مقتدى الصدر وعقيدة الدفاع عن المظلومين

مقتدى الصدر وعقيدة الدفاع عن المظلومين
يناقش النص عقيدة مقتدى الصدر في الدفاع عن المظلومين، مستعرضًا جذورها الفكرية ومظاهرها السياسية والاجتماعية منذ 2003 حتى اليوم، بما في ذلك مقاومة الاحتلال، محاربة الفساد، ودعم القضايا الإقليمية، مع تسليط الضوء على التحديات والتناقضات التي تواجه التيار الصدري في الواقع العراقي....

المقدمة

مقتدى الصدر ذو الخمسين عاماً ونيف هو ابن ذلك المرجع الشهيد الذي صدح صوته بـ”كلا كلا أمريكا، كلا كلا إسرائيل” في مسجد الكوفة المعظم، وهو الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدّس سره). من مدرسة والده استقى منهجه، ومن ميادين العراق المضطربة تشكل وعيه السياسي والاجتماعي والديني. لم يكن مقتدى الصدر مجرد وريث لاسم عائلي ثقيل، بل أصبح رمزًا لفكرة حية متجذرة في الضمير الشيعي العراقي: عقيدة الدفاع عن المظلومين. فما طبيعة هذه العقيدة؟ وما جذورها؟ وكيف ترجمت سياسيًا وميدانيًا منذ 2003 حتى اليوم؟

أولًا: الجذور الفكرية لعقيدة الدفاع عن المظلومين

إن عقيدة الدفاع عن المظلومين في التيار الصدري ليست موقفًا سياسيًا عابرًا، بل هي مبدأ ديني–أخلاقي مستمد من ثنائية “العدل والظلم” في الفكر الشيعي. لقد ركّز المرجع محمد محمد صادق الصدر على إحياء هذه الثنائية في سياق سياسي معارض لنظام البعث، ورافض للهيمنة الغربية. وعليه، حمل مقتدى الصدر هذا الإرث، ولكن في واقع سياسي ما بعد 2003، اتسم بالتعقيد الطائفي والاحتلال الأجنبي.

من هنا، لم يكن شعار “المقاومة” مجرد رفض عسكري، بل ترجمة حقيقية لعقيدة الدفاع عن المظلوم.

ثانيًا: مقتدى الصدر بعد 2003: من المقاومة إلى الزعامة

مع سقوط النظام السابق، تصدر مقتدى الصدر المشهد مبكرًا، وأسس “جيش المهدي” كأداة مقاومة ضد الاحتلال الأمريكي. وقد تعرض التيار الصدري لضربات قاسية في النجف والبصرة والكوفة، لكنها لم تفقده جماهيريته. بل على العكس، بدأت تتكون صورة “الزعيم الشعبي” الذي ينتمي للناس ويعبر عن مظلوميتهم.

كما دعم حركات احتجاجية واسعة ضد الفساد وسوء الإدارة، ورفع شعارات وطنية وحدوية، رغم خلفيته الدينية، مثل “كلا للفساد”، “كلا للمحاصصة”، و”إصلاح النظام”.

ثالثًا: البعد العابر للطائفة

منذ عام 2015، بدأ مقتدى الصدر يتخذ مواقف غير مألوفة لزعيم شيعي، فوقف إلى جانب مطالب السنّة في مناطقهم، ودعا إلى إنهاء التهميش. كما زار السعودية في رسالة سياسية لافتة. هذا التحول لم يكن تقلبًا، بل امتدادًا منطقيًا لعقيدة الدفاع عن المظلوم – أيًا كانت طائفته – في منظور “دولة المواطنة”.

وفي انتفاضة تشرين 2019، رغم المواقف المتباينة، لعب التيار الصدري دورًا مزدوجًا: دعم الحراك في بداياته، ثم سعى لاحتوائه خوفًا من الفوضى، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول ثنائية “الدفاع عن المظلوم” و”حماية الدولة”.

رابعًا: التناقض بين السلطة والعقيدة

لقد خاض التيار الصدري تجربة الحكم جزئيًا عبر مشاركته في البرلمان والحكومة، ما جعله عرضة للانتقادات حول التناقض بين الخطاب الثوري والواقع السياسي. هنا يطرح السؤال نفسه:

كيف يمكن لزعيم يدافع عن المظلومين أن يكون جزءًا من منظومة متهمة بإنتاج الظلم؟

الصدر حاول أن يعالج هذا التناقض من خلال إعلانه المتكرر عن الانسحاب من العملية السياسية، كما فعل عام 2022، معتبرًا أن النظام السياسي لا يصلح للإصلاح من داخله، بل يحتاج إلى “هزة شعبية سلمية” وفق تعبيره.

خامسًا: الصدر والمظلومية الإقليمية

امتدت عقيدة الدفاع عن المظلوم في خطاب الصدر إلى القضايا الإقليمية، فكان له موقف صريح من قضية فلسطين، داعيًا لمظاهرات في العراق دفاعًا عن القدس، ورفض التطبيع. كما عبّر عن تضامنه مع الشعوب المظلومة في اليمن والبحرين، من منطلق “إسلامي إنساني” لا “طائفي”، بحسب وصفه.

سادسًا: الدعم للجمهورية الإسلامية

رغم ما يُعرف عن التيار الصدري من ميل إلى الاستقلال عن النفوذ الإيراني في العراق، فإن مقتدى الصدر لم يتردد في اتخاذ مواقف داعمة للجمهورية الإسلامية في إيران عندما يراها تتعرض لما يعتبره “ظلمًا دوليًا”.

ففي عدة محطات سياسية وأمنية، دعا الصدر إلى مظاهرات شعبية في العراق تأييدًا للجمهورية الإسلامية، كان أبرزها بعد اغتيال قاسم سليماني في يناير 2020، حيث خرج أنصاره في مظاهرة مليونية رفضًا للوجود الأمريكي، في مشهد أعاد إلى الواجهة مبدأ “كلا كلا أمريكا”.

كما عبّر عن دعمه لإيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية، واعتبرها جزءًا من مشروع إخضاع محور المقاومة، وأخيرها وليس آخرها مظاهرات يوم امس الجمعة المنددة بالعدوان الاسرائيلي – الأمريكي على الجمهورية الاسلامية الإيرانية والتي جوبهت برد قاسٍ ويثلج القلب ضد هذا الكيان الغاصب لتكون بذلك ( الجمهورية الإسلامية ) في محور الحق المطلق ضد محور الباطل المطلق ؛ وبذلك يعد دعمها ونصرتها هو امتداد لعقيدته في الدفاع عن المظلومين.

الخاتمة

لقد نجح مقتدى الصدر في تحويل موروث والده الثوري إلى حركة سياسية واجتماعية ذات طابع شعبي، تستند إلى عقيدة واضحة: الدفاع عن المظلومين في الداخل والخارج. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجهه هو الاستمرار في هذه العقيدة ضمن واقع سياسي متقلب وملغوم بالمصالح والتوازنات.

إن تجربة مقتدى الصدر تمثل محاولة فريدة للجمع بين الخطاب الوطني والالتزام العقائدي الأممي، حيث لا يرى تناقضًا بين الدفاع عن “المظلومية العراقية” و”المظلومية الإسلامية” وقد يمتد إلى ابعد من ذلك إلى ” المظلومية الإنسانية ” ؛ فهل يستطيع التيار الصدري أن يبقى وفيًا لعقيدته، أم أن منطق الدولة سيتغلب على منطق الثورة؟ سؤال مفتوح أمام عراق لم تكتمل عدالته بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *