التقارب بين الأمثال الشعبية الكردية والبغدادية

التقارب بين الأمثال الشعبية الكردية والبغدادية
في كتاب العقد الفريد شرح الشاعر ابن عبد ربه الأندلسي ما نعني به الأمثال فقال عنها: "أبقى من الشعر وأشرف من الخطابة" كانت ولا زالت اللغة الكردية وعناصرها الثقافية المتمثلة بمجموعة الأمثال والمأثورات الأدبية الحكائية على ...

في كتاب العقد الفريد شرح الشاعر ابن عبد ربه الأندلسي ما نعني به الأمثال فقال عنها: “أبقى من الشعر وأشرف من الخطابة” كانت ولا زالت اللغة الكردية وعناصرها الثقافية المتمثلة بمجموعة الأمثال والمأثورات الأدبية الحكائية على مر العصور منفتحة على جميع اللغات، فلم تكن منكمشة على نفسها، بل على العكس، ولها من الإسهامات الشيء الكثير في عموم الأدب، وبشكل خاص في الأدب الشعبي العراقي العام.

تشابه لغوي وتاريخي مشترك

ونظراً للتعاشق الفكري الأدبي الكردي مع اللغة والأدب العربي، الذي كان ولا يزال صنوان لا يفترقان، نجد أن الكثير من الأمثال الكردية تتطابق في وصف الحال مع غيرها من الأمثال البغدادية. فمثلاً، يقال في المثل الكردي، بمعنى التأكد من الشيء ومكانه قبل المباشرة بالفعل: “لا تطعن قبل أن تتبين الموضع.” وهذا تماماً ما لدى البغادة من قولهم المشابه:

“شوف العلبة واضرب السطرة.” والعلبة هي قفى الرقبة، والسطرة هي الضرب بكل راحة اليد. أما في سوء الحظ، قولهم:

“ذهب في جنازة أمه فعثر بقبر أبيه.” ويقابله ما لدى البغادة في قولهم: “نزلت النايبة على راس ابن الخايبة.” والنايبة هي المصيبة، وابن الخايبة كناية لسوء الحظ. هناك كذب أفضل من صدق. وهذا المثل الكردي يشابه تماماً قولنا:

“الچذب المصفط أحسن من الصدگ المخربط.”

ومعناه أن الكلام المرتب والمنظم، حتى لو كان كذبًا، أفضل من الكلام الصادق الحقيقي، لكنه غير مرتب وغير واضح. هذا المثل يعكس تفضيل البلاغة والترتيب في الكلام على الصدق إذا كان الصدق غير واضح أو غير مقنع. الزوج الذي لا يحب زوجته، يقول لها: “تحركين جسمك كثيراً عندما تعجنين.”

ويوصف بهذا المثل من يبحث عن أخطاء في شخص لا يحبه، وهو غير بعيد عن القول البغدادي الذي يصب في ذات المعنى والفهم:

“اللي ما يحب وجهي يكعد كبالي.”

وحدة المعنى الشعبي العام يقول المثل الكردي: “يموت الأسد ولكن جلده يبقى.” ويشير إلى أن الأفعال التي يقوم بها الإنسان، سواء كانت مادية مثل المشي أو معنوية مثل الأعمال الصالحة أو السيئة، تترك بصمة وتأثيرًا يبقى ولا يختفي بسهولة، وتتذكر حتى بعد مرور وقت طويل ووفاة صاحبها. وهذا يطابق المثل البغدادي القائل:

“أثر المشي ما يروح ولو مشى عليه النمل.”

أما في الفطنة المبكرة، يقول المثل الكردي: “القبچ الجيد يعرف وهو في عشه.”

والقبچ هو اسم شائع لطائر الحجل في مناطق كردستان، ويُعرف القبچ بجمال مظهره وصوته، خاصة في الصباح، ويقال هذا المثل في الذكاء والفطنة يظهران على صاحبها منذ حداثته. وكما هو المثل الشعبي البغدادي: “الديك الفصيح من البيضة يصيح.” والتشابه واضح في المدلول وحتى في منطوق المثل.أما في قولهم: “لا تكلف مقطوع الشفاه بالنفخ في الناي.” فهذا يوازي قولهم في المثل الشعبي البغدادي: “لا تكلف الثعلب بدور الذيب.” بمعنى عدم إجبار شخص على القيام بدور لا يناسبه أو لا يقدر عليه. يقول المثل الكردي: “مهما رميت الجوز على الجدار لن يلتصق به.”

وهنا في هذا المثل الشعبي الكردي يتحدث عن الشخص الذي لا يستجيب للنصيحة أو الكلام مهما كانت عدد المحاولات معه، وكأنه لا يسمع ولا يعير اهتمامًا لما يقال له. ويقابله تماماً قولنا في مجموعة الأمثال البغدادية في هذا الأمر:

“أذن من طين وأذن من عجين.”

الحجر الصغير يكسر الرأس الكبير. وفي هذا المثل تأكيد على عدم الاستهانة بالأشياء البسيطة التي ليست ذات قيمة كبيرة، وكيف أنها يمكن أن تؤدي إلى أفعال غير متوقعة في فعلها الجسيم. وهذا هو نفس ما في فحوى المثل البغدادي الشعبي القائل:

“الحجاره الي ما تعجبك تفشخك.” تواصل ثقافي عميق التأثير

في الختام، وبعد هذه الجولة البسيطة في رحاب عالم الأمثال، نقول إن الفلكلور الشفاهي الثقافي الكردي غني في معطياته وتجربته من حيث حكمها واتساع تناولها، حيث تعد هذه المادة الحية سجلاً يبين لنا العلاقات التاريخية والجغرافية والاجتماعية في المدينة والقرية، والتي تظهر علاقة الفرد مع محيطه المادي ومع الإنسانية.

ولقد استطاعت الأمثال الشعبية الكردية أن تنقل إلى الأجيال القادمة قيمة عاطفية، إلى جانب تسجيلها الأحداث التاريخية والمناسبات الدينية والسياسية على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *