
مكافحة الفساد في العراق
في كل مرة تنفجر فيها فضيحة فساد جديدة، يظهر أمام الرأي العام اسم أو اسمان، ويُقدمان بوصفهما المسؤولين عن الكارثة.
وكأن منظومة الفساد العملاقة، التي نخرت جسد الدولة العراقية طوال عقود، يمكن اختصارها في شخص أو موظف أو مسؤول سابق.
لكن الحقيقة أن المشكلة لا تكمن في سقوط اسم هنا أو هناك.
بل تكمن في بقاء النظام الذي أنتج الفساد، وحماه، ورعاه، ووفر له الغطاء السياسي والإداري والقانوني.
الاعترافات بداية للتحقيق لا نهايته
لا ينبغي أن تتحول الاعترافات أو الملفات التي تثار اليوم إلى محطة أخيرة للتحقيق.
بل يجب أن تكون نقطة انطلاق لكشف الشبكات التي تقف خلف عمليات نهب المال العام.
ويبدأ ذلك من المستفيدين المباشرين.
ثم يمتد إلى أصحاب النفوذ الذين وفروا الحماية والغطاء.
فالفاسد الصغير لا يستطيع سرقة المليارات ما لم يكن خلفه فاسد أكبر.
وهذا الفاسد يوفر له الحماية والحصانة، ويمنع يد العدالة من الوصول إليه.
فساد مستمر رغم الهيئات والقوانين
ما زال العراق، للأسف، يصنف ضمن الدول الأكثر معاناة من الفساد في العالم.
وقد شُكلت عشرات الهيئات واللجان.
كما صدرت قوانين ورفعت شعارات كثيرة تحت عنوان مكافحة الفساد.
ومع ذلك، لا يزال المواطن يرى المدارس المتهالكة والمستشفيات المتعثرة.
كما يشاهد البنية التحتية المنهارة والخدمات التي لا تتناسب مع حجم الموازنات.
وقد تجاوزت هذه الموازنات مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات الماضية.
أين ذهبت الأموال؟
لا يقتصر السؤال الذي يطرحه العراقيون اليوم على معرفة من سرق.
بل يسألون أيضاً: أين ذهبت الأموال؟
وكيف تحولت ثروات بعض المسؤولين ومن يدور في فلكهم إلى إمبراطوريات مالية وعقارية داخل العراق وخارجه؟
وفي المقابل، يعيش ملايين المواطنين تحت ضغوط اقتصادية متزايدة.
كما يتساءلون عن أسباب بقاء أسماء نافذة بعيدة عن المساءلة.
ويحدث ذلك رغم تكرار تداول هذه الأسماء في الأحاديث السياسية والإعلامية.
تطبيق مبدأ «من أين لك هذا؟»
يجب تطبيق مبدأ «من أين لك هذا؟» بصورة شاملة وعادلة.
ولا ينبغي أن يستثني أحداً، مهما كان منصبه أو انتماؤه أو نفوذه.
كما يجب تدقيق كشوفات الذمة المالية بصورة مهنية ومستقلة.
ويتطلب ذلك تعاون جميع الأجهزة الرقابية.
تعاون الأجهزة الرقابية والأمنية
ينبغي أن يشمل التعاون ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وجهاز الأمن الوطني.
كما يجب أن يشمل جهازي المخابرات والاستخبارات.
ويتطلب هذا المسار متابعة حركة الأموال والأصول والعقارات والحسابات المصرفية.
كما يجب أن تمتد المتابعة إلى داخل العراق وخارجه.
شبكات المصالح والمكاتب الاقتصادية
لا يمكن أن تكتمل معركة مكافحة الفساد من دون مراقبة شبكات المصالح والمكاتب الاقتصادية.
كما يجب مراقبة ذوي المسؤولين الذين تحوم حول بعضهم شبهات الاستفادة غير المشروعة من النفوذ السياسي والإداري.
فالكثير من عمليات الفساد لا تتم بصورة فردية.
بل تتحرك عبر شبكات مترابطة من المصالح والحماية.
حماية المبلغين عن الفساد
يمكن أن يسهم فتح قنوات آمنة للإبلاغ عن الفساد في كشف كثير من الجرائم المخفية.
كما يجب توفير الحماية القانونية للمبلغين.
ومن الضروري أيضاً تخصيص مكافآت مجزية لمن يقدم ملفات موثقة.
ويمكن لهذه الإجراءات أن تساعد في كشف قضايا لم تصل إليها الأجهزة الرقابية بعد.
سقوط الأسماء لا يعني انتصار العدالة
لا يعني سقوط بعض الأسماء أن العدالة قد انتصرت.
فالعدالة الحقيقية تبدأ عندما تصل التحقيقات إلى الرؤوس الكبيرة قبل الصغار.
كما يجب أن تصل إلى من صنع الفساد وحماه، قبل من نفذه.
الأموال المنهوبة ليست أرقاماً
لا تمثل الأموال المنهوبة مجرد أرقام في تقارير رسمية.
بل تمثل مدارس لم تُبنَ.
كما تمثل مستشفيات لم تُنجز، وفرص عمل ضاعت.
وهي أيضاً مستقبل أجيال كاملة جرى التفريط به.
من الشعارات إلى المشروع الوطني
لقد آن الأوان لأن تتحول مكافحة الفساد من شعارات موسمية إلى مشروع وطني حقيقي.
ويجب أن يخضع فيه الجميع للمحاسبة من دون استثناء.
كما ينبغي أن يكون القانون فوق الجميع.
من صنع الدمى؟
لا يريد العراقيون مشاهدة دمية جديدة تسقط كل فترة.
بل يريدون معرفة من صنع هذه الدمى.
كما يريدون معرفة من حركها، ومن راكم الثروات على حساب وطن ما زال يدفع ثمن الفساد كل يوم.


