المقدمة
في يونيو 2025، اندلعت مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل استمرت اثني عشر يومًا، شكّلت علامة فارقة في تاريخ الصراع بين الجانبين. جاء هذا التصعيد بعد سنوات من الاشتباكات غير المباشرة والحروب بالوكالة التي شهدتها الساحات الإقليمية، خصوصاً في سوريا ولبنان والعراق. لكن المواجهة الأخيرة انتقلت إلى طور جديد، حيث تبادل الطرفان الضربات المباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، في مشهدٍ غير مسبوق منذ عقود. هذه الحرب القصيرة زمنيًا، الغنية استراتيجيًا، كشفت عن ملامح إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، كما طرحت أسئلة جديدة حول مستقبل الردع والأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، يتناول هذا التقرير تحليلاً استشرافيًا لمجريات الحرب ونتائجها، مع تسليط الضوء على موقع العراق في هذا الصراع المعقّد، وفرصه ومخاطره في المرحلة المقبلة.
أولًا: نتائج الحرب… من المنتصر؟
لا يمكن توصيف نهاية الحرب بانتصار حاسم لأي من الطرفين، بل كانت أقرب إلى نتيجة تعادلية مشروطة: – من جهة، تمكنت إيران من تنفيذ ضربات غير مسبوقة على العمق الإسرائيلي، استهدفت منشآت حيوية مثل مطار بن غوريون ومنشآت طاقوية قرب حيفا، وأثبتت قدرتها على تجاوز نظم الدفاع الجوي الإسرائيلي باستخدام صواريخ دقيقة ومسيرات متعددة الاتجاه. – ومن جهة أخرى، أظهرت إسرائيل تفوقًا استخباراتيًا وتكنولوجيًا مكّنها من توجيه ضربات دقيقة طالت مواقع نووية وعسكرية إيرانية، وأدت إلى مقتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري. إيران خرجت بانتصار سياسي ومعنوي، بينما حققت إسرائيل مكاسب تكتيكية واحتفظت بتفوقها النوعي. ومع ذلك، لم يتمكن أي طرف من فرض معادلة ردع جديدة، مما يُبقي الباب مفتوحًا أمام جولات قادمة من التصعيد.
ثانيًا: العراق بين الحياد والانخراط
رغم أن العراق لم يكن طرفًا مباشرًا في الحرب، إلا أن موقعه الجغرافي والسياسي جعله منخرطًا ضمنيًا في مساراتها: – تشير تقارير استخباراتية إلى استخدام أراضٍ عراقية لإطلاق مسيرات باتجاه أهداف إسرائيلية عبر الأراضي السورية. – تعرضت مواقع تابعة لفصائل الحشد الشعبي في غرب العراق لضربات إسرائيلية بدعوى مشاركتها في دعم البنية التحتية الإيرانية. – على المستوى السياسي، ظهر الانقسام واضحًا بين قوى تعتبر إيران حليفًا استراتيجيًا ضمن محور المقاومة، وأخرى تنظر بريبة إلى تداعيات هذا التحالف على السيادة العراقية. العراق اليوم أمام معضلة مزدوجة: فهو من جهة بحاجة إلى تحصين سيادته ومنع استخدام أراضيه كساحة للصراعات الإقليمية، ومن جهة أخرى لا يستطيع الانفكاك عن محيطه الاستراتيجي الذي يتداخل فيه الأمن والسياسة والمذهب والجغرافيا.
ثالثًا: سيناريوهات ما بعد الحرب
بناءً على نتائج الحرب وسياقها الإقليمي، يمكن استشراف عدد من السيناريوهات: 1. التصعيد المؤجل: في حال فشل الوسطاء الدوليين في ترسيخ تهدئة طويلة الأمد، قد تعود الحرب بوتيرة أعلى ووسائل أكثر فتكًا. 2. التهدئة المشروطة: قد تنجح الجهود الدبلوماسية في فرض خطوط حمراء جديدة تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. 3. الحروب بالوكالة المتجددة: قد تعود المعارك إلى شكلها السابق من خلال تصعيد في جبهات لبنان، سوريا، أو حتى العراق. 4. الانفجار النووي المحدود: إذا شعرت إسرائيل بأن البرنامج النووي الإيراني عاد للتقدم بسرعة، فقد تذهب إلى خيار الضربة الوقائية. كل هذه السيناريوهات تجعل من العراق نقطة تقاطع لا يمكن تجاهلها، مما يتطلب سياسة أمنية خارجية أكثر توازنًا وواقعية.
رابعًا: الفرص والمخاطر أمام العراق
▪ الفرص: – تعزيز موقع العراق كوسيط إقليمي بين طهران ودول الخليج. – استثمار الحياد الإيجابي لبناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف. – إعادة تعريف العقيدة الأمنية العراقية بما ينسجم مع التحديات الجديدة. ▪ المخاطر: – انجرار العراق إلى معركة بالوكالة، خاصة إذا توسعت الحرب أو استؤنفت. – انكشاف الحدود والأجواء العراقية أمام الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية. – تزايد الانقسام الداخلي وعودة الصراع الطائفي تحت تأثير الاستقطاب الإقليمي.
الخاتمة
أفرزت حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل ملامح نظام إقليمي جديد، يتسم بسيولة في التحالفات وهشاشة في قواعد الاشتباك. صحيح أن هذه الحرب انتهت دون إعلان هزيمة لأي من الطرفين، لكنها تركت آثارًا استراتيجية عميقة على بنية الأمن في المنطقة. العراق يقف اليوم على مفترق طرق حساس. فإما أن يُستدرج إلى أن يكون ساحة تصفية حسابات، أو أن يتبنى سياسة واقعية تجعل منه لاعبًا في مسار التهدئة، لا مجرد متلقٍ لتداعياتها. إن القدرة على تحويل الجغرافيا من عبء إلى رصيد، تتطلب إرادة سيادية وخطابًا وطنيًا جامعًا يتجاوز الاصطفافات الخارجية. لكن رغم كل الاحتمالات، تبقى الحقيقة الأوضح أن المنطقة لا تزال تقف فوق صفيح ساخن.
ومع بقاء التهديدات دون حلول جذرية، فإن احتمالية العودة إلى الحرب تظل قائمة، بل مرجحة. والمرة القادمة، إذا وقعت، فلن تكون كسابقتها، بل ستكون أكثر دموية، وأشدّ دمارًا، وقد تعيد رسم خرائط النفوذ لأجيال قادمة.


