في قراءة الموروث الديني.. دروسٌ للمُعتبر

في قراءة الموروث الديني.. دروسٌ للمُعتبر
لا يمكن للإنسان بصفةٍ عامة، أن يُدير ظهره تمامًا لما ورثه من الماضي، من تجارب وخبرات، وأفكارٍ يمكن له أنْ يستعينَ بها في حاضره، ويعرفَ من خلالها كيفيةَ...

لا يمكن للإنسان بصفةٍ عامة، أن يُدير ظهره تمامًا لما ورثه من الماضي، من تجارب وخبرات، وأفكارٍ يمكن له أنْ يستعينَ بها في حاضره، ويعرفَ من خلالها كيفيةَ إدارةِ مُشاكله الراهنة، وهذا القول لا يُساق على نحو الادِّعاءِ النظَري فحسب، بل يُعدُّ منهجًا لكلِّ من يريد أنْ يربح الوقت في أقلِّ الخسائر التي يُقدِّمها، وعلى هذا لا نجدُ عالِمًا من العلماء في أيِّ اختصاصٍ من الاختصاصات، إلا وأطال النظر فيما سطَّرهُ السابقون من علماء وباحثين في المجال الذي يخوض فيه، فأخذَ ما رآه صالحًا من النتائج التي توصَّلوا إليها، وأثبتتْ التجاربُ صحّته، وترك ما سواه.

ومن هذه المقدِّمة، نستطيع القول: إنَّ النظرَ في التراث العربي، لاسيَّما في موروثه التاريخيِّ والروائي، زادٌ للمتبصِّر وميدانٌ واسعٌ للمستفيد من تلكم المعارف التي دخلتْ بوّابة التراث من أوسعِ أبوابه، ففي ذلك الموروث ما يدفعنا لأنْ نُعيدَ النظرَ في حاضرِنا، ونُحاكمَهُ في ضوء تلك الدلالات الرحيبة الراشحة من تأمّلنا لذلك الموروث. ومن هذا الباب، أشار القرآن الكريم مُصرِّحًا بالغاية التي من وراء القصِّ القرآني لمن ذكرهم من أنبياء وصدِّيقين وصالحين وغيرهم ممّن يقف في جبهة الباطل، وهي الاعتبار وعدم الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه الغابرون.

نخلص من كلِّ ما ذكرناه آنفًا، أنَّ “التراثَ” – هذه الكلمة التي يشنُّ الحداثيون وأدعياؤها أينما نجدهم، الحمَلات الظالمة، والدعوات لكنسه، أو للقطيعة معه في أحسن الأحوال – فيه من الصفحات المُشرقة، ما تجعلنا نكشف إلى أيِّ مدىً شطَّ بنا الجهلُ والتخلُّف والتخندقُ في خنادق وهمية لم تكن غير أيادينا التي صنعتها، فحين نتأمُّل في صحائف التاريخ عمّا كان عليه رُوّاد الإسلام الأوائل، فيما عبّروا عنه من توجّهات وآراء، ستكشف لنا بوضوح ما رتعنا فيه من جهلٍ وخيم، وظلمٍ ارتكبناه بحقِّ إنسانيّتنا ادّعاءً بأنّنا على خطى تلكم الرموز، في حين أنَّ السلوك يكشف زيف ذلك الادّعاء..!

