في الوقت الذي نبارك فيه للكاتب الصديق عبد الأمير المجر صدور مجموعته القصصية للأطفال ، سلحوف الماكر ، نود أن نبين بعض الملاحظات عنها ، وقبل هذا نشير إلى ما يأتي :
أولا: القيم بغض النظر عن نوعها وتوصيفها لا يمكن أن تكون مطلقة متماثلة عند جميع الأمم والمجتمعات في مفهومها وفهمها وتطبيقها ، وبالتالي يمكننا أن نجد أن قيمة أو سلوكاً ما ، في مجتمع معين ، غير مرغوب فيه، لكنه يعد مقبولاً في مجتمع آخر .
ثانياً: لحظة الشروع في فعل يرتبط بقيمة معينة ، يخضع لإعتبارات عديدة ذات صلة بالظرف والزمان والمكان ، فمحاولة إنقاذ من أشرف على الغرق مثلاً من قبل من لا يعرف السباحة يعد غباء حين يلقي بنفسه في النهر ، لكنه حين يلقي بطوق نجاة أو لوحاً من الخشب إلى من أشرف على الغرق يعد سلوكاً ذكياً ومقبولا، إذ لايمكن هنا عد حسن النية أو الأستجابة الطبيعية من غير تفكير مقياساً لصحة السلوك .
ثالثاً : ليس شرطاً توصيف سلوك ما بأنه دال على المكر والخديعة وبالتالي يعد مذموم ومرفوض اجتماعياً ، إذ يتوقف ذلك على تعريف وفهم معنى الحيلة ، فهي أحياناً تكون دالة على الذكاء المفرط وسبيلاً للخلاص والفوز ما دامت مشروعة .
الحرب مثلاً خدعة وحيلة ، وفي كرة القدم ولأجل تحقيق الفوز يحتال اللاعب الماهر ويمكر ويراوغ خصمه ويوهمه ، فالتوصيف الصحيح لما قام به هذا اللاعب يسمى مهارة وفن .
ما تقدم من أمور ربما لم يلتفت إليها الكاتب أو قد لا تعنيه، باعتبار أن المخاطب والمستهدف بهذه القصص هو الطفل العراقي لا الأجنبي ، وهنا نقول إن أدب الأطفال بالعموم يجب أن ينطلق من حقيقة أنه خطاب عالمي يتبنى مشتركات إنسانية عامة تحث عليها كل الشرائع والديانات السماوية فضلاً على نظريات التربية الوضعية .
بضوء ما تقدم يمكننا الأشارة إلى ما ياتي عن قصص المجموعة :
* قصة سلحوف الماكر
وصف سلحوف ب ( الماكر/ المخادع) بافتراض أنه خدع صديقه أرنوب لغرض الوصول إلى هدفه ( البطيخة) ليس صحيحاً واقعاً ، هو كان ذكياً في مقابل خصماً غبياً، على وفق مفهوم الصراع والتنافس بشكلهما المجرد من العواطف والمثل والقيم التي لا معنى لها هنا تحديداً .
* قصة قنفوذ يلعب الكرة
١- الجهد الذي بذله قنفوذ للوصول إلى الساحة والمشاركة في اللعب يعد سلوكاً صحيحاً.
٢- تعنيف الحكم لقنفوذ يعد سلوكاً مدان وكان الأجدر به وقبله أم قنفوذ التي اشترت له الملابس والحذاء الخاصة بكرة القدم ، تعليمه أصول وسياقات اللعبة ، والحضور الميداني معه للساحة وعدم تركه لوحده .
٣- لم يبين لنا الكاتب جنس الفريق ، هل هم قنافذ أم أرانب أم ماذا !؟ كذلك جنس الحكم أرنب ، هدهد ، حمار !؟
٤- كشف الكاتب عن جنس مدرب فريق واحد وهو الدب ، فماذا عن جنس مدرب الفريق الاخر !؟
٥- بيان جنس اللاعب والمدرب والحكم يترتب عليه أمور كثيرة ذات صلة بالسياق العام للقصة ، يختلف باختلاف الجنس قطعاً ، أما كيف فنوضح ذلك :
١- لو كان الجميع ( لاعب ، مدرب ، حكم ) قنافذ لكان سلوك قنفوذ يحتمل امرين ،
الأول/ سلوك صحيح لأنه أي قنفوذ في بيئته الطبيعية ومجاله الحيوي .
