مقدمة:
انمار كامل حسين، شاعر طموح ناضج، تمتاز قصائده بالشفافية، وهو يمتلك روح الشغف، والمغامرة اللذيذة التي تحرك روح الاحساس بالحب والجمال؛ ونصوصه بصورة عامة تميل إلى الغنج، وتركز على مكامن الهيام بذلك الجمال المزروع في روح كلّ وامق . والقصيدة هذه التي كتبها للمرأة، و وصفها بأجمل آيات المحبة، والسمو النفسي، على اعتبار المرأة جزء من الوجود، وفاعل هام في ديمومة الحياة.
تحليل:
والنص، هذا الذي رغبت أن أحلله بحسب رؤياي، النص والمعنوّن “إليها في عيدها” فواضح إن الشاعر يحتفي فيه بالمرأة بطريقة وجدانية عالية، تبدأ بإعلان يومها العالمي كطقس كوني يفرض الصمت لا حدادًا، بل خشوعًا لعشقٍ خفيّ، يولّد الجمال ويعلنه سيدًا للوجود. ” في الثامنِ من آذار/ يَصْمتُ العالمُ دقيقةَ عِشْقٍ/ ليطغى الجَمالُ عَلى الدُنيا”. يحضر صوت الشاعر هنا كمن يشهد تحولًا كليًا للأشياء، حيث لا تبقى كما هي حين تطلّ المرأة، بل تتأنث، تتبدل، وتنكشف هشاشة اللغة أمام حضورها، فتفقد الأبجدية سلطانها وتنكسر في لحظة خجل.
ثم ينتقل النص من المرأة بوصفها حضورًا جماليًا إلى المرأة بوصفها أصلًا، خَلقًا، وأمومة. “يا أم الكون ومن عليه” ليست عبارة عابرة، بل مفصل مفهومي يحولها إلى مركز المعنى لا طرفه، إلى بوصلة لا مجرد حالة إنسانية. ويبدو أن الشاعر لا يتحدث عن امرأة بعينها، بل عن المرأة بوصفها رمزًا، ومصدرًا لكل ما هو حيّ، معيدًا تكرار المجاز الأمومي الكوني من خلال إشارات مثل “الجنة بأقدامها”، و”نرتوي حليبًا طاهرًا من نهدها”، وهي استعارات كثيفة، لكنها تتكئ على إحساس صادق بالأمان والانتماء والبدء، إذ يكفي إنها: الأم، الأخت، والزوجة.
اللغة في القصيدة ناعمة في ظاهرها لكنها عميقة في إشاراتها، وفيها تراكيب تقترح رمزية عالية: “تعلن الأبجديات إفلاسها“، و”تنبت امرأة باسقة في جيدها”، حيث تقترن الطبيعة بالمرأة واللغة بالانهيار أمامها، كصرح شامخ من عطاء ثرّ. هذه التحولات في النص ليست زينة بل تعبير عن فكرة جوهرية: إنّ المرأة ليست جزءًا من هذا العالم، بل شرط وجوده، لأنها المكمّل لبناء الحياة.
أما الإيقاع الداخلي حاضر بوضوح، وإن لم يكن موزونًا بشكل تقليدي، لكنه مشحون بإيقاع المعنى وتدفق الصورة، ما يجعل النص أقرب إلى النثر الشعري الحر، لكنه محافظ على موسيقى خافتة تنبع من اختيار المفردات وتكرار البناء النسقي.
لذا نجد النص يمتد ليُرسّخ المرأة لا بوصفها كائناً بيولوجياً أو اجتماعياً، بل كجوهرٍ كوني، كمحور دائر حوله الوجود، وكأن الشاعر يوقن بأنّ كل المعاني تنهار عند حدودها، واللغة نفسها تتلعثم حين تحاول وصفها. “تتأنث كل الأشياء من حولنا”، لا يعني فقط أن حضورها ينعكس على العالم، بل أن وجودها يعيد تشكيل العالم، يمنحه شكله النهائي، الإنساني، الكامل.
