حماس الشارع ممكنة من خلال استعراضات المحاسبة وصور المداهمات والتوقيفات.

ويُراد لهذا الضجيج الإعلامي أن يكون مسكناً مؤقتاً لامتصاص الغضب الشعبي المتراكم.

كما قد يستخدم للتغطية على الأجندات الحقيقية التي تُعد داخل الغرف المغلقة.

وبذلك، تُستغل العاطفة الصادقة للناس بوصفها غطاءً شرعياً لتمرير مخططات سياسية لا ترتبط بالإصلاح الحقيقي.

انتقائية في الحساب

لا يستطيع المراقب الدقيق لخرائط الاعتقالات الأخيرة وقوائم الأسماء المستهدفة تجاهل الانتقائية الواضحة التي تصبغ هذا التحرك.

فقد بدت الضربات الأمنية المتلاحقة موجهة بصورة شبه كاملة نحو جهة سياسية محددة.

وفي المقابل، ظهر غض طرف شبه تام عن أطراف ومربعات سياسية أخرى.

ويحدث ذلك رغم أن الجميع يعلم أن منظومة المحاصصة لم تستثن أحداً.

كما أن ملفات الهدر تطال مختلف الأطراف من دون استثناء.

تصفية مسبقة للمشهد السياسي

يخرج هذا التباين الصارخ الحملة من سياقها القانوني والدستوري بوصفها أداة إصلاحية.

كما يضعها في سياق تصفية الحسابات السياسية الضيقة.

ويبدو الأمر كعملية كسر عظم وإعادة رسم لخريطة النفوذ الداخلي بالقوة.

كما يمهد للمراحل السياسية والانتخابية المقبلة.

ويتحقق ذلك عبر إضعاف جبهات معينة وتفكيك مصادر تمويلها ونفوذها.

وفي المقابل، يجري تمكين جبهات أخرى وترسيخ هيمنتها على القرار.

ماذا وراء دخول الإنتربول؟

يمثل دخول الإنتربول الدولي على خط الأزمة أحد أبرز تطورات الحملة.

كما ظهر ذلك من خلال إصدار النشرات الحمراء للملاحقة العابرة للحدود.

ولا يمثل هذا التدخل الدولي مجرد إجراء قانوني روتيني.

بل يشكل اعترافاً بأن المعركة تجاوزت جغرافية العراق.

هروب الرؤوس الكبيرة

غادر عدد من الرؤوس الكبيرة والشركاء الماليين العراق مسبقاً.

واحتموا بعواصم إقليمية ودولية.

كما استندوا إلى شبكات معقدة لغسل الأموال وتهريب المليارات.

وجرى ذلك نقداً أو على شكل استثمارات وعقارات.

التوازنات الدبلوماسية

يثبت استدعاء السلطات العراقية للإنتربول أن خيوط اللعبة ترتبط بحسابات خارجية.

كما أن محاولة استرداد الأموال أو الشخصيات الهاربة ستصطدم بجدار التوازنات الدبلوماسية.

ويرتبط ذلك بمدى استعداد الدول المضيفة لرفع الحصانة عن حلفائها التقليديين في بغداد.

من دبي إلى الدوحة

يظهر جوهر الصراع في جذوره الخارجية.

فلا يمكن فصل تحركات بغداد والإنتربول عن حركة التحالفات السياسية المتغيرة في المنطقة.

وتشير التحولات الأخيرة، وفق القراءة الجيوسياسية، إلى ما يشبه التغيير الجذري في بوصلة التحالفات الخارجية للدولة.

الابتعاد عن محور الإمارات

تبدو الحملة في جوهرها، بحسب هذه القراءة، استدارة واضحة وضغطاً مباشراً بعيداً عن «محور الإمارات».

وقد حافظ هذا المحور، لسنوات، على علاقات وثيقة وشراكات اقتصادية وسياسية مع بعض الأطراف والشخصيات المستهدفة حالياً.

الاقتراب من المحور القطري

في المقابل، يظهر توجه نحو الاقتراب أكثر من «المحور القطري».

ويثبت هذا الانتقال الحاد مجدداً أن الساحة العراقية ما زالت مرآة للصراعات والتوازنات الإقليمية.

كما يكشف أن ملف الفساد الداخلي قد يُشحن بوقود دبلوماسي خارجي.

ويحدث ذلك لتسوية خطوط النفوذ بين العواصم الإقليمية على أرض بغداد.

المحك الحقيقي للإصلاح

لا يكمن المحك الحقيقي لإثبات مصداقية أي عملية إصلاح أو ثورة على الفساد في تقديم أكباش فداء.

كما لا يكمن في ملاحقة الأدوات التنفيذية والشخصيات الثانوية أو حمايات المسؤولين.

فالإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من «الربان» لا من «الركاب».

ملاحقة الرؤوس الكبيرة

إذا كانت الدولة جادة فعلياً في تجفيف منابع الفساد واقتلاع جذوره الممتدة منذ عام 2003، فيجب أن تطال المحاسبة من يقود الدفة ويتحكم بمسار اللعبة.

ولا ينبغي أن تقتصر على ركاب السفينة وموظفيها الصغار.

إعادة إنتاج المنظومة

لن تؤدي ملاحقة الواجهات السياسية أو الشخصيات الهامشية، مع ترك الرؤوس الكبيرة والعرابين الحقيقيين، إلا إلى إعادة إنتاج المنظومة نفسها.

وقد تظهر هذه المنظومة بوجوه جديدة وأسماء مختلفة.

الخاتمة

إذا لم تصل التحقيقات إلى المحركين الحقيقيين لصفقات المليارات، فستبقى الحملة مجرد جولة أخرى من الصراع على النفوذ والمال والسلطة.

ولن يرى المواطن منها سوى تغيير في وجوه الفاسدين.

أما بنية الفساد نفسها، فستبقى قائمة من دون تغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *