حين ينظر المرجع الديني إلى جميع شيعة العالم بعينٍ أبوية متساوية، ويشملهم برعايةٍ متكافئةٍ لا تُفرِّق بين جنسية أو قومية أو موطن أو منطقة أو توجّهٍ سياسي، ولا تمنعه هذه القيود الوضعية من رعاية شؤونهم، أو حمايتهم، أو الدفاع عنهم؛ فإنه حينئذٍ يُجسِّد بحق مقام المرجع الأعلى للطائفة الشيعية في العالم، دون حاجةٍ إلى دعايةٍ إعلامية أو حماسةٍ من مقلِّديه؛ إذ لا قيمة للمرجعية الدينية إن كانت محدودة الأفق، تنظر إلى فئة دون أخرى، أو تخضع في مواقفها لاعتبارات قومية أو محلية.
فإذا كانت الأخوّة الإيمانية أساساً في التعامل بين عموم المؤمنين، فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بجماعةٍ واحدة تنتمي إلى مذهبٍ واحد ونظامٍ اجتماعيٍّ واحد؟
أمّا من يُوصف بالمرجع الوطني، أو القومي، أو المناطقي، أو الفئوي؛ فهو إمّا اختار لنفسه، أو اختار له أتباعه، ألّا يكون مرجعاً لكل شيعة العالم، بل لجزءٍ منهم فحسب، بعد أن تنازل ضمناً عن الشمولية التي تتطلبها المرجعية العليا. وهو بذلك يُفقِد المرجعية عمقها وعالميتها، ويُفقِد أبناء المذهب توازنهم ووحدتهم الاجتماعية الدينية.
ومن البديهي أن يكون التكليف الشرعي للشيعي تجاه أبناء مذهبه في كل مكان، نابعاً من موقف المرجع الديني؛ فهو يتألم لألمهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم، ويشدد بنفسه أزرهم ويشدد بهم أزره؛ لأنهم جميعاً أعضاء في جسدٍ واحد.
وكما ينتظر الشيعة من المرجع الأعلى أن يعمل بواجبه في حمايتهم دون حدودٍ وقيود، وأن يكون أباً وملاذاً لهم جميعاً دون تمييز؛ فإنهم كذلك مكلّفون بدعمه وحمايته وإطاعته. أما من خالف ذلك؛ فجديرٌ به أن يُراجع أحاديث أئمة آل البيت في هذا المجال.
ومناسبةُ مقالنا هذا كلمة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني خلال اجتماعه بالمرجع الديني السيد عبد الله الجوادي الآملي، التي أعطى من خلالها درساً للجميع في قاعدة المسؤولية الشيعية المرتبطة بالفرد والمجتمع بشكل عام، والمرجعية بشكل خاص: ((إنّ نظرتنا إلى الحوزة العلمية في قم لا تختلف أبداً عن نظرتنا إلى الحوزة العلمية في النجف، وسنفعل ما بوسعنا لدعم الحوزات العلمية في كل مكان)).


