لا نضيف شيئاً جديداً إذا ما تحدثنا عن السينما الإيرانية بإعجاب وتقدير وأشدنا بما حققته من حضور متميز في كافة المهرجانات والمحافل السينمائية وحصولها على الجوائز العالمية،وقد تمكنتْ نتاجاتها السينمائية وبواسطة مخرجيها وفنانيها المعروفين وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً من إثبات هويتها السينمائية البارزة والإنتماء إلى روح وخصائص الروح الإيرانية وذلك من خلال الحرص والمثابرة والجهد الذي بذلهُ صانعوها ومنتجوها في سبيل التعبير عن تلك المحلية وإشباعها فنياً بكل ما يُعلي من شأنها ويسبغ عليها خصائص وملامح فنية ارتبطتْ بها وأصبحتْ طابعاً سينمائياً خاصاً بها يُميّزها عن سواها من تجارب الشعوب في تعاملها مع الفن السابع.
وبالتأكيد أنَّ الإطلاع على معطيات هذه التجربة السينمائية الناجحة والإحتكاك معها والتلاقح بأفكارها ومنطلقاتها ومحاولة الخوض في التجارب المشتركة معها سيكون دافعاً أو حافزاً للسينما العراقية الجديدة الناشئة كي تجد طريقها المنشود ويشجعها على محاكاة ذلك النجاح والحرص على توفير مقومات النضج والتكامل الفني أثناء خوض التجارب السينمائية المشتركة.
الفيلم العراقي(مِن أجل ولدي)
إلّا أنَّ الفيلم العراقي(مِن أجل ولدي)الذي قام بإخراجه الإيراني:مجيد اسماعيلي وتم عرضه يوم الأربعاء 9 تموز2025 في صالة ومسرح الرشيد قد جسَّد خيبة أمل لصورة هذا التعاون السينمائي وأُعتبرَ خطوة عاثرة في هذا المجال.
ورغم أنَّ تايتل البداية قد حمل اسم المخرج الإيراني القدير(مجيد مجيدي)(مواليد 1959)باعتباره صاحب الرؤية السينمائية للفيلم إلاّ أنَّ الخلاصة الفنية التي أشرتُ إليها سلفاً تبقى هي الغالبة في التقييم النهائي للفيلم،فلا يكفي وضع اسم المخرج(مجيد مجيدي)صاحب أفلام(أطفال السماء)و(محمد رسول الله)لصنع فيلم سينمائي عراقي ناجح فنياً.
أبرز الثغرات والعيوب في الفيلم
أبرز الثغرات والعيوب التي برزتْ واضحة في الفيلم:أنَّ الهوية السينمائية له أصبحتْ هوية هجينة ولمْ تكنْ لتنتمي للبيئة العراقية بخصوصية المكانية الدرامية العراقية في مدينة كربلاء وتحديداً بالأماكن والأحياء القريبة من العتبات المقدسة المعروفة فيها،ولمْ تكنْ لتنتمي كذلك للبيئة الإيرانية المُستعارة فنياً في الفيلم من خلال شخصية الأب الرئيسة(يوسف صفري)والدوبلاج باللهجة العراقية حيث بقيتْ تلك البيئة طارئة ومفتعلة وتفتقد الصدق الفني،ولذلك بقي الفيلم حائراً في ولائه الفني وطبيعته الدرامية واضاع رسالته الإنسانية والإجتماعية التي حاول صانعو الفيلم والجهة الإنتاجية المُموِّلة إيصالها إلى المتلقي العراقي حيث حضرتْ الأسئلة إزاء الفيلم وغابتْ الأجوبة.
وفي هذه الربكة الفنية اللافتة بدا لنا الإنطباع العام أنه تم الترويج للفيلم وكأنَّهُ فيلم من أفلام السينما الإيرانية،ولم يتم الإحتفاء به بوصفه فيلماً عراقياً يُحسب للسينما العراقية الجديدة التي بدأنا نشاهد نتاجاتها في المدة الأخيرة.
وإذا كانت منظومة الإخراج قد توزّعتْ بين الاسمين اللذين ذكرتها فأنَّ المنظومة الإنتاجية قد توزّعتْ بين(كامران مجيدي)باعتباره(المنتج)للفيلم و(جعفر عادل الأديب)باعتباره(المنتج المنفذ)مع وضع شركة( نورافيجن) في أعلى ملصق الفيلم وبذلك انشطر الفيلم في توجهه الإنتاجي بين الجانب الإيراني والجانب العراقي وابرزها اختيار المخرج الإيراني(اسماعيلي) للممثل الإيراني(يوسف صفري) للشخصية الريئسة مع مجموعة من الممثلين العراقيين ومنهم صاحب شاكر وعلي دعيم وإسلام ظاهر وتم استخدام الدوبلاج الفني باللهجة العراقية لأصوات الممثلين،ويُعاب على هذا الجانب التقني أنَّ عملية الدوبلاج لمْ تكنْ صافية تماماً ورافقها الكثير من الضوضاء والتشوش وعدم الوضوح في الأصوات،فضلاً عن أنَّ نسخة العرض من حيث الصورة لمْ تكنْ بذلك الوضوح والنوعية العالية من حيث الألوان والنصاعة الصورية(كوالتي)بما يخدم أو يتناسب مع العرض الأوّل للفيلم الجديد!!
