من يعتقد أنه بلغ الستين من عمره وروحه باقية على العشرين؛ فهو مصاب بفصام، ويتحمل، جراء ذلك، العناء النفسي والإحباطات المتكررة، لأن الجسد والروح يسيران بخطى ثابتة واحدة لا تنفصل بتاتاً.
ومن يعتقد أن «العمر مجرد رقم»؛ فهو واهم، وتنقصه النظرة الواقعية لدورة حياة الإنسان الطبيعية؛ لأن لكل مرحلة عمرية استحقاقاتها الجسدية والنفسية والعقلية،
وفي مقدمتها استحقاقات استهلاك أعضائه، من الدماغ الى العينين الى الأسنان الى القلب الى الكبد الى المعدة الى العضلات الى العظام الى الشبكة العصبية الى الدم الى الشرايين الى الغدد؛ فكل دقيقة تمر على الإنسان يتراكم الاستهلاك، وتتراكم صعوبات الفعل الجسدي، وصولاً الى تعطّل بعض الأجهزة نهائياً وبالتدريج، وهو ما ينعكس تلقائياً على نفسه وروحه، وعلى نظرته لأغلب معاني الحياة ومتطلباتها.
ولكن؛ ربما يصح إطلاق عبارة أن «العمر مجرد رقم» على قدرة الإنسان على استمرار جانبه العقلي والنفسي في العطاء والإنتاج، وعلى الانطلاقات الجديدة، وفق ما تسمح به قدرته على خلق الإرادات. وهذا يعني أنّ الإنسان يستطيع أن يبدأ بدايات جديدة وانطلاقات جديدة في أية مرحلة من مراحل عمره، إذا أراد ذلك، ووضع لنفسه أهدافاً وطموحات جديدة أو متجددة.
النفس والروح لا تُستهلكا كما يستهلك الجسد إذا ما أراد الإنسان ذلك، وإن تقدمتا في العمر؛ ففي كل مرحلة عمرية يمكن أن تَتعبَ روحُ الإنسان، وتُجهَدَ نفسُه، ولهذا التعب والإجهاد علاقة بالظروف المحيطة بالإنسان، وليس بالعمر؛ فترى ــ مثلاً ــ شاباً في العشرين من عمره؛ مثقلاً بهموم الروح ويئنّ من تعبِ نفسه، في حين تجد عجوزاً في الثمانين، لكنه معافى نفسياً ومفعم بحيوية الروح.
ولا علاقة لكل هذا بالوضع المادي للإنسان وبتوافر متطلباته المادية وبلوغه طموحاته الحياتية، إنّما له علاقة بالرضا النفسي والقناعة وتحقيق الأهداف المعقولة المنسجمة مع ظروف الإنسان وقدراته العقلية والجسدية؛ فهناك من يمتلك المليارات، لكن حياته مليئة بالمشاكل والصعوبات وعدم الاستقرار، وهناك من يعيش حالة الكفاف، وحياته مليئة بالإنتاج والأمان والفرح، والعكس صحيح.
شخصياّ؛ لم أتمنّ يوماً أن أتوقف عند مرحلة عمرية معينة؛ لأن هذا التمني مجرد حسرة متهافتة، تجعل الإنسان يموت نفسياً قبل أوانه، وهو يصوِّر المراحل العمرية تصويراً ساذجاً، وكأنّ مرحلة الشباب أفضل من مرحلة الشيخوخة، أو أنّ هناك مرحلة عمرية أفضل من أخرى. والصحيح؛ أنّ لكل مرحلة استحقاقاتها وتبعاتها وآمالها وطموحاتها من جهة، وجمالها وحلاوتها وإنجازاتها من جهة أُخرى، ومشاكلها ومعاناتها من جهة ثالثة، وما على الإنسان إلّا أن يوازن بين واقعه الجسدي وواقعه الروحي والنفسي والعملي في كل مرحلة، وسيجد نفسه متألقاً ومنتجاً ومتفائلاً.
لم أشعر يوماً بالضجر من حياتي، أو أتململ من وجودي في هذه الدنيا، رغم أنّ حياتي مليئة بالصعوبات والعناء، مع بعض الأمراض الملازمة المزمنة، ولكن إرادة التفاؤل وتجديد الأهداف، واستسهال حل المشاكل، ووضع جدولة زمنية ممتدة للإنتاج والطموحات الواقعية، والإيمان بالله وقضائه وتقديره؛ تجعلني أعيش بتوازن ورضا وفرح متجدد على الدوام.
وأرى أن أهم عامل لاستقرار الإنسان وتوازنه النفسي، هي نظرته الواقعية إلى نفسه وإلى محيطة وظروفه، في كل مرحلة من مراحل حياته، وهذه الواقعية هي التي تخلق الرضا والقناعة والأمان في داخله، كيلا يعيش مزيد الأوهام والأحلام والرؤى الخيالية، وهذا لا يعني الاستسلام للواقع واليأس، إنّما يعني أن تكون طموحاته وآماله وأهدافه واقعية أيضاً، ليتجنب مزيد الإحباط والضجر والمشاكل النفسية.


