المواطن البسيط.. والمواطن العبيط

المواطن البسيط.. والمواطن العبيط
يدعو الطرح إلى تجاوز اللامبالاة السياسية والولاء الحزبي الأعمى، وبناء مواطنة واعية تجعل الأداء والإنجاز والمساءلة معياراً للحكم على المسؤولين، بعيداً عن العصبيات والانتماءات الضيقة، بما يعزز الرقابة المجتمعية ويحمي مصالح الدولة والمواطن...

يبدو أن المشهد العراقي أفرز، على امتداد سنوات طويلة، نموذجين من المواطنين يختلفان في طريقة تعاملهما مع السياسة، لكنهما يلتقيان، من حيث لا يشعران، عند نتيجة واحدة: إضعاف قدرة المجتمع على مساءلة السلطة ومحاسبة المسؤولين.

النموذج الأول هو «المواطن البسيط»؛ ذلك المواطن المسالم الذي قد يكون موظفاً أو أستاذاً جامعياً أو طبيباً أو مهندساً أو تاجراً. يمارس حياته اليومية بصورة طبيعية، يذهب إلى عمله، يعود إلى أسرته، يتابع الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، لكنه ما إن يُسأل عن موقفه من الشأن السياسي حتى يسارع إلى القول:

«لا علاقة لي بالسياسة».

المفارقة أن هذا المواطن قد يمتلك معرفة دقيقة بتفاصيل مباريات كرة القدم، وتشكيلات الأندية، وانتقالات اللاعبين، والإصابات والخطط التكتيكية، وقد يناقش لساعات من يستحق اللعب ومن ينبغي أن يجلس على دكة الاحتياط. لكنه في المقابل لا يعرف، أو لا يريد أن يعرف، من المسؤول عن ملف الكهرباء، أو السكن، أو التعليم، أو الضرائب، أو الرواتب، أو الموازنة العامة، أو الدين العام.

وهنا تكمن المشكلة.

فالسياسة ليست نشاطاً منفصلاً عن الحياة اليومية، ولا قضية تخص السياسيين وحدهم. السياسة تدخل بيت المواطن من خلال فاتورة الكهرباء، وتظهر في الأسعار التي يدفعها في السوق، وفي قيمة راتبه، ومستوى المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، ونوعية المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج، وفرص العمل المتاحة، وكلفة السكن والنقل والخدمات.

حين يقرر المواطن الابتعاد عن السياسة بهذا المعنى، فإنه لا يبتعد عنها فعلياً؛ لأن نتائجها ستصل إليه حتى إن قرر تجاهلها.

أما النموذج الثاني فهو «المواطن العبيط».

وهذا النموذج لا يبتعد عن السياسة، بل يقترب منها بطريقة أكثر خطورة. فقد يكون عاملاً أو سائقاً أو صاحب متجر أو صاحب مهنة حرة، يعيش تحت ضغوط اقتصادية حقيقية، ويعاني ارتفاع الأسعار وصعوبة السكن وضعف الخدمات وتراجع فرص العمل.

إنه يشكو من واقع اقتصادي واجتماعي صعب، لكنه عندما يصل الحديث إلى السياسي أو الزعيم الذي يؤيده، تتغير المعايير فجأة.

قد تقول له:

هذا المسؤول جزء من المنظومة التي تنتقدها صباحاً ومساءً.

فيجيبك:

«نعم… لكنه مختلف؛ لأنه من جماعتنا».

عند هذه النقطة تتراجع معايير الكفاءة والإنجاز والمساءلة، ويحل محلها منطق آخر يقوم على الانتماء والولاء السياسي أو الطائفي أو الحزبي.

إذا ارتفعت الأسعار فهناك مؤامرة.

وإذا تراجعت الخدمات فهناك مؤامرة.

وإذا لم يجد الابن فرصة عمل فهناك مؤامرة.

وإذا أصبح السكن بعيداً عن قدرة الأسرة فهناك مؤامرة.

لكن عندما يظهر السياسي نفسه على لافتة ضخمة في أحد الشوارع، يتحول فجأة إلى «أبي الخدمات» و«حامي الجماعة» و«الزعيم الذي لا يُخطئ».

ومن هنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة في المشهد العراقي: المواطن قد يتضرر من سياسات معينة، ثم يستخدم هاتفه ووقته وجهده للدفاع عن الأشخاص الذين شاركوا في صناعة تلك السياسات.

وهكذا نجد أنفسنا أمام نموذجين مختلفين في السلوك، متشابهين في النتيجة.

المواطن البسيط لا يسأل السياسي أصلاً.

والمواطن العبيط يسأله، لكنه يهيئ له العذر قبل أن يسمع الإجابة.

الأول يقول:

«دعهم يحكمون، فأنا أريد فقط أن أعيش».

والثاني يقول:

«دعهم يحكمون، وسأدافع عنهم لأنهم يمثلون جماعتنا».

وفي الحالتين يكون السياسي هو المستفيد الأكبر؛ لأن السلطة التي لا تواجه أسئلة جدية، أو التي يضمن أصحابها دفاع جمهورهم عنهم مهما كانت النتائج، تصبح أقل إحساساً بضغط المساءلة.

المشكلة إذن لا تتعلق بمقدار اهتمام المواطن بالسياسة فقط، بل بنوعية هذا الاهتمام.

فاللامبالاة تضعف الرقابة المجتمعية، كما أن الولاء الأعمى يضعفها أيضاً.

الأولى تمنح السياسي الصمت، والثانية تمنحه التبرير.

وفي الحالتين تتراجع قيمة الإنجاز بوصفه معياراً للحكم على المسؤول.