ولعلَّ الخوضَ في بيان أصالة الفكرة التي نريد إثباتها، يتطلّب الكثير من الشواهد، ولكن سنقتصر – لضيق المقام – على واحدٍ من المصادر التي أخذتْ مكانتها المهمة في المكتبة الإسلامية، سيضعنا أمام تمثّلات الفكرة التي شَرَعنا في بيانها، وأعني به كتاب “نهج البلاغة” بما فيه من مروياتٍ وخطبٍ ورسائلَ وكلماتٍ قصار فضلاً عن حوارات كانت للإمام عليٍّ (عليه السلام) تضعنا وجهًا لوجهٍ مع سيرة الإمام علي (ع) أقرب الناس وأحبِّهم إلى النبي الخاتم رسول الإنسانية والسلام محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأنَّ المسلمين على اختلاف مذاهبهم والفِرق التي صاروا إليها، لم يختلف أحدُهم على خصال أبي الحسين من شجاعةٍ وإخلاصٍ، وصدقٍ في القول والفعل، واندفاعٍ لنشر قيم الإسلام ومبادئه السمحاء دفع دمه الزكيَّ لأجلها، كان لنا أنْ نختارَ مواطنَ مختلفةً من هذا الكتاب، ونُقف على دلالتها بالتعقيب الذي يمثِّل استخلاصًا يكشف لنا ما كان الإمام عليه من خصالٍ ومبادئ سامية، وما صِرنا إليه – مجتمعًا وقادةً – من حالٍ لا يكشف غير ابتعادنا عن ذلك النهج الإنسانيِّ القويم.

 الموطن الأول: ((وقَالَ ع وَقَدْ لَقِيَهُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى اَلشَّامِ دَهَّاقو اَلأَنْبَارِ، فَتَرَجَّلُوا لَهُ، وَاِشْتَدُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ (ع) : مَا هَذَا اَلَّذِي صَنَعْتُمُوهُ..؟ فَقَالُوا: خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا فَقَالَ ع: وَاَللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ وَمَا أَخْسَرَ اَلْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا اَلْعِقَابُ وَأَرْبَحَ اَلدَّعَةَ مَعَهَا اَلْأَمَانُ مِنَ اَلنَّارِ..!)).

وهنا – في هذا المورد- نجد الإمام (ع) لم يغضَّ النظر عن سلوك هؤلاء التُجّار من أعيان الأنبار، ممّن استقبله بكلِّ حفاوةٍ وترحيب، بل جعل ذلك الترحيب المُبالغَ به، سببًا لتوبيخهم أبلغ التوبيخ، وأعرَبَ لهم عن سببِ رفضه لمثل هذا الترحيب، بوصفه سلوكًا فيه من التصنُّع الشيء الكثير، ويُفضي في الوقت نفسه، إلى شعور الحاكم، بأنَّه المُبجَّل المُعظَّم الذي ينبغي لرعاياه أنْ ينحنوا أمامه إجلالاً لقدره، وخشيةً من سطوته، وهذا الشعور ما يأباه الإمام، ويرفضُ أنْ يكون أتباعُهُ مدجّنين على هذا السلوك الذي ذمَّه القرآن الكريم في موارد كثيرة، وجعله سببًا لتمادي الظلمة، وذلك في قوله تعالى: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ))  [سورة الزخرف: 54] ولأنَّ الإمام لا ينظر إلا للمدى البعيد، فيما سيتأسّسَ على هذا السلوك من سُنّةٍ ستكون للخلفِ من هذا السلف؛ فلذلك رفضَ مثل هذا الترحيب الذي سيعود عليهم قبل غيرهم بالظلم والإجحاف.

الموطن الثاني: ((ومن كلام له عليه السلام وقد سمع قوما من أصحابه يسُبُّون أهل الشام أيام حربهم بصفين: “إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي اَلْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي اَلْعُذْرِ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اَللَّهُمَّ اِحْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاِهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ؛ حَتَّى يَعْرِفَ اَلْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ اَلْغَيِّ وَاَلْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ))