غاب ثالوث التأليف المعروف بال(القصة والسيناريو والحوار)من البطاقة التعريفية للفيلم وكان يمكن في هذا المحور ومن أجل التخلص من الوضع المرتبك والحائر في المعالجة الدرامية أنْ تكون العائلة المكونة من الزوج والأُم والطفل المريض -على سبيل المثال-هي عائلة إيرانية جاءتْ لزيارة العتبات المقدسة في كربلاء ومن ثم معالجة ابنها المريض في مستشفى وارث للأورام،أما موضوع طرح هذا العائلة على انها عائلة عراقية غائمة الملامح وغير مرتبطة ببيئتها الإجتماعية العراقية فقد كانت مدعاة للعديد من نقاط الضعف التي شابتْ البناء الدرامي للفيلم.
وبشكل عام كانت حبكة الفيلم ضعيفة وغابت عن المعالجة الإخراجية لها مقومات وعوامل بنائها على نحو متماسك ومتين ومقنع لا سيِّما في صياغة(عقدة الفيلم)و(الحل) و(الإنقلاب الدرامي)الكبير الذي جاء عابراً وغير منطقي.
ومن أبرز الجوانب السلبية في الفيلم هي ظهور مدينة كربلاء بتك الرثاثة والبؤس والتأكيد على زويا الكاميرا التي تتعمد إظهارها بتك الصورة المشوهة فهل هذه هي كربلاء(المقدسة)التي في الواقع أم كربلاء التي أراد الفيلم إظهارها للمتلقي العراقي،وحتى المرقدين الشريفين للعتبتين الحسينية والعباسية وكذلك المنطقة الواقعة بينهما والمعروفة ب(ما بين الحرمين)لمْ تظهرْ لنا صورياً بالأسلوب أو النمط الديني بما فيه من روحانية وهيبة ووقار،ولم تظهر لنا،كذلك، بالصورة السياحية الدينية الطبيعية،وحتى في المشهد المُهم درامياً الذي تذهب به الأُم لزيارة العتبة المقدسة فأنَّ المُخرج تعمَّد واختار إظهار منطقة تفتيش الأمتعة والحقائب ولم يظهرْ لنا المرقد الشريف حتى لو من بعيد !!
في الشكل الفني أو الإدارة الفنية بدتْ شخصية الأب لا تحمل معها ملامح الأبوّة أو التعاطف الأبوي فقد بقي أشعثاً أغبراً بلحيته الكثة وملامحه الحادة وبهيأة أقرب إلى القسوة والغلظة وأقرب ما يكون إلى ملامح المجرمين،ولم يتوضح لنا بناءها الدرامي الداخلي على نحو واضح فقد اختلطتْ ملامحها بين التشدد والإرهاب وعدم الإيمان ومن ثم التحوّل المفاجئ، فضلاً عن علاقته المتوترة مع زوجته(إسلام ظاهر) دون أنْ نعرف الأسباب والدوافع لهذه العلاقة المشدودة،وقد افتقدتْ هذه الزوجة بشكلها الخارجي وهيئتها العامة مواصفات المرأة العراقية(الكربلائية)وبدَتْ بعباءتها الكالحة ومظهرها الخارجي وكأنَّها قادمة من عصور غابرة،وفقدنا معها ما كان يفترض أو يتوجب أنْ يكون تعاطفاً دافئاً مع الطفل المريض بالسرطان(علي كرار)رغم أن فيلم(مِن أجل ولدي)قد عوّل على عنوانه الميلودرامي الذي بدا لنا مُعاداً ومُكرّراً.
أقترحُ على الجهة المُنتجة والمُموّلة للفيلم أنْ تعيد النظر في إنتاج هذا الفيلم وتعمل على إصلاح شؤونه الفنية ومن ثم عرضه من جديد بما يخدم البيئة العراقية وطبيعة الرسالة الدينية والإنسانية والإجتماعية التي ينبغي إيصالها إلى المتلقي العراقي،وبما ينسجم مع طموحنا السينمائي الساعي للإفادة من معطيات وملامح السينما الإيرانية وهويتها المتميزة وإخلاصها لبيئتها المحلية.


