كثيرا عندما اتحدث مع أبناء جيلي عن هؤلاء الكبار اتفاجأ بعدم معرفتهم لهؤلاء العظماء لذلك ساحاول قدر الإمكان الاختصار للتعريف بهم.
أعمدة السرد في العراق خلال السبعينيات والثمانينيات: جيل التأسيس والتجديد
شهد العراق خلال السبعينيات والثمانينيات ازدهارًا ملحوظًا في السرد الروائي والقصصي، حيث برزت مجموعة من الكُتّاب الذين أسهموا في تطوير الأساليب السردية، وبلورة اتجاهات جديدة في القصة والرواية العراقية، هؤلاء الكُتّاب لم يكونوا مجرد أفراد يكتبون نصوصًا، بل كانوا يمثلون تيارات فكرية وأدبية متباينة عكست التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدها العراق في تلك الحقبة. في هذه المقالة، احاول تسليط الضوء على بعض من أبرز أعمدة السرد في العراق خلال هذه الفترة :
محمد خضير: القصة بوصفها مختبرًا سرديًا
يُعد محمد خضير أحد أهم كتاب القصة القصيرة في العراق والعالم العربي، حيث قدّم أعمالًا سردية تمزج بين التجريب والبعد الفلسفي. في مجموعته الشهيرة “المملكة السوداء” (1972)، استطاع أن يرسم عوالم قصصية تتسم بالغرائبية والتكثيف اللغوي، كما قدم في “في درجة 45 مئوي” (1978) نموذجًا جديدًا للبناء القصصي يعتمد على التوتر النفسي والسرد المتعدد الطبقات. شكّلت أعماله منعطفًا مهمًا في تطور القصة العراقية، حيث انتقل بها من السرد التقليدي إلى فضاءات أكثر تعقيدًا وتجريبًا.
خضير عبد الأمير: بين الواقعية والسحرية
تميّزت كتابات خضير عبد الأمير بمزجها بين الواقعية والخيال، حيث استطاع أن ينقل التجربة العراقية بكل تناقضاتها عبر لغة سردية متقنة. عالج في قصصه ورواياته مواضيع تتعلق بالهوية، والضياع، والصراع بين الأفراد والسلطة. ورغم أنه لم يحظَ بالشهرة الواسعة التي نالها بعض معاصريه، إلا أن تجربته السردية تحمل أهمية خاصة في سياق تطور القصة العراقية.
عبد الرحمن مجيد الربيعي: التداخل بين السيرة والخيال.
يعد عبد الرحمن مجيد الربيعي من الأسماء البارزة التي أثّرت في الرواية العراقية، إذ تميزت أعماله بالسرد العميق الذي يشتبك مع الواقع السياسي والاجتماعي، روايته “الوشم” (1972) تُعد من أهم الأعمال العراقية التي عالجت موضوعات الحرية والقمع والوجود الإنساني في ظل الأنظمة السياسية المتغيرة. اعتمد أسلوبًا سرديًا يمزج بين السيرة الذاتية والخيال، مما جعل أعماله قريبة من القارئ، ولكنها في الوقت ذاته تحتفظ بطابعها الفلسفي العميق.
عبد الخالق الركابي: الواقعية الجديدة
يُعد عبد الخالق الركابي من الأسماء التي استطاعت أن تجدد في أساليب السرد الروائي في العراق، حيث قدم في أعماله نموذجًا متطورًا للواقعية الجديدة. روايته “سابع أيام الخلق” (1994) – رغم أنها صدرت في التسعينيات – إلا أن جذورها تمتد إلى هذه الحقبة، حيث تشكلت ملامح أسلوبه السردي في السبعينيات والثمانينيات. تميزت كتاباته بالعمق التاريخي، وبالتقاط تفاصيل الحياة العراقية في تحولات الزمن.
عبد الملك نوري: رائد القصة الحديثة
رغم أن عبد الملك نوري برز في فترة الخمسينيات، إلا أن تأثيره امتد إلى السبعينيات والثمانينيات، حيث شكل مدرسة سردية قائمة على التجريب والبحث عن أشكال جديدة للقص. مجموعته “نشيد الأرض” وأعماله الأخرى قدّمت نماذج قصصية متميزة تعتمد على البناء النفسي العميق للشخصيات، وعلى تصوير دقيق للأزمات الوجودية التي يمر بها الإنسان العراقي.
فؤاد التكرلي: الواقعية النفسية العميقة
يُعتبر فؤاد التكرلي من أبرز الروائيين العراقيين الذين أحدثوا تحولات جوهرية في السرد العربي. روايته “الرجع البعيد” (1980) تعد واحدة من أهم الروايات العربية، حيث عالجت القمع السياسي والصراع النفسي والاجتماعي عبر شخصيات مرسومة بدقة نفسية عالية. تميزت كتاباته بأسلوبها العميق الذي يغوص في النفس البشرية، معتمدًا على لغة سردية دقيقة وتحليل اجتماعي حاد.
مهدي عيسى الصقر: الواقعية والتوثيق التاريخي.
تميّزت كتابات مهدي عيسى الصقر بالواقعية الممزوجة بالتوثيق التاريخي، حيث كانت رواياته وقصصه القصيرة انعكاسًا للحياة العراقية بكل تقلباتها. في روايته “الشاهدة والزنجي”، قدّم سردًا يشتبك مع التاريخ والسياسة، بأسلوب يجمع بين السرد الحكائي والتحليل العميق للمجتمع.
لطفية الدليمي: الصوت الأنثوي في السرد العراقي.
تُعد لطفية الدليمي واحدة من أهم الأديبات العراقيات اللاتي أثّرن في المشهد السردي خلال هذه الفترةحيث تميزت أعمالها بالسرد العميق الذي يعكس قضايا المرأة، والهوية، والعلاقات الإنسانية، مستخدمة أسلوبًا سرديًا يجمع بين الحلم والواقع. رواياتها “سيدات زحل” و*”عالم النساء الوحيدات”* شكلت إضافة مهمة للأدب النسوي في العراق، حيث تناولت قضايا وجودية واجتماعية بأسلوب حداثي متطور.
الخلاصة
إن السرد العراقي في حقبة السبعينيات والثمانينيات لم يكن مجرد امتداد لما قبله، بل كان مرحلة تأسيسية جمعت بين التأصيل والتجديد، فقد شهد هذا العصر تحولات كبرى في أساليب الكتابة، حيث انتقل السرد من التقليدية إلى التجريب، ومن الواقعية المباشرة إلى الواقعية السحرية والنفسية. وبفضل هؤلاء الكُتّاب وغيرهم، استطاع الأدب العراقي أن يثبت حضوره في الساحة العربية، ويظل حتى اليوم نموذجًا إبداعيًا غنيًا يعكس الروح العراقية بكل تعقيداتها.
لذلك اطلب من جيل السرد الجديد الرجوع إلى سرد هؤلاء العمالقة للتعرف على أصول السرد الحقيقي.


