في جميع الدول التي تسعى إلى إرساء دعائم دولة المؤسسات تُعدُّ العدالة الوظيفية أحد أبرز المعايير في إدارة المال العام، وأساسًا في بناء جهاز إداري متوازن ومستقر. ويتطلب هذا النهج وجود سلم رواتب موحد، قائم على أسس علمية تراعي الكفاءة، وطبيعة العمل، والخبرة، وليس الموقع الوظيفي أو الانتماء المؤسسي.
لكن في العراق حيث ما تزال الدولة في طور التكوين الإداري والمؤسساتي بعد عقود من التحديات، نشهد نمطًا مقلقًا في إدارة الموارد البشرية والمالية، يتجلى في فوضى المخصصات الوظيفية التي تحوّلت من أداة تحفيز إلى أداة تمايز، ومن وسيلة دعم إلى وسيلة تفكيك.
ففي بلد يرزح تحت وطأة العجز المالي وتوقف المشاريع التنموية تُصرف 100 تريليون دينار سنويًا على الرواتب الحكومية، منها 60 تريليون دينار مخصصات فقط تُمنح غالبًا بلا معايير واضحة أو تشريعات عادلة. ما يعني أن ثلثي كتلة الرواتب تقريبًا تُنفق كمخصصات لا كرواتب أساسية وهو أمر لا يمكن وصفه إلا بأنه خلل هيكلي في جوهر الدولة الوظيفية.
المشكلة ليست في حجم الرواتب بل في تمايز المخصصات بين الوزارات والمؤسسات. فبينما يتقاضى موظف في وزارة خدمية راتبًا محدودًا رغم امتلاكه شهادة جامعية وخبرة طويلة نجد زميله في وزارة أخرى قد لا تتطلب وظيفته جهدًا ميدانيًا أو مسؤوليات حيوية يحصل على أضعاف ما يحصل عليه الأول فقط لأن نظام المخصصات في وزارته أكثر “سخاءً”. وهكذا لم تعد الشهادة أو سنوات الخدمة أو حتى الكفاءة هي معيار الأجر بل “الانتماء المؤسسي”.
ما الذي ترتب على هذا التمايز؟
اولاً: ظهور “طبقية إدارية” داخل الدولة حيث تشكّل موظفو الوزارات ذات المخصصات المرتفعة طبقة ذات نفوذ اقتصادي أعلى من زملائهم في باقي مؤسسات الدولة.
ثانيًا: نزوح الكفاءات من الوزارات الخدمية كالصحة والتعليم والزراعة إلى “وزارات الامتيازات”، ما أدى إلى شلل إداري في المؤسسات التي تعتمد على الخدمة المباشرة للمواطن.
ثالثًا: تعميق فجوة العدالة الوظيفية مما خلق حالة من الإحباط واليأس داخل الطبقة العاملة في القطاع العام، وأضعف الدافع الإنتاجي لديها.
رابعًا: فقدان الدولة القدرة على التوظيف النوعي لأن المعيار الاقتصادي بات غير عادل ولا محفّز.
لكن الأخطر من كل هذا، أن العراق اليوم في مرحلة النهوض والبناء البطيء، وكان من المنطقي أن تُمنح الوزارات الخدمية — مثل الإعمار، الصحة، التعليم، الزراعة، البلديات، الصناعة — مخصصات أعلى، لتكون قادرة على تحفيز الكفاءات وتحشيد الطاقات البشرية المطلوبة لمرحلة ما بعد الحرب، والبناء المؤسسي، وتوسيع الخدمات العامة.
هذه الوزارات يفترض أن تكون هي القاطرة التنموية للبلد، وحرمانها من نظام مخصصات عادل جعلها تُفقد كوادرها تدريجيًا، وتتحول إلى بيئات طاردة للكفاءات. وهكذا تُركت مؤسسات البناء بلا بنّائين، بينما ذهب المال العام إلى مؤسسات غنية بالإيرادات و”الامتيازات”، ولكنها لا تُنتج تنمية مباشرة.
النتيجة؟
ميزانيات مرهقة، مشاريع متوقفة، خدمات متراجعة، وقطاع عام متخم بالأجور لكنه هش بالكفاءة. ورغم كل هذا، تستمر الأزمة المالية ويُرمى باللوم على السوق والنفط، بينما تكمن الأزمة الحقيقية في سوء الإدارة وفوضى السياسة المالية.
الحل؟
ليس بالتقشف بل بإعادة الهيكلة.
نحتاج إلى قانون مركزي عادل وشفاف يُوحّد سلم الرواتب والمخصصات، ويربطها بمعايير حقيقية مثل (الشهادة – طبيعة العمل – الموقع الجغرافي – درجة الخطورة – الأداء والإنتاجية). نحتاج إلى نظام وطني للموارد البشرية ينهي عبث المخصصات ويعيد للوظيفة هيبتها وعدالتها.
في النهاية لا تنهار الدول بسبب نقص المال… بل بسبب سوء توزيعه.


