بدأت فتنة حصر العقيدة الرسمية للدولة العباسية بالعقيدة الأشعرية، والمذاهب الفقهية الإسلامية الرسمية بالمذاهب الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله منصور بن محمد (ت 640 هـ)، الذي خصص الدراسة في المدرسة المستنصرية التي أنشأها ببغداد سنة (625 هـ) لهذه المذاهب فقط، وقسّم قبلة الصلاة فيها إلى أربعة أقسام، لكل مذهب قسم. بيد أنّ قرار السلطان العباسي المستعصم بحصر المذاهب الإسلامية بالأربعة المذكورة سنة (645 هـ)، ومعاقبة من يتمذهب بغيرها؛ يعدّ التاريخ الرسمي لحصر المذاهب الإسلامية، وكان هذا القرار هو السبب الأهم في اندثار المذاهب السنية الأُخر، التي سميت بالمتروكة، بل كانت الفرق الأُخر غير الفرقة الأشعرية، والمذاهب الأُخر غير الأربعة المذكورة، تواجه بالقوة والاتهام بالبدعة، والخروج عن الدين من قبل السلطة؛ إذ يقول أبو زرعة الرازي: «من خرج عن ذلك [المذاهب الأربعة] لم ينله شيء، وحرم ولاية القضاء، وامتنع الناس عن استفتائه، ونسب إلى البدعة».
واستمر هذا الأمر بعد سقوط الدولة العباسية، وهو ما حدث بعد احتلال المماليك الأتراك مصر، إذ يقول المقريزي: «فلما كان سلطة الظاهر بيبرس البندقداري، ولي بمصر أربعة قضاة، وهم: شافعي، ومالكي، وحنفي، وحنبلي، فاستمر ذلك من سنة (665 هـ)، حتى لم يبق من مجموعة أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة… وعُودي من تمذهب بغيرها وأُنكر عليه، ولم يولَّ قاضياً، ولا قُبلت شهادة أحد، ولا قُدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها».
ويرى المؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون، بأنّ سبب عدم انتشار المذهب الحنبلي وقلة مقلديه، يعود «لبُعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدة الرواية وللأخبار بعضها ببعض»، ولكن لا أعتقد أنّ هذا السبب كاف، بل السبب الأهم يعود إلى عدم وجود دولة تدعمه وتتبنّاه، وعدم وجود طائفة تحميه وتحتمي به، والدليل أنّ مفصلين غيّرا في واقعه، الأول تولي عبد الله الحجازي القضاء سنة (738 هـ)، وكذلك مساعي ابن تيمية وابن قيم الجوزية في مجال إعادة تأسيس الطائفة الحنبلية على قواعد العصبية المذهبية والعقيدية والضبط المجتمعي. أمّا المفصل الثاني فهو الذي صنعه التحالف السياسي ـ الديني بين محمد بن عبد الوهاب وآل سعود في نجد، ليعود المذهب الحنبلي، بنسخته التيمية، إلى عصر الظهور والازدهار، بسبب وجود سلطة وقوة عسكرية ومؤسسة دينية كبيرة وطائفة عصبوية تنشره وتحميه.
ولم يكن ممكناً بقاء مذاهب كالإباضية، لولا حماية وتبني الدولة العُمانية، والزيدية بحماية وتبني الدولة اليمنية، والدروز لولا سلاح الإمارات في جبل لبنان وجبل سورية. كما كان تبني الدولة العثمانية المذهب الحنفي، وإعلانه مذهباً رسمياً للدولة، سبباً في تعزيز حضور المذهب الحنفي في الولايات العثمانية كافة. ويعود اختيار الدولة العثمانية المذهب الحنفي مذهباً رسمياً، إلى عدم اشتراط المذهب الحنفي في خليفة المسلمين أن يكون قرشياً، وهذا الاختيار المصلحي السياسي، تعبير آخر عن الاستثمار السيئ الذي يقوم به بعض الحكام للمذاهب، من أجل تمرير مصالحهم، دون أن تكون لديهم قناعة بهذا المذهب أو ذاك، بل ربما بالإسلام برمته. وقد ظل السلاطين العثمانيين يقومون بالأفعال نفسها التي كان يقوم بها الأُمويون والعباسيون والأيوبيون من قتل ومطاردة وتشريد وسجن ونفي واستباحة المدن، وهتك الأعراض، ومصادرة الأموال ضد أتباع آل البيت، حتى كانت فترة حكم السلطان سليم الأول التي تتساوى في دمويتها وقسوتها مع فترة حكم الأُمويين والعباسيين والأيوبيين والسلاجقة والمماليك.
أمّا التشيع، عقيدة ومذهباً؛ فقد كان يتحمل ضغطاً مركباً، فهو ممنوع علمياً بوصفه مذهباً آخر غير المذاهب الأربعة، ومقموع سياسياً بوصفه معارضاً للدولة، ولولا وجود أئمة آل البيت ومقاومة الشيعة وثوراتهم، وتأسيس دول شيعية خلال القرون الرابع والخامس السادس داخل الدولة العباسية (الحمدانية في شمال العراق وبلاد الشام، والإدريسية في شمال إفريقيا، والفاطمية في شمال إفريقيا ومصر، والبويهية في العراق وإيران)؛ لاندثرت المذاهب الشيعية أيضاً، بل كاد الشيعة خلال عهود الدول الشيعية المتزامنة والمتعاقبة، أن يتحولوا إلى أغلبية سكانية في كل العالم الإسلامي، لولا سقوط هذه الدول بالتدريج، بفعل صراعاتها الداخلية والبينية من جهة، والغزوات العسكرية العكسية للقوى السنية غير العربية النامية الجديدة، وخاصة القوى العسكرية السلجوقية والزنكية التركيتين، والأيوبية الكردية؛ فقد قضت القوة العسكرية الزنكية على الشيعة في شمال العراق وجزء من بلاد الشام، والقوة السلجوقية على كثير من الشيعة في شمال إفريقيا وإيران وأجزاء من العراق؛ فيما كان لسلطة القهر الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي وأبنائه، الدور التاريخي الأكبر في القضاء على الشيعة قضاء تاماً في شمال إفريقيا وبلاد الشام، ولولا الأيوبي لكان الشيعة اليوم يشكلون الأغلبية السكانية الساحقة في جميع المغرب العربي وشمال إفريقيا ومصر وسورية والأُردن وفلسطين ولبنان.
أمّا في إيران والهند؛ فلولا الدولة الصفوية لدخل العثمانيون بلاد فارس وقضوا على الأغلبية الشيعية في إيران والعراق، ولولا ضعف الدولة الصفوية وسقوطها لاستمر تمدد التشيع في شبه القارة الهندية وشرق آسيا، وأصبح مذهب الأكثرية المسلمة هناك، بل لولا السلطات الشيعية المتعاقبة في إيران، لتبخر التشيع في آسيا، ولبقي الشيعة مجرد جيوب متناثرة حالهم حال الدروز والصابئة والآشوريين.


