عندما وجه قاضي التحقيق سؤاله التقليدي الى المجرم علي كيمياوي عن موقفه الحالي تجاه جريمة قصفه حلبجة بالسلاح الكيمياوي لم يكن القاضي والحاضرون يتوقعون جوابه بقوله : (لست نادما ولو عاد بي الزمن وامرت بقصفها لفعلت ذلك مجددا)!
كانت لحظات مرعبة قد مرت غداة يوم 16 آذار 1988 اذ ارتكب نظام صدام واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، حيث قصفت قواته مدينة حلبجة الكردية بالأسلحة الكيميائية، مما أدى إلى استشهاد أكثر من 5,000 مدني وإصابة الآلاف، معظمهم من النساء والأطفال.
كانت تلك الجريمة متزامنة مع ذروة الحرب الصدامية على ايران، ومن اجل التمهيد لجريمته اتهم نظام صدام الأكراد بالتعاون مع إيران، فقرر معاقبة مدينة حلبجة بقسوة.
في هذه الجريمة استخدم الطيران خليطاً من غازات الأعصاب (السارين، التابون، الخردل) مما تسبب في موت الآلاف اختناقاً أو حروقاً كيميائية.
الجثث كانت متناثرة في الشوارع، والناجون وصفوا المشاهد بأنها (الجحيم بعينه).
هذه الجريمة لم تكن الوحيدة بل كانت متصلة بسلسلة جرائم تطهير عرقي سماها نظام الطاغية (حملات الأنفال) استهدفت الكرد في شمالي البلاد.
وقد امتدت تلك الحملات ثلاث سنوات (1986-1989) وتضمنت :
– تدمير أكثر من 4,000 قرية كردية.
– اختفاء ما يقارب 182,000 كردي (تم اكتشاف مقابرهم الجماعية لاحقاً).
– استخدام التعذيب والتهجير القسري ضد المناطق الكردية.
وقد صنفت الأمم المتحدة هذه الحملات لاحقاً كجرائم إبادة جماعية.
لم تكن مأساة حلبجة وحملات الانفال الا جرائم جزئية في سجل نظام صدام الذي استهدف كل مكونات الشعب العراقي وخصوصا الشيعة والكرد، وقد حملت الوثائق والاسناد المسجلة جرائم فظيعة ارتكبها نظام صدام، وجلاوزته وجلادوه المتوحشون، لذلك فان اكثر التسميات تساهلا ان يطلق على ذلك النظام اسم (نظام المقابر الجماعية)، وعند محاكمة صدام وكبار المجرمين في نظامه لم ينكروا جرائمهم، ولم يصفوا انفسهم بأنهم كانوا قوما صالحين، لذلك كانوا يتوقعون قرار اعدامهم، لكن الغريب في الامر هناك ممن مازالوا يسمون عهد صدام (الزمن الجميل).
فكيف يمكن أن يسمى زمن الإبادة والقتل الجماعي زمناً جميلاً؟ انها تسمية تستبطن اهانة للشهداء واسرهم وتشفيا بالعراقيين من ضحايا النظام، وما يمثله هذا التشفي من مخالفة للدين والعرف ومخالفة للدستور توجب العقاب، وتمجيد علني للاستبداد والدكتاتورية.
في هذه المناسبة الحزينة لابد من تحذير القوى السياسية من عودة او اعادة البعثيين المجرمين الى مواقع السلطة بجهد خارجي او داخلي مستغلين الاهمال والمحسوبيات والحواضن الاقليمية الدافعة، فالبعثيون كانوا سياطا بيد صدام ولا يمكن ان يصلحوا لعمل الخير.
تأتي هذه المناسبة الحزينة في وقت صوت مجلس النواب على اعلان مدينة حلبجة محافظة جديدة اكراما لذكرى شهدائها ورمزيتها الوطنية، وهو اجراء عادل، وهو أقل ما يمكن تقديمه لهذه المدينة الجريحة.


