فواجع العراقنامه.. قراءة في المجموعة الجديدة للكاتب محمد الكاظم

فواجع العراقنامه.. قراءة في المجموعة الجديدة للكاتب محمد الكاظم
ينماز الكاتب محمد الكاظم بأسلوب تجريبي خاص في كتابة القصة القصيرة، تفرد به عبر اشتغاله على الشكل والفضاء المجاور للنص فهو يعمد الى الاشتغال على...

ينماز الكاتب محمد الكاظم بأسلوب تجريبي خاص في كتابة القصة القصيرة، تفرد به عبر اشتغاله على الشكل والفضاء المجاور للنص فهو يعمد الى الاشتغال على تفجير طاقة الشكل لخدمة المضمون، فضلاً على توظيف الرسائل النصية والبروفايل والصورة والوثيقة، بطريقة مدهشة على الرغم من صعوبة التعامل معها من قبل القارئ في أول الأمر لكنه سرعان ما يتفاعل معها، فتراه مشدوداً لها، مقبلاً عليها متماهياً مع النص مشاركاً فيه بوجدانه واحاسيسه الداخلية.

التجريب في الرواية والقصة صعب إلى حد ما، يختلف بطبيعة الحال عن الفنون التشكيلية كالرسم والنحت، لكن إصرار الكاظم وصبره بلا كلل أو ملل منذ ما يقرب من العقد من الزمن سيجعل من مشروعه متجسداً ومكتملاً، وفي متناول يد القارئ وبالتالي الناقد والباحث العلمي.

لقد تضمنت مجموعة محمد الكاظم الجديدة (كتاب العراقنامه، وبذيله مدونات الفرقة الناجية بالصدفة) الصادرة عن دار الورشة ببغداد مجموعة من الكتب الفرعية وهي: كتاب العراقنامه، وكتاب مقاطع عرضية لذاكرة مستطيلة، وكتاب قصص السواد الاشتراكية، وكتاب مدونات وحيدة المتروك، وكتاب الزعباط، وكتاب خيبة الظنون.

وسأتوقف عند نصين من هذه المجموعة، ففي قصة (المكان الآمن) تحدث الكاتب عن الانفجارات التي كانت تشهدها بغداد، ويصرح الكاتب عبر تلك القصة عن نوعين من السرد، اجترحتُ لهما عنوان: سرد ما قبل الفجيعة، وسرد الفجيعة. في تلك هذه القصة ثمة عالمُ ما قبل الانفجار التي تبدو صوره يومية وطبيعية ولا تلفت الانتباه، لكنها تفصح عن: فوضى وخيبات ولوعات وآمال صعبة المنال، يسبقها دائماً سين التسويف. هذا العالم الساكن له الكثير من الابعاد منها أبعاد سياسية مهزوزة مشكوك في نواياها مثل صور المرشحين للانتخابات المعلقة على الأعمدة، والمدججة بالشعارات الرنانة (عمال ينصبون إعلانا كبيراً يظهر فيه سياسي بابتسامة لطيفة اسمه  العبادي يدعونا لانتخابه)، كما ان لذلك العالم ابعاد اجتماعية راكدة لا حياة فيها (مراهقون يأكلون سندوتشات الفلافل ويضحكون)، (امرأة تقف أمام عربة بائع الثياب المستعملة وتحاول أن تقيس الثياب على طفلين يرافقانها)، وله ابعاد دينية تنبئ بصراع قادم لا محالة (شباب يحملون سلالم ويعلقون مصابيح كهربائية على منارة المسجد القريب)، وصورة لحب خائف مستتر لا يتحرك نحو هدفه (شاب يقف عند ناصية الشارع وعيونه مشدودة إلى شباك يظهر من خلف ستارته وجه انثوي غض وجزء من ثوب أحمر). وصورة مكررة لقِطة تبحث عن مكان آمن لصغارها.

اما عالم ما بعد الانفجار فهو يفصح عن خواء وحرائق ونكبات وفواجع وسواد وبكاء وهموم وحواسم وفساد وضياع ((لا أولاد يأكلون سندوتشات … أبناء الحي وضعوا على بقايا حائط المسجد قماشاً أسود علقوا عليه لعب أطفال وبالونات وصوراً لأطفال صغار … هناك باص محترق أمام بقايا الكنيسة…وتكاتك محترقة …احترق الدكان والفرن ومحل الفلافل وبسطية الثياب المستعملة… مشتري المواد المستعملة اكتفى بتفكيك حديد لافتة  العبادي التي سقطت على الارض. لم يكن هناك سوى ولد يقف على ناصية الشارع وعيونه مشدودة إلى شباك يظهر من خلف ستارته وجه انثوي، كان كلاهما يرتدي السواد.القطة تحاول الحفاظ على توازنها وهي تسير على حائط بعيد وهي تحمل مولودها الصغير بفمها وتحاول نقله إلى مكان آمن آخر))

اما في قصة (بغداد – فرانكفورت) فقد اتقن الكاتب لعبة إيهام القارئ ببراعة حين جعله يصدق أن عبد العظيم وابنه حازم في فرانكفورت، ومن هناك كان يبعث برسائل جوابية لزوجته وداد في بغداد. محتوى هذه الرسائل كما ارى يمكن ان يكون رواية قصيرة يمكن تجنيسها ضمن ما يسمى بأدب الرسائل.

لم تكن هذه الرسائل واضحة تماماً فقد مارس فيها الكاتب لعبته بقصدية وأراد من خلالها الكشف عن عمق مأساة عائلة عراقية، وقد بلغت القصة ذروتها حين تمكن الكاتب من إيهام القارئ أن حازم قد مات ودفن في فرانكفورت، ثم نكتشف أن عبد العظيم قد جن جنونه واعتزل الناس والحياة في غرفة أحكم اغلاقها في شقته التي تقابل شقة وداد في الجانب الآخر من المبنى، وتبلغ الذروة ذروة أخرى غير متوقعة حين يكشف لنا الكاتب في قصة تالية اسمها (امور نسائية) أن (عبد العظيم ووداد وحازم) أسرة عراقية لم تهاجر أصلاً إلى المانيا وان كل الأحداث حصلت في بغداد وفي شقة عبد العظيم، وشقة حازم التي اشتراها له في الطابق السادس نفسه الذي يسكنه عبد العظيم.

تمكن الكاتب أيضاً بأسلوبه التجريبي الذي تفرد به من توظيف البروفايل والرسائل النصية جوار هذا النص لينفتح المعنى والدلالة على مضمون أوسع من الفجيعة والهم العراقي ليشرك به أكثر من أسرة عربية تعاني من ذات الهم والفجيعة، حين صارت وداد العراقية ام حازم (موجة ام حازم العمانية، ووصيفة ام حازم الليبية، ولواحظ ام حازم المصرية، وبسيمة ام حازم الفلسطينية، والعنود أم حازم السعودية) وفي ذلك دلالة معاناة النساء جميعاً اوجاعالفقدان وخسارة الأبناء.

(كتاب العراقنامه) مجموعة قصصية ثرية ومترعة وغنية في مضامينها، ستلقى حتماً اهتماماً خاصاً من النقاد والباحثين في مجال السرد، وارى أنها بلغت رسالة الكاتب ومشروعه بكفاءة وحرفية عالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *