ليس كل ما يطرق حياتنا بعنف جاء ليهدمها، فبعض الضربات لا تستهدف وجودنا، بل تستهدف ما تراكم فوق أرواحنا من أوهام وخوف وغفلة. ولعل أجمل ما يعبّر عن ذلك حكاية النحّات الذي وقف أيامًا طويلة أمام صخرة عظيمة، يضربها بمطرقته ضربة بعد أخرى. فسأله أحد المارة مستغربًا: أما تعبت من هذا العناء؟ فابتسم وقال: أنا لا أحطم الصخرة، بل أحرّر الشكل المختبئ في داخلها.
هذه الحكاية ليست عن الحجر وحده، بل عن الإنسان أيضًا. فكثيرًا ما تبدو المحن في ظاهرها قاسية، بينما تخفي في باطنها فرصة لاكتشاف ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا. ومن هنا يبرز السؤال: هل يمكن أن يكون بعض الألم معلّمًا لا عدوًا؟ وهل تأتي بعض التجارب المؤلمة لا لتحطم الإنسان، بل لتكشف عن قوته الكامنة؟
لا ينكر القرآن الكريم حقيقة الألم، بل يضعه ضمن طبيعة الوجود الإنساني، ويمنح الإنسان أفقًا يتجاوز لحظة الوجع، يقول تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. فالمحنة ليست الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان، وإنما قد تكون بداية تحول جديد إذا أحسن التعامل معها.
وفي تراثنا الإسلامي يرد عن الإمام علي عليه السلام قوله: «عند تناهي الشدة تكون الفرجة»، وفي كلمة أخرى: «رُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ذرعًا، وعند الله منها المخرج.» وهي كلمات لا تدعو إلى حب الألم، وإنما إلى عدم اليأس منه، لأن نهاية الطريق قد لا تشبه بدايته.
ويبدو أن هذه الفكرة لم تكن حكرًا على التراث الديني؛ فقد رأى عالم النفس والفيلسوف كارل يونغ أن الإنسان لا يكتمل بالفرار من جراحه، بل بمواجهتها وفهمها، وأن التحولات العميقة تبدأ غالبًا من المناطق التي نحاول الهروب منها. أما غاستون باشلار فقد رأى أن الإنسان يعيد تشكيل ذاته كلما اهتزت يقيناته، وأن النمو الحقيقي لا يتحقق دائمًا بما يؤكد معارفنا، بل بما يدفعنا إلى مراجعتها.
وفي التجربة الصوفية نجد قراءة مختلفة للألم، فالمتصوفة لم يروا كل محنة عقوبة، بل رأوا أن بعض المنح الإلهية تأتي متخفية في ثياب المحن. وقد نُقل عن أبي سعيد الخراز أن المنحة قد تختبئ داخل البلاء، فلا يدركها الإنسان إلا بعد أن تمضي السنوات ويكتشف أن الجرح الذي أثخنه يومًا كان بداية نضجه ورحمته ومعرفته.
ومن هنا أجد أن من المهم التمييز بين الألم والمعاناة. فالألم جزء من التجربة الإنسانية، أما المعاناة فهي الطريقة التي نستسلم بها لذلك الألم حتى يصبح مركز حياتنا. قد نفقد عزيزًا، أو نخسر فرصة، أو نمرض، أو نتعرض لخذلان مؤلم، وكل ذلك واقع لا يمكن إنكاره. لكن تبقى مساحة الحرية الداخلية التي يختار فيها الإنسان: هل يجعل من ألمه سجنًا، أم يجعله مدرسة؟
قد يتحول الألم إلى مرارة، وقد يتحول إلى حكمة. وقد يصبح جدارًا يعزل صاحبه عن الناس، وقد يصبح نافذة يرى منها العالم بقلب أكثر رحمة.
ولعل هذا ما أشار إليه جبران خليل جبران حين رأى أن الألم يكسر القشرة التي تغلف فهم الإنسان، فيمنحه رؤية أعمق لنفسه وللحياة. وتأمل سير كبار المبدعين والمفكرين يكشف أن كثيرًا من أعمالهم العظيمة خرجت من رحم التجارب القاسية، لا لأن الألم جميل، بل لأن الإنسان استطاع أن يحول قسوته إلى معنى.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نمجد الألم أو نسعى إليه؛ فالعافية نعمة، والسلام مطلب فطري، والرحمة مقصد من مقاصد الحياة. غير أن الحكمة تظهر عندما يفرض الألم نفسه علينا، فنرفض أن نجعله نهاية الحكاية، ونحاول أن نستخرج منه درسًا يوسع وعينا ويزيد إنسانيتنا.
إن بعض الآلام يشبه النار التي تدخل الذهب الخام؛ فهي لا تُطلب لذاتها، ولكنها تكشف المعدن الأصيل. وكثير من التحولات الكبرى في حياة الإنسان بدأت بخسارة ظنها نهاية كل شيء، ثم اكتشف بعد زمن أنها كانت بداية مرحلة أكثر نضجًا واتزانًا.
غير أن الألم لا يعلّم الجميع بالقدر نفسه. فمن الناس من يخرج من المحنة أكثر قسوة، ومنهم من يخرج أكثر رحمة. ومنهم من تملؤه الظلمة، ومنهم من يزداد نورًا. والفرق ليس في حجم الألم، بل في الطريقة التي يستقبله بها الإنسان، وفي المعنى الذي يمنحه لتجربته.
وأحسب أن الألم يصبح معلّمًا حين يقودنا إلى معرفة أعمق بأنفسنا، وإلى رحمة أوسع بالناس، وإلى ثقة أكبر بالله سبحانه وتعالى. فكل جرح يحمل احتمالين: أن يكون بابًا إلى الانكسار، أو بابًا إلى الحكمة. والاختيار، في نهاية المطاف، يبقى مسؤولية الإنسان.