وهذا المورد، ينقلنا إلى مشهدٍ آخر، من مشاهد التعامل الحياتي للإمام علي (ع) مع أصحابه الذين اشتركوا معه في السرَّاء والضرَّاء، وهم الآن يبذلون معه الأرواح امتثالاً لأمره في قتال جبهة البغي والضلال ممثّلةً بجبهة معاوية ومن تبعه من أهل الشام، فكلامُهُ في هذا المورد لم يكن، إلا لنهيهم عن هذا الكلام الذي يؤدِّي بهم إلى الإسفاف في السلوك، فالكلامُ ليس إلا وجهةً أخرى لشخصية المسلم، وواحدةٌ من المآخذ التي يُحاسب عليها الإنسان المسلم في آخرته، ما يصدر عنه من قولٍ أو فعل، وهذا ما تشهد له آياتٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم، منها: ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) [سورة ق: 18] فضلاً عن آيات كثيرة تصف سوء عاقبة الذين يفترون على الله الكذب، أو الذين ينالون الناس بألسنتهم بالباطل، ولعلَّ قوله “أكرهُ” بيان لحكم الكراهة وليس الحرمة، في النيل من أتباع الباطل، فالكراهة هنا؛ لأجل ما يرغب الإمام في تحقيقهِ من تأسيسه لجماعةٍ صالحة تربأ بنفسها عن الخوض بالكلام الفاحش أو الذي لا يخرج عن دلالة السبِّ البذيء، إيمانًا منه بأنَّ المسلم، حتى في خلافه مع الآخر، لا يخرج عن دائرة الأدب والخُلُق الرفيع، ولا يُسوَّغ له بأي حالٍ من الأحوال، أنْ يتنازل عن مبادئه التي استقاها من القرآن الكريم، وسيرة النبيِّ الكريم، فلذلك نهاهم عن هذا السلوك اللفظي، وفي قبال ذلك، كان له أنْ يضع لهم بديلاً عنه، ممثّلاً بعرض ما صدر عن أهل الغيّ والباطل من أفعال تكشف زيف ادِّعائهم بمبادئ الإسلام، وما كانوا عليه من حالٍ يصوِّر حقيقة ما ركسوا فيه من زيغٍ وانحرافٍ، فهذا القول يجده الأجدى أثرًا، والأنفع في خضمِّ المواجهات القائمة بين الفريقين؛ لتكشف للطرف المحايد من هو الذي يُمثِّل قيم الإسلام ومبادئه..؟ ومن الذي ترجم سنّة النبي المصطفى فيما أمر به ونهى عنه..؟ ولتعرف الأجيال، حين تطالع سيرة الفريقين، من كان أحدهما يترجم مبادئ ذلك الدين وأدب سيرة حامله في سلمه وفي حربه..؟ ويختم ذلك التوجيه بأنْ يوجِّههم للدعاء، بوصفه الوسيلة التي تربط المسلم بالسماء، ولإشعارهم أنَّ الهداية توفيقٌ من الله لا يأتي جزافًا، بل يتطلّب المقدِّمات لتحقيق تلك الهداية في معرفة الحق والنأي عن الباطل.

الموطن الثالث: ((ومن كلامٍ له عليه السلام بالبصرة، و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي، وهو من أصحابه يعوده، فلما رأى سعة داره قال: مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ اَلدَّارِ فِي اَلدُّنْيَا أَمَا أَنْتَ إِلَيْهَا فِي اَلْآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا اَلْآخِرَةَ تَقْرِي فِيهَا اَلضَّيْفَ وَتَصِلُ فِيهَا اَلرَّحِمَ وَتُطْلِعُ مِنْهَا اَلْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا اَلْآخِرَةَ، فَقَالَ لَهُ اَلْعَلاَءُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بْنَ زِيَادٍ. قَالَ: وَمَا لَهُ..؟ قَالَ: لَبِسَ اَلْعَبَاءَةَ وَتَخَلَّى عَنِ اَلدُّنْيَا، قَالَ عَلَيَّ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ، قَالَ: يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ، لَقَدِ اِسْتَهَامَ بِكَ اَلْخَبِيثُ أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ ووَلَدَكَ..؟ أَتَرَى اَللَّهَ أَحَلَّ لَكَ اَلطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا..؟ أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ..؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ..؟ قَالَ: وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ إِنَّ اَللَّهَ فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ اَلْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ اَلنَّاسِ كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ))