لهذا تبدو السياسة في العراق أحياناً وكأنها مباراة كرة قدم طويلة.

إذا فاز «فريقنا»، يصبح كل شيء مقبولاً.

وإذا خسر، يكون الحكم والملعب والطقس والمؤامرة مسؤولين عن الخسارة.

لكن حين تخسر الدولة نفسها، ويدفع المواطن ثمن الخسارة من دخله ومستقبله وخدماته، يقل عدد الذين يسألون: من وضع الخطة؟ ومن اتخذ القرار؟ ومن كان مسؤولاً عن التنفيذ؟ ومن يجب أن يتحمل نتيجة الفشل؟

ليس خطأ أن يعرف المواطن أسماء لاعبي ريال مدريد أو برشلونة، وأن يتابع المباريات ويختلف حول المدربين والتشكيلات. الترفيه جزء طبيعي من الحياة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يعرف المواطن تفاصيل فريق يبعد عنه آلاف الكيلومترات، ولا يعرف اسم المسؤول عن قطاع يمس حياته مباشرة، ولا يعرف ما الذي وعد به ذلك المسؤول، وما الذي أنجزه، وما حجم الأموال التي أُنفقت، ولماذا لم تتحقق النتائج المعلنة.

وليست المشكلة أيضاً في متابعة المسلسلات أو وسائل التواصل الاجتماعي، بل في أن يتحول المواطن نفسه إلى مجرد متفرج على مسلسل سياسي مفتوح، تتغير فيه الشخصيات بينما تبقى المشكلات ذاتها، ويتابع الحلقات عاماً بعد آخر من دون أن يسأل من يكتب السيناريو، ولماذا تتكرر النهاية.

كذلك ليس من الخطأ أن يؤيد المواطن سياسياً أو حزباً أو تياراً معيناً. فالاختيار السياسي حق طبيعي، والاختلاف جزء من الحياة العامة.

لكن التأييد شيء، وتعليق العقل النقدي شيء آخر.

عندما يصبح الولاء لشخص أقوى من الولاء للحقيقة، وعندما تتحول الثقة إلى حصانة دائمة من النقد، ويصبح الانتماء مبرراً للفشل، فإن المواطن لا يعود مدافعاً عن سياسي فحسب؛ بل يتحول، من دون أن يقصد، إلى مدافع عن الخطأ نفسه.

فالسياسي الذي يعرف أن جمهوره سيصفق له مهما كانت النتائج، لن يشعر بالضغط ذاته الذي يشعر به سياسي يعرف أن مؤيديه أنفسهم سيحاسبونه إذا أخفق.

والمواطن الذي يمنح ولاءه مقدماً، ويبرر الخطأ قبل وقوعه، يتنازل طوعاً عن أهم أداة يملكها في علاقته بالسلطة: المساءلة.

من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تجاوز النموذجين معاً.

لسنا بحاجة إلى مواطن يقول:

«لا علاقة لي».

ولا إلى مواطن يقول:

«كل ما يفعله زعيمنا صحيح».

ما يحتاجه العراق هو مواطن من نوع ثالث؛ مواطن يعرف أن المشاركة في الشأن العام لا تعني التحول إلى سياسي محترف، وأن النقد لا يعني العداء، وأن التأييد لا يعني التبعية.

مواطن يسأل، ويفهم، ويراقب، وينتقد، ويحاسب.

يؤيد المسؤول عندما ينجح، ويعارضه عندما يفشل، ويغير موقفه عندما تتغير الوقائع.

مواطن يدرك أن المسؤول، مهما علا منصبه، يتولى وظيفة عامة لخدمة الدولة والمجتمع، وليس مالكاً للدولة ولا صاحب حق دائم في الولاء.

فالوطن ليس ريال مدريد ولا برشلونة.

والوطن أيضاً ليس «زعيمنا» في مواجهة «زعيمكم».

الوطن مساحة مشتركة، يدفع الجميع ثمن سوء إدارتها، كما يستفيد الجميع من نجاح إصلاحها.

وحين تفشل الدولة، لا تميز أزمة الكهرباء بين أنصار هذا الحزب وذاك، ولا تسأل البطالة المواطن عن انتمائه، ولا ترتفع الأسعار لفئة سياسية دون أخرى. نتائج الإدارة السيئة تصل، بدرجات متفاوتة، إلى الجميع.

لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية الذي ينبغي أن يطرحه المواطن العراقي على نفسه، عند تقييم أي سياسي، ليس:

«هل هذا السياسي من جماعتنا؟»

بل:

«ماذا فعل للعراق؟ وما الذي تغير في حياة الناس خلال وجوده في السلطة؟»

فالعمل السياسي لا يُقاس بحجم الصورة المعلقة في الشارع، ولا بعدد الهتافات، ولا بكثافة المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بقدرة الأنصار على الدفاع عن زعيمهم.

المعيار الحقيقي أبسط وأكثر صرامة:

ماذا تحقق على الأرض؟

هل تحسنت الخدمات؟ هل توسعت فرص العمل؟ هل أُدير المال العام بكفاءة؟ هل أصبحت المؤسسات أقوى؟ وهل أصبحت حياة المواطن أفضل؟

حين يبدأ المواطن بطرح هذه الأسئلة، تنتقل السياسة من دائرة الولاء للأشخاص إلى دائرة تقييم الأداء.

وربما يكون هذا التحول هو أول خطوة حقيقية للخروج من زمن «المواطن البسيط» و«المواطن العبيط»، والدخول في زمن المواطن الذي يعرف أن وعيه ليس ترفاً سياسياً، بل جزء من حماية مستقبله ومستقبل وطنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *