يبدو الحديث عن (مهدي عيسى الصقر) أشبه بمحاولة استرجاع ملامح كاتبٍ كان متفردًا في رؤيته السردية، لكنه لم يحظَ بالضوء النقدي الكافي، ربما لأن الأدب شأنه شأن الحياة، لا يعترف دوماً بالاستحقاق، بل يخضع لمعادلات التلقي والتأويل وتوجهات المشهد الثقافي في لحظته التاريخية.
وإذا أردنا أن نناقش مظلوميته، فإنها ليست مظلومية شخصية، بل هي تجلٍّ لصراع أكبر بين النصوص وآليات الاعتراف بها، يمكن القول إن الصقر لم يكن ضحية إهمال النقد وحسب، بل كان ضحية وعي نقدي لم يكن جاهزًا لاستيعاب تحولات السرد التي كان يعمل عليها.
ينتمي الصقر إلى جيل الريادة في القصة والرواية العراقية، لكنه لم يكن نسخة مكررة من كتاب الواقعية الكلاسيكية، كما أنه لم ينخرط تمامًا في موجات التجريب التي سيطرت لاحقًا. هذه المسافة جعلته كاتبًا خارج التصنيفات القاطعة، بين الواقعية ذات العمق النفسي والتجريب الذي لا ينسلخ عن جوهر الحكاية، هذا التموقع الصعب جعله غير محسوب على تيار نقدي محدد، فبقي بعيدًا عن دائرة الاحتفاء والتداول الواسع.
إذا أخذنا مثالاً من أعماله، نجد انها ليست مجرد حكايات بقدر ما هي تجربة سردية متشابكة، حيث تلتقي بنية القصة مع فلسفة الزمن الداخلي للشخصيات، هذا النوع من السرد الذي يشتبك مع الداخل النفسي، لم يكن يحظى بشعبية كبيرة في النقد العراقي الذي مال غالبًا إلى الاحتفاء بالخطاب المباشر أو الرمزي الواضح.
منذ الخمسينيات وحتى العقود اللاحقة، كان النقد العراقي والعربي يبحث عن “مشروع روائي” واضح المعالم، سواء من حيث الأيديولوجيا أو التقنيات السردية، بعبارة أخرى كان النقد يُقيّم الرواية بناءً على مدى التزامها بتيارات كبرى مثل الواقعية الاشتراكية أو الرواية الرمزية ذات البعد القومي أو الوجودي.
لكن الصقر كان يعمل في منطقة أخرى، حيث كان يطرح أسئلة سردية أكثر تركيبًا، تدور حول الزمن، والعزلة، والتحولات الداخلية للشخصيات، وهي قضايا لم تكن تجد صدى كافيًا لدى النقاد الذين كانوا منشغلين إما بالسرديات الكبرى أو بالتجريب الصارخ.
و لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته الظروف السياسية في تهميش الكثير من الأدباء. الصقر لم يكن محسوبًا على السلطة، ولم يكن معارضًا صريحًا، لكنه في الوقت ذاته لم يكن جزءًا من المؤسسات الثقافية التي كانت تروج لأسماء بعينها.
لقد عايش مراحل تاريخية معقدة في العراق، لكن أعماله لم تتكئ على السياسة المباشرة، بل حاولت أن تستكشف أزمات الفرد داخل المجتمع، دون أن تسقط في الشعاراتية. هذا الموقف لم يكن يروق لمؤسسات الثقافة الرسمية، التي كانت تفضل أدبًا أكثر وضوحًا في مواقفه الأيديولوجية.
ربما لم يكن النقد في زمن الصقر مستعدًا لاستيعاب مشروعه السردي، لكن السؤال الأهم: هل نحن اليوم مستعدون لإنصافه؟
يمكن أن يتم ذلك عبر:
- إعادة قراءة أعماله وفق مقاربات نقدية حديثة، تركز على الجوانب الجمالية والسردية بدل التصنيفات الجاهزة.
- إدخال رواياته وقصصه ضمن الدراسات الأكاديمية، بوصفها جزءًا من تطور الرواية العراقية وليس مجرد محاولات فردية.
- إحياء أعماله نقديًا وإعلاميًا، عبر ندوات نقدية وطباعة جديدة لأعماله.
يبقى مهدي عيسى الصقر نموذجًا للكاتب الذي لم يأخذ حقه في زمنه، وربما آن الأوان لتصحيح ذلك، ليس فقط إنصافًا له، بل لأن إعادة قراءة أعماله قد تكشف لنا أفقًا سرديًا كان قد سبق زمنه.
* مهدي عيسى الصقر ( 1927-2006)
يعد من الأسماء اللامعة في الأدب العراقي المعاصر، ركز في سرده على الهموم الاجتماعية و الاقتصادية وجمع بين الأدب الواقعي و النقد الاجتماعي.