وهذا الموردُ أيضًا، يكشف لنا وجهًا إنسانيًا آخر من وجوه التعامل العَلَوي مع أتباعه، فهو لا يرضى لهم أنْ يعيشوا فقراء مُدقعين، بحجّة أنَّهم يتمثّلون سيرته، ويتّبعونه فيما كان عليه من زهدٍ، بل كان عليه السلام، يريد لهم العيش مرفّهين، ينعمون بالحلال من كدِّ أياديهم، امتثالا لقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) [الأعراف: 32] ولم يكن الإمام ليرضى على أتباعه، أن يعيشوا حياة الزهد التي يعيشها، وإنْ كان ذلك في ظاهره، يُعدُّ مكسبًا لكل قائدٍ في جماعته، وهذا ما نجده في عصرنا، حين يتباهى القائد الفلاني، أنَّ أتباعه يحذون حذوه فيما يصدر عنه من سلوك، ولكن الإمام علي (ع) لم يكن يرضى أنْ يعيش أتباعه حياة الكفاف، بما يؤدِّي ذلك السلوك، إلى تقصيرٍ مع من وجب عليهم رعايتهم من أهلٍ وأولاد، فلا يُسوِّغ فعل الزهد – مهما كان ذلك بعيدًا عن زخارف الحياة ومُتعها- بما يكون سببًا في تعريض الأقربين لذلِّ السؤال، وطلب الحاجة. وهو إذ يرفض مثل هذا التأسّي بسيرته، يُعرب لمن تأثّر بتلك السيرة، وأراد ترجمتها في سلوكه، أنّه إذ زهد فيما بين يديه، ولم يُعِر الدنيا طرفة عين منه؛ لأجل بيان أنَّ المسؤولية تُحتِّم عليه أنْ يكون مثالاً في الزهد والكفاف؛ لأجل أنْ يكون الفقير من مواطنيه، ممّن قُدِرَ عليه رزقه، غير آسفٍ على حياته، حين يجد أعلى رمزٍ في بلاده، ممثّلاً بالحاكم الأعلى، لم يعش إلا حياة أبسط الناس في بلاده، وهذا الشعور الإنساني إنَّما يتحسَّسهُ الإمام ليواسي به أولئك الذين لم يكن لديهم من سعة الرزق ما يتيح لهم العيش برفاهية، وهذا الشعور لا يتأتّى إلا لمن ارتقى في مدارج الكمال الإنساني، ولم يجد المكانة التي وصلها إلا مسؤولية تُحتِّم عليه الشعور بأعلى قدرٍ من التضحية بملذّات الدنيا، ليواسي بذلك الزهد الفقراء، ممّن يُؤرِّقُ الإمام معاناتهم، وذلك في قوله من رسالته لعثمان بن حنيف عامله في البصرة: ((… ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع..)) فأراد أنْ يكون قريبًا من شعورهم، بأنْ تكون سيرته مثار سكينةٍ لهم واطمئنان، وهذا لكونه الحاكم الأعلى، ومثل هذا الشعور مسؤولية الحاكم وليس واجبًا على غيره أن يكون على هدي هذه السيرة.

الموطن الرابع: قال عليه السلام، بعد أنْ دخل عليه حجر بن عدي و عمرو بن الحمق وغيرهما، فسألوه عن أبي بكر وعمر ما يقول فيهما..؟ وقالوا: بيِّن لنا قولك فيهما وفي عثمان..؟ قال علي عليه السلام: وقد تفرّغتم لهذا وهذه مصر قد افتُتِحت، و شيعتي فيها قد قُتِلت. إنّي مخرجٌ إليكم كتابا أُنبِّئُكم فيه ما سألتموني عنه فاقرؤوُهُ على شيعتي.. فأخرج إليهم كتابا [جاء في ضمنه]: ((…. فلمّا مضى صلّى اللّه عليه وآله وسلم، تنازع المسلمون الأمر بعده. فو اللّهِ ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر على بالي أنّ العرب تعدل هذا الأمر عنّي. فما راعني إلاّ إقبالُ الناس على أبي بكر. و إجفالهم عليه. فأمسكتُ يدي، ورأيت أنّي أحقُّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم في الناس ممّن تولّى الأمور عليَّ. فلبِثْتُ بذلك ما شاء اللّه حتّى رأيت راجعةً من الناس رجعتْ عن الإسلام، يدعون إلى محو دين محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم وملّة إبراهيم عليه السلام. فخَشِيتُ إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى في الاسلام ثلما وهدمًا تكون المصيبةُ به عليَّ أعظمَ من فوتِ ولاية أمرِكم الّتي إنّما هي متاعُ أيّام قلائل، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب. فمشيتُ عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت معه في تلك الأحداث حتّى زهق الباطل)) .