الثاني/ غير صحيح لأنه دخل الملعب من دون إذن من المشرف على اللعب .
اما لو كان الجميع ( لاعب ، مدرب ، حكم ) أرانب ، أو خنازير أو سلاحف لكان سلوك قنفوذ غير صحيح تماماً ، لأنه لا ينتمي لهذه البيئة وليست مجاله الحيوي .
قصة سلمى والعصافير
١- الجملة التي قالتها سلمى (ولماذا يا أمي ؟ الديهم مناسبة فرح؟ ولماذا لا يرقصون ويغنون بدلاً من ذلك ؟ ) لامعنى لها ولا تتصل بثيمة القصة وسياقها العام ، فضلاً على ان سلمى لا تفكر بهذه الطريقة ، والصحيح أن تخبرها أمها عن سبب إطلاق النار من قبل الصيادين ، وهو صيد الطيور ، لكي تستقيم القصة وتتسق الثيمة مع سياقها العام ويبرر خوف سلمى على العصافير ، حين كانت تحلم .
قصة شجرة النبق الطيبة
١- لوم الفلاح للصغار على فعلتهم وطلبه منهم الأعتذار من الشجرة وسقيها الماء ، فحسب ، لا يوصل قيمة ما ، وينضوي تحت عنوان التوبيخ ، من دون تعليم عبر حوار منتج ، وهو ليس حلاً ولا يفصح عن قيمة تعليمية حقيقية .
٣- كان الأولى بالفلاح محاورتهم
( كما أرى ) بالصيغة الأتية :
سألهم الفلاح قائلاً :
ما قولكم بثمرة النبق يا أولاد ؟
أجابه أحدهم :
هي لذيذة بلا شك وطعمها طيب .
ومن أين تحصلون عليها ؟
رد آخر:
نحصل عليها من الشجرة .
قال الفلاح :
لكن أغصان الشجرة عالية ، فكيف تقطفون النبق منها؟
قال ثالث :
نتسلق الشجرة ونقطف النبق .
فقال الفلاح :
لكن الولد قد ينزلق وتكسر ذراعه أو رجله .
فقال رابعهم :
نستعمل السلم للوصول إلى النبق ونقطفه .
رد عليه الفلاح بقوله :
الشجرة ليست كمثل الحائط ، واغصانها متحركة لا تثبت ، وقد يسقط الولد من على السلم ويحصل له مثلما حصل لمن تسلق الشجرة .
فقال الأولاد بصوت واحد :
إذن نضرب الأغصان بعصاً طويلة ويساقط علينا النبق .
فقال الفلاح بعد أن جلس على الأرض:
لا يا أولادي ، لا يمكنكم الحصول على ما تريدون بايذاء الأخر ، ثم أن الشجرة تحتاج منا التعامل معها بلطف ، ولا يجوز ايذائها بالضرب أو القطع .
أنتم تلعبون كرة القدم ، أليس كذلك ؟
رد الأولاد: نعم ونستمتع باللعب .
جيد أود أن أسألكم :
ما جزاء من يضرب خصمه من الفريق الأخر ؟
قال الأولاد : الإنذار طبعاً.
فأن كرر فعلته هذه ؟
قال الجميع : الطرد والحرمان من اللعب مرة أخرى .
قال الفلاح : لكن الشجرة طيبة القلب ، ولم تحرمكم من النبق اللذيذ ، وقد سامحتكم على فعلتكم حين ضربتم صغارها الأغصان ، وعليكم الأعتذار منها ، وعدم تكرار ذلك ابدأ ، وبأمكانكم الحصول على النبق الناضج الذي يساقط منها كلما هزتها الرياح .