المرأة هنا ليست متلقّية للمكانة، بل خالقة لها ومُعطاء. إنها من تُنتج الجمال، وتكشف المعنى، وتُخرس الحروف. وبالتالي، الفكرة أن المرأة ليست مفعولًا به بل فاعلة أولى في معادلة الوجود، ولا يعود شيء من حولها كما كان قبل أن تمرّ فيه. الأبجدية تنهار، لا لأن الشاعر يزهد في الكتابة، بل لأنه يُقرّ بعجز اللغة عن ملامسة حضورها الباذخ. إذ تتكرر المجازات الأمومية، لكن ليس بنبرة حنونة فقط، بل برؤية فيها وعي بالمصدر والعودة، كما في قوله: “اليوم ستمطرنا السماء صغاراً/ لنعود ونرتوي حليباً طاهراً من نهدها”. هذا ليس مجرّد تصوير أمومي، بل إعلان عن دورة وجودية كاملة: الخلق، التكوين، العودة، والديموية. حليبها هنا ليس رمزًا غذائيًا، بل طُهرًا، حياةً، طمأنينة، وربما غفرانًا ضمنيًّا لما أفسده البشر من عنف وجهل وقلّة عرفان.
وحين يختم بـ: “فلنَنْحَنِ لجبينها ونُصَلِّ قُبلتين”، فإنه لا يطلب مجرد إكرام رمزي، بل نوعًا من العبادة الإنسانية، من التقديس الأرضي، لا باعتبارها إلهة، بل باعتبارها كيانًا حمل الألم بصمت، وصنع الحياة دون ادّعاء، وغاب اسمه من الكتب التي مجّدت مَنْ لم يخلقوا شيئًا سوى الجلبة.
ويحق لنا القول: إن النص، في عمقه، ليس مجرد احتفاء رومانسي بالمرأة، بل تصحيح أخلاقي وروحي لوضعها في التاريخ والوعي. إنه نداء غير مباشر لاستعادة التوازن المفقود بين الذكر والأنثى في مفردات القوة والقداسة، حيث لا تكون الأنثى تابعًا ولا تزيينًا، بل أساسًا، محركًا، وإلهامًا نهائيًّا. ” يا أم الكَونِ ومَنْ عَليهِ/ كُلُّ الوجودِ يَفنى إلاكِ”. وفي كل ذلك، لم يلجأ النص إلى وعظ، بل إلى صورة. لم يخاطب العقل المجرد، بل استنهض الوجدان، وكأنه يعرف أن ما فُقد من إنصاف للمرأة لا يُعاد إلا حين تستعيد الذاكرة الجماعية احترامها العميق لها، لا كشخص، بل كمعنى؛ و “إلاكِ” هي – المفردة، للمعنى الوجودي.
النص:
إليها في عيدِها
*انمار كامل حسين
في الثامنِ من آذار
يَصْمتُ العالمُ دقيقةَ عِشْقٍ
ليطغى الجَمالُ عَلى الدُنيا
فتنبتُ امرأةٌ باسقةٌ
في جيدِها
ليُعلنَ سِرُّ وِجودِنا المُبهمِ
تتأنثُ كُلُ الاَشياءِ مِنْ حَولِنا
تُعلنُ الأَبجديّاتُ إفلاسَها
وَتَنحَني خَجِلةً
في حَضرةِ أنثى.
يا أم الكَونِ ومَنْ عَليهِ
كُلُّ الوجودِ يَفنى
إلاكِ
يا طعمَ الأَرضِ السخيّةِ
أيتُها القدّيسَةُ
الخالدةُ في عِروقِنا
يا سرَّ الخَليقَةِ
وعِرجُونَها القَديم
اليومَ سَتُمطِرُنا السَّماءُ صِغاراً
لنعودَ وَنرتويَ
حَليباً طاهراً مِن نَهدِها
فالجّنةُ بأقدامِها التصقتْ
فلِننحنِ لجبينِها
ونُصلِ قُبلَتين