وفي هذا المورد، نجده عليه السلام، كيف كان يتعامل مع أقرب أصحابه إليه، حين دعوه إلى أنْ يتحدَّثَ لهم عن الخليفتين: الأول والثاني، في كلامٍ لا يجد فيه الإمام أي منفعةٍ لواقعه، أو للمنعطفات التي يمرُّ بها في عصره، من أزمات، ومما تعرّضَ إليه أصحابه في مصر من قتلٍ على يد أعدائه، ما جعله ينأى بنفسه عن الخوض في مثل هذا الكلام، بما يدلُّ بوضوح على زجرٍ بليغٍ صدر منه لهؤلاء المقرّبين منه، مؤدّاه أنْ لا يكون الماضي تُرسًا للجماعة تعود إليه في نزاعاتها مع الخصوم، فإشكاليات الحياة الراهنة التي يعيشها أولئك الأتباع، أولى بالنظر والفهم؛ للخروج منها بأقلِّ الخسائر، فضلاً عمّا في إثارة هذا السؤال، من شقاقٍ في داخل الصفِّ الإسلامي الواحد، بما لا يتحمله واقع الحياة السياسية المتأزمة في عصر الإمام علي (ع) وهو يجهد في كل ما يبذله، أن يعود المسلمون فرقةً واحدة يسودها الإخاء والمودّة تحت راية القرآن الكريم.

ولعلَّ بيانه لهم، فيما كتبه من رسالةٍ، جاء لإيضاح أنَّ المصلحة العليا المتمثلة ببقاء الإسلام، هي التي دفعته أنْ يبايع الخليفة الأول، في سبيل تضييع الفرصة لمن تربّص بالإسلام وأهله، وأراد محوه من مرتدّين رجعوا إلى كفرهم بمجرد أنْ رحل الرسول الخاتم إلى بارئه، فكان له أنْ يضع يده بيد الخليفة الأول أبي بكر الصديق، وينأى عن كلِّ ما يُعكِّر صفو ذلك الجمع المُهدَّد بالمحو من الذين ارتدوا على دينهم، إنْ بقي وثلّةٌ قليلة من أتباعه يُعارضون الخليفة، وهو شعورٌ بالمسؤولية التي لن يتحلى بها إلا أصحابها، أولئك الذين رأوا المشهد من أبعد نقطة، ولم تكن مصالحهم الشخصية دافعًا لما يصدر عنهم من مواقف.

ويتضح لنا عبر هذا الخبر، وما قبله، كيف كان الإمام علي (عليه السلام) يتعامل مع أصحابه، إذ لم يرضَ كل ما يصدر عنهم من قولٍ أو فعل، بل يزجرهم تارةً، وينهاهم تارةً أخرى، ويرشدهم للصواب من القول والفعل فيما يرتقي بهم إنسانيًّا وإسلاميًّا، ولم يكن في كل ذلك السلوك، إلا مُعلِّمًا لهم، يستشعر عمق المسؤولية الملقاة على عاتقه، في سبيل أنْ يكونوا فعلاً وقولاً خير شيعةٍ لقائدهم، وإلا لم يكن بينهم وبين من وقفوا في الجانب الآخر منهم، كبير فرقٍ في السلوك، وهنا عبر هذه المواطن، نضع أنفسنا ونحن نطالع مثل هذه المواقف الأصيلة لمن نُكنُّ له أسمى اعتبارٍ في نفوسنا، ونتباهى بوصفنا الجماعة التي تنتمي إلى هذا الإمام، ونسأل: هل ما يصدر عنا من قولٍ أو فعلٍ، يليقُ أنْ يكون معبِّرًا عن مسمّى الجماعة التي تنتمي إلى هذا الإمام العظيم..؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *