إعادة صياغة الإدارة المالية للوزارات العراقية
تمثل موازنة البرامج والأداء في العراق تحولاً مهماً في إعادة صياغة الإدارة المالية للوزارات.
فقد شكلت موازنة البنود، لسنوات طويلة، العمود الفقري للعمل المالي في الوزارات العراقية.
وكان التركيز ينصب على مدخلات الإنفاق، مثل تأمين رواتب الموظفين، وتكاليف التشغيل، وصيانة المكاتب.
لكن هذا النظام لم يكن يتدخل في تفاصيل مخرجات الإنفاق أو القيمة المضافة التي يقدمها للمواطن.
ومع توسع الجهاز الإداري وتعاظم التحديات الاقتصادية، أصبح الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء ضرورة ملحة.
ويهدف هذا الانتقال إلى إعادة تعريف دور الوزارات، من جهات صرف إلى محركات للتنمية.
موازنة البرامج والوزارة كمنظومة نتائج
في ظل النظام الجديد، لا تخصص الموازنة للوزارة بوصفها كتلة مالية صماء.
بل تقسم الميزانية إلى برامج محددة.
ومن أمثلة ذلك برنامج تحسين جودة التعليم، وبرنامج تطوير البنية التحتية للطرق، وبرنامج التحول الرقمي.
ويحمل كل برنامج أهدافاً كمية ونوعية.
كما يرتبط بمؤشرات أداء قابلة للقياس.
وهنا، لم يعد السؤال: كم صرفت الوزارة من الموازنة؟
بل أصبح السؤال: ماذا أنجزت الوزارة مقابل ما صرفته؟
التأثيرات الإيجابية في الأداء الوزاري
يحمل تطبيق هذا النظام وعوداً بإحداث تغييرات جذرية في العمل الحكومي.
أولاً: تعزيز كفاءة الإنفاق
يسهم ربط التمويل بالنتائج في رفع كفاءة الإنفاق.
فستضطر الوزارات إلى تقليص النفقات غير الضرورية التي كانت تمرر سابقاً ضمن البنود التشغيلية.
كما ستتجه إلى تخصيص الموارد للمشاريع ذات الأثر الأكبر.
ثانياً: خلق روح التنافس
عندما يقاس أداء كل برنامج، تظهر بوضوح القطاعات الأكثر كفاءة والقطاعات المتعثرة.
ويدفع هذا التقييم الإدارات الوزارية إلى الابتكار في تنفيذ مشاريعها.
كما يشجعها على تحسين أدائها لضمان استمرار الدعم المالي لبرامجها.
ثالثاً: ترشيد التخطيط المستقبلي
تفرض الموازنة القائمة على البرامج على الوزارات التخطيط لعدة سنوات.
ويعرف ذلك بالموازنة متوسطة الأمد.
ويساعد هذا الأسلوب على إنهاء عشوائية الإنفاق الطارئ.
كما يخلق استقراراً في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية.
فقد كانت هذه المشاريع تتوقف سابقاً بسبب تذبذب التخصيصات السنوية.
رابعاً: تعزيز الرقابة والشفافية
يسهل هذا النظام على لجان الرقابة البرلمانية وديوان الرقابة المالية تتبع مسار الأموال.
كما يسمح بربط الإنفاق بإنجازات ملموسة.
ويسهم ذلك في تقليل مساحات الفساد الإداري والمالي.
التحديات والسلبيات المحتملة
رغم الأثر الإيجابي المتوقع، لا تخلو عملية التحول من المخاطر والعقبات.
مقاومة التغيير الإداري
تعتمد الوزارات العراقية على هيكلية بيروقراطية قديمة.
وقد يجد الموظفون الذين اعتادوا على روتين موازنة البنود صعوبة في التكيف مع متطلبات قياس الأداء.
كما قد يواجهون صعوبة في إعداد التقارير الدورية.
وقد يؤدي ذلك إلى تعطيل العمل خلال المراحل الأولى.
التلاعب بمؤشرات الأداء
يمثل ما يعرف بـ«صناعة الأرقام» أحد أكبر المخاطر المحتملة.
فقد تلجأ بعض الوزارات إلى تضخيم النتائج.
كما قد تختار مؤشرات أداء سطحية وسهلة التحقيق، لتبدو ناجحة أمام الجهات الرقابية.
ويعرف ذلك بالنجاح الشكلي.
ولا يعكس هذا النوع من النجاح تحسناً حقيقياً في مستوى الخدمة العامة.
ضعف البنية التحتية للبيانات
يتطلب نجاح موازنة البرامج تدفقاً دقيقاً للمعلومات من الميدان إلى مراكز القرار.
لكن غياب الأنظمة الرقمية الموحدة بين الوزارات قد يعرقل ذلك.
وقد يجعل ربط الإنفاق بالنتائج عملية تقديرية.
بينما يفترض أن تكون عملية حسابية دقيقة.
المركزية والتدخلات السياسية
قد تتعرض عملية تقييم البرامج لضغوط سياسية.
فيمكن لبعض الكتل التأثير في تقييم أداء وزارة معينة.
وقد يكون الهدف ضمان استمرار تدفق التخصيصات المالية إليها.
ويحدث ذلك بعيداً عن مستوى كفاءتها الحقيقي.
رؤية استشرافية
لا يعتمد نجاح الوزارات العراقية في هذا التحول على تغيير قالب الموازنة فقط.
بل يتطلب بناء ثقافة مؤسسية جديدة تضع المواطن في مركز العملية.
كما يجب أن يصاحب هذا التحول المالي إصلاح إداري شامل.
ويتطلب أيضاً تفعيل نظم الحوكمة الرقمية بصورة حقيقية.
موازنة البرامج ليست عصا سحرية
تمثل موازنة البرامج أداة قوية.
لكنها ليست عصا سحرية.
فهي تحتاج إلى جيل جديد من الإداريين القادرين على إدارة الأداء.
ولا يكفي أن يكونوا قادرين على إدارة الحسابات فقط.
شروط نجاح التحول
يتطلب نجاح التحول تجاوز مشكلة القياس الشكلي.
كما يحتاج إلى توفير الدعم التقني والسياسي اللازم.
وعند تحقيق ذلك، يمكن للعراق أن يمتلك خريطة طريق واضحة لأول مرة في تاريخه المعاصر.
وتربط هذه الخريطة بين الطموحات التنموية وما ينفقه العراق من ثرواته الوطنية.
كما تضع الدولة على المسار الصحيح نحو الاستدامة المالية والرفاه الاقتصادي.


