الموروث الشعبي الحكائي العراقي يحتفظ في متونه بالكثير من التجارب البشرية التي تعبر عن مراحل وأحوال المجتمع النفسي والحياتي لمرحلة زمنية هي مخاض وخلاصات المجتمعات والشعوب تجتمع في كلمات بسيطة متداولة في يومياتنا بغير ان ندرك عمقها في جذر تراثنا.
منذ وقت طويل يجول في تفكيري مجموعة أمثال شعبية متداولة علىٰ لسان الناس والتي يرد فيها مجموعة ارقام محددة وحوادث يضرب فيها المثل في التوعد، أو الهلاك، او السباب.
ومن هذه الأمثال الشعبية الدارجة علىٰ لسان العراقين قولهم في كبر المصيبة وعظيم الهلاك، ( راح تسعة باسود )
ومنشأ هذا المثل ان البابليين كانوا قد خربوا هيكل سليمان بن داوود لاول مرة ، عندما استولوا على فلسطين واخذوا اليهود سبايا الى العراق .
واثناء حكم الرومان لفلسطين شبت ثورة ضد الحكم الروماني ، فجرى خراب الهيكل للمرة الثانية يوم ٩ آب عام ٧٠ ميلادية ، وذكر الدكتور احمد سوسة خراب الهيكل ، بحسب ماجاء بكتاب جمهرة الامثال البغدادية لعبد الرحمن التكريتي ان القيادة في فلسطين اعطيت الى ( تيتوس ) ابن الامبراطور ( فسبسيان ) فسيطر على الموقف وتمكن من القضاء على الثورة ودخل القدس سنة ٧٠ م ، فاوقع مذبحة مريعة باليهود وخرب المدينة ، واحرق هيكلها وذبح كهنته وازيل الهيكل من الوجود بحيث لم يعد يهتدي الناس الى موضعه ، وقد سيق الاحياء الباقون عبيدا ، وقد ذكر المسعودي ان عدد القتلى من اليهود والمسيحيين بلغ ثلاثة ملايين ، وبعدها اصبح يوم ٩ آب يوم حزن شديد عند اليهود ، فاذا غضب يهودي على آخر دعا عليه قائلا : ( تشعه باب عليك ) اي يوم ٩ آب عليك ، واذا اخذ شخص لجريمة عقابها الموت
قالوا عنه : ( راح تسعه آب الاسود ) ، ولكثرة استعمالهم لهذا القول حذفوا آب واستعاضوا عنه بحرف الباء التي الحقوها باول كلمة اسود ، فاصبحوا يقولون : ( راح تسعه باسود ) .
ولم ينتهي الرقم (٩) بعد من أمثال اهل بغداد والذي يشترك مع سابقةفي الفحوىٰ لكن هذة المرة في حكاية مختلفة يقول الناس ( طلع ٩ کاصر )
والذي يضرب في الخسارة وفقدان الرجاء.
والأصل في نشئت هذا المثل كان من حلبة سباق الخيول ،حيث توجد مسافةمحددة بتطلب من الحصان ان يجتازها في بأقل من الوقت المحدد من الزمن القياسي المحدد لها هو محسوب بالثواني وفي حال ان الحصان قطعها بأقل من خمسة ثواني يقال انه (طلع ٥ گاصر أو قاصر) بمعنى الفوز
وان قطعت بأقل من ٩ ثواني يقال عنه (طلع ٩ گاصر) حيث أعتبرت هذه السرعة المتناهية وان قليل من الخيل تستطيع قطع هذه المسافة بأقل من هذا الزمن وهو طبعاً يعتر خسارة للمراهن عليها. فيقال للراهن عليها ان خاسر أذا ان حصانه طلع ٩ گاصر.
أما المثل الشعبي الأخر الذي يحتوي في فحواه علىٰ رقم هو العدد (١٦)
فقول الناس في السباب والشتم
(كلب أبن ١٦ كلب )
والذي يشير الىٰ الصفة المتدنية من الأخلاق عميقاً الىٰ الأصل والجذر للشخص الموسوم بها..
لماذا الرقم (١٦) تحديداً..؟
وجواب هذا يرجع الىٰ ترابط الأرقام عند البابليون مع الصفات من خلال رصدهم الفلكي وتميزهم بالحساب وقد ساعدهم في ذلك نظام العد الستيني وهو نظام عدد موثوق و موروث من الحضارة السومرية لهذا النظام منطقية حسابية و موضعية.عرفت لاحقاً بأسم علم الجيماتريا وبأنها نشأت من خلال نظام عددي أعتمده في كل من الحضارات الاآشورية،والبابلية ،واليونانية
وقد تحول من رمز أبجدي رقمي الىٰ شفرات اعتمدت لاحقاً
كتعيّن للقيمة العددية لكلمة و الأسم وساد الأعتقاد بأن الكلمات أو العبارات تتساوىٰ مع نفس القيم العددية تحمل علاقة مع بعضها البعض أو تحمل بعض العلاقة مع العدد نفسه كما قد تنطبق على الطبيعة، مع عمر الشخص او السنة التقويمية، أو ما شابه ذلك. و الرقم ١٦
عرفه العراقيون القدماء انه يرمز للتوازن فى الطاقات أو ما يطلق عليه الطاقة المنظمة ما بين الماضي والمستقبل، فهو يَعِد بتحقيق آمال كبيرة وطموح يكاد يلمس السماء واللعنة فيه معناها الحرمان من الفأل الحسن الىٰ عميق النسب والأصل.
والأخير في رحلة الأرقام والأمثال
هو قولهم ( راح في ٦٠ داهية ) ويذكر هذا المثل في عمق الهاوية والمصاب الكبير الذي لاعودة منه .
وهذة العبارة قالها هو قيس بن المكشوح المرادي وهي تعود إلى ما قبل الإسلام والتي وقعت في اليمن كانت الحروب قائمة فيها بين قبيلتي مدحج و همدان وكانت الانتصار دائمًا من نصيب قبيلة مدحج مما جعل قبيلة همدان تعمل الىٰ خطة وتجهيز الترتيبات للإيقاع بقبيلة مدحج وللثأر لنفسها دبرت قبيلة همدان خطتها جيدا واتفقوا على أن يقوم رجالها باستدراج مشايخ قبيلة مدحج الذين عرفوا بالذكاء والدهاء وطرح فكرة الحوار بدون حمل السلاح وبالفعل نجحت الفكرة ووقع ٦٠ شيخًا من كبار مشايخ قبيلة مدحج في الشرك الذي نصبه أبناء قبيلة همدان وعندما حانت اللحظة قام الهمدانيون بقتل المشايخ ونتيجة لهذه الحيلة تفرقت بعدها قبيلة مدحج والتي كان أحد فرسانها هو قيس بن مكشوم.
وبعد هذه الرحلة المقتضبة في بحر الأمثال والأرقام تبقىٰ التجربة التراثية المروية العراقية هي الأغنىٰ من بين تجارب الشعوب والمجتمعات لعمقها الحضاري وتطور الفكر المجتمعي .


